الْبَطَّةُ الْمَسْحُورَةُ

الْبَطَّةُ الْمَسْحُورَةُ

حكايات جدتي البطة المسحورة

خَرَجَتِ الْعَجُوزُ الطَّيِّبَةُ مِثْلَ عَادَتِهَا كُلَّ يَوْمٍ إِلَى النَّهْرِ الْقَرِيبِ، لِتَرْعَى بَطَّاتِهَا السِّتَّ. وَحِينَمَا اقْتَرَبَتْ مِنْ شَاطِئِ النَّهْرِ رَأَتْ عَلَى الْبُعْدِ شَيْئًا أَبْيَضَ يَتَكَوَّمُ عَلَى الْأَرْضِ. فَأَسْرَعَتْ نَحْوَهُ فَوَجَدَتْهُ بَطَّةً بَيْضَاءَ جَمِيلَةً تَطِيرُ ثُمَّ تَسْقُطُ. رَفَعَتْهَا الْعَجُوزُ فِي يَدِهَا وَرَاحَتْ تَفْحَصُ عَنْهَا، وَلَمَّا رَأَتْ فِيهَا جُرْحًا عَرَفَتْ أَنَّهَا مَرِيضَةٌ، فَحَمَلَتْهَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَعَادَتْ بِهَا إِلَى الْبَيْتِ وَاعْتَنَتْ بِهَا.

وَبَعْدَ أَيَّامٍ عَادَتْ لِلْبَطَّةِ صِحَّتُهَا وَنَشَاطُهَا، إِلَّا أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ تُشْبِهُ بَطَّاتِهَا السِّتَّ، وَلَا تُشْبِهُ أَيَّ بَطَّةٍ مِنْ جِنْسِهَا، فَهِيَ تَخَافُ الْمَاءَ بِعَكْسِ مَا يُعْرَفُ عَنِ الْبَطِّ مِنْ حُبِّهِ الْمَاءَ وَالسِّبَاحَةَ فِيهِ. كَمَا أَنَّهَا لَا تَأْكُلُ الْحُبُوبَ أَوِ الدِّيدَانَ أَوْ أَيَّ شَيْءٍ مِمَّا تَأْكُلُهُ الْبَطَّاتُ، إِذْ كَانَتْ تُفَضِّلُ أَنْ تَأْكُلَ الطَّعَامَ الَّذِي يَأْكُلُهُ النَّاسُ. وَلِذَلِكَ صَارَتِ الْعَجُوزُ تُقَدِّمُ لَهَا بَعْضًا مِنْ طَعَامِهَا الَّذِي تَأْكُلُهُ بِيَدَيْهَا فَأَحَبَّتْهَا الْبَطَّةُ الْبَيْضَاءُ حُبًّا شَدِيدًا. وَحَتَّى فِي سَاعَةِ النَّوْمِ لَا تَذْهَبُ الْبَطَّةُ إِلَى عُشَّةِ الطُّيُورِ لِتَنَامَ مَعَ سَائِرِ الْبَطَّاتِ، بَلْ تُسْرِعُ إِلَى الْعَجُوزِ لِتَنَامَ مَعَهَا فِي فِرَاشِهَا، بَلْ وَلَا تَسْتَطِيعُ النَّوْمَ إِلَّا إِذَا وَضَعَتْ رَأْسَهَا عَلَى صَدْرِ الْعَجُوزِ.

وَذَاتَ يَوْمٍ طَرَقَ بَابَ الْعَجُوزِ شَابٌّ قَوِيٌّ مَلَامِحُهُ جَمِيلَةٌ، يَمْتَطِي جَوَادًا أَشْهَبَ، فَأَسْرَعَتِ الْعَجُوزُ تَفْتَحُ لَهُ الْبَابَ وَتُسَاعِدُهُ فِي رَبْطِ جَوَادِهِ. وَتَنَبَّهَتِ الْعَجُوزُ إِلَى مَا أَصَابَ الْبَطَّةَ الْبَيْضَاءَ الْجَمِيلَةَ، فَقَدْ هَاجَتْ وَرَاحَتْ تَتَحَرَّكُ هُنَا وَهُنَاكَ وَتَصِيحُ وَتَصِيحُ، وَتَضْرِبُ جَنْبَيْهَا بِجَنَاحَيْهَا، وَتَقْفِزُ قَفَزَاتٍ عَالِيَةً أَمَامَ الشَّابِّ، الَّذِي تَنَبَّهَ لَهَا وَتَعَجَّبَ مِمَّا يَرَاهُ.

وَسَأَلَ الْعَجُوزَ: "بَطَّتُكِ هَذِهِ عَجِيبَةٌ وَذَكِيَّةٌ، فَأَنَا أَرَى لِأَوَّلِ مَرَّةٍ، بَطَّةً تُرَحِّبُ بِزَائِرٍ كُلَّ هَذَا التَّرْحِيبِ". قَالَتِ الْعَجُوزُ: "وَأَنَا أَيْضًا أَتَعَجَّبُ فَهَذِهِ هِيَ الْمَرَّةُ الْأُولَى الَّتِي أَرَاهَا فِيهَا تَتَصَرَّفُ هَكَذَا، صَحِيحٌ أَنَّهَا لَا تُشْبِهُ بَطَّاتِي، وَلَكِنَّهَا كَانَتْ حَتَّى الْآنَ هَادِئَةً مُنْطَوِيَةً عَلَى نَفْسِهَا كُلَّ الْوَقْتِ مُنْذُ أَنْ وَجَدْتُهَا". قَالَ الشَّابُّ فِي دَهْشَةٍ وَهُوَ يَشْرَبُ كُوبًا مِنَ اللَّبَنِ قَدَّمَتْهُ لَهُ الْعَجُوزُ: "تَقُولِينَ إِنَّكِ وَجَدْتِهَا؟ جَمِيلٌ أَنْ تَعْثُرِي عَلَى هَذِهِ الْبَطَّةِ الرَّائِعَةِ، فَحَافِظِي عَلَيْهَا فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَرَاهَا عِنْدَكِ كُلَّمَا مَرَرْتُ مِنْ هُنَا".

ثُمَّ حَدَثَ مَا هُوَ أَعْجَبُ، فَمَا أَنْ رَأَتِ الْبَطَّةُ الشَّابَّ يُوشِكُ عَلَى الرَّحِيلِ، حَتَّى رَاحَتْ تَطِيرُ لِتَرْكَبَ عَلَى ظَهْرِ فَرَسِهِ، فَيَدْفَعُهَا هُوَ بِرِفْقٍ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ. فَقَالَتْ لَهُ الْعَجُوزُ: "خُذْ هَذِهِ الْبَطَّةَ الْمِسْكِينَةَ مَعَكَ يَا بُنَيَّ، أَلَا تَرَاهَا تَكَادُ تَقْتُلُ نَفْسَهَا لِتَرْكَبَ مَعَكَ؟". اعْتَذَرَ الشَّابُّ عَنْ تَلْبِيَةِ طَلَبِهَا لِأَنَّهُ عَائِدٌ إِلَى أَهْلِهِ بَعْدَ غِيَابِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا قَضَاهَا فِي السَّفَرِ، وَوَعَدَهَا عِنْدَ مُرُورِهِ الْمَرَّةَ الْقَادِمَةِ أَنْ يَأْخُذَهَا. رَكِبَ الشَّابُّ فَرَسَهُ بَعْدَ أَنْ وَدَّعَ الْعَجُوزَ عَائِدًا إِلَى أَهْلِهِ، وَإِذَا بِالْبَطَّةِ تَتْبَعُهُ طَائِرَةً، وَالْعَجُوزُ تُحَاوِلُ اللَّحَاقَ بِهَا وَتُنَادِيهَا، فَتَتَعَثَّرُ الْعَجُوزُ وَتَقَعُ عَلَى الْأَرْضِ.

جَلَسَتِ الْعَجُوزُ تُفَكِّرُ فِي شَأْنِ الْبَطَّةِ وَتَصَرُّفِهَا الْعَجِيبِ، ثُمَّ قَالَتْ فِي نَفْسِهَا: "إِنَّ وَرَاءَ هَذِهِ الْبَطَّةِ سِرًّا". فَأَوْدَعَتْ بَطَّاتِهَا السِّتَّ عِنْدَ جَارَةٍ لَهَا، وَانْطَلَقَتْ وَرَاءَ الشَّابِّ وَالْبَطَّةِ. وَفِي الطَّرِيقِ تَبِعَ الشَّابَّ ذِئْبٌ شَرِسٌ لِيَثِبَ عَلَيْهِ دُونَ أَنْ يُحِسَّ بِهِ، وَرَأَتْ ذَلِكَ الْبَطَّةُ فَانْقَضَّتْ عَلَى الذِّئْبِ الشَّرِسِ، وَانْتَبَهَ الشَّابُّ فَأَسْرَعَ يَسْتَلُّ سَيْفَهُ وَيَلْقَى الذِّئْبَ بِضَرْبَةٍ سَرِيعَةٍ فَيَصْرَعُهُ. وَنَزَلَ الشَّابُّ مِنْ عَلَى فَرَسِهِ، وَفَرَدَ ذِرَاعَيْهِ لِلْبَطَّةِ، وَرَاحَ يُمِرُّ بِأَصَابِعِهِ عَلَى ظَهْرِهَا وَيَسْأَلُهَا عَنْ سَبَبِ إِصْرَارِهَا عَلَى اتِّبَاعِهِ فِي الطَّرِيقِ وَإِنْقَاذِهِ مِنَ الذِّئْبِ الشَّرِسِ، فَتَنْظُرُ إِلَيْهِ الْبَطَّةُ وَتَصِيحُ: "كَاك كَاك كَاك".

وَأَقْبَلَتِ الْعَجُوزُ وَهِيَ تَرْكَبُ عَرَبَةً تَجُرُّهَا الْحَمِيرُ كَانَتْ تَعْبُرُ الطَّرِيقَ، فَطَلَبَتْ مِنْ صَاحِبِهَا أَنْ يَتَوَقَّفَ عِنْدَ الشَّابِّ وَقَالَتْ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَنِي أَلْحَقُ بِكَ، لِأَنْصَحَكَ أَنْ تَصْحَبَ هَذِهِ الْبَطَّةَ مَعَكَ، فَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ لَهَا وَإِيَّاكَ قِصَّةٌ". وَصَحِبَهُمَا الشَّابُّ مَعًا عَلَى فَرَسِهِ، وَدَخَلَ بِهِمَا قَصْرَ أَهْلِهِ الْكَبِيرَ الَّذِي يَقَعُ عَلَى رَبْوَةٍ عَالِيَةٍ، يُطِلُّ مِنْ جَانِبٍ عَلَى الْبَحْرِ، وَمِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ عَلَى الْمَدِينَةِ.

نَزَلَ الشَّابُّ مِنْ عَلَى فَرَسِهِ وَسَاعَدَ الْعَجُوزَ عَلَى النُّزُولِ، وَإِذَا بِامْرَأَةٍ وَفَتَاةٍ تَسْتَقْبِلَانِهِ عَلَى مَدْخَلِ الْقَصْرِ، لَكِنْ لَمَّا رَأَتَا الْبَطَّةَ وَالْعَجُوزَ صَرَخَتَا صَرْخَةً وَاحِدَةً. وَأَخَذَتِ الْفَتَاةُ تُرَدِّدُ: "لَسْتُ أَنَا.. لَسْتُ أَنَا"، فِي حِينِ سَقَطَتِ الْمَرْأَةُ عَلَى الْأَرْضِ وَرَاحَتْ تُقَبِّلُ قَدَمَيْهِ، وَتَعْتَرِفُ بِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي فَعَلَتْ بِفَتَاتِهِ هَكَذَا عِنْدَمَا اسْتَعَانَتْ بِالسَّاحِرَةِ الَّتِي تَسْكُنُ الْغَابَةَ، وَحَوَّلَتْهَا إِلَى بَطَّةٍ، وَرَمَتْهَا فِي نَهْرٍ بَعِيدٍ.

فَهِمَ الشَّابُّ وَالْعَجُوزُ مَا حَصَلَ لِحَبِيبَتِهِ الْحَسْنَاءِ الطَّيِّبَةِ، وَأَمَرَ بِإِحْضَارِ تِلْكَ السَّاحِرَةِ مِنَ الْغَابَةِ فَوْرًا، فَجَاءَتْ عَلَى عَجَلٍ، وَقَالَتْ مُعْتَذِرَةً: "لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ أَنَّهَا فَتَاتُكَ أَيُّهَا الْأَمِيرُ". ثُمَّ أَعَادَتِ الْبَطَّةَ فَتَاةً مِنْ جَدِيدٍ كَمَا كَانَتْ، فَأَسْرَعَتِ الْفَتَاةُ الْجَمِيلَةُ تُقَبِّلُ الْعَجُوزَ الطَّيِّبَةَ وَهِيَ تُعَانِقُهَا، ثُمَّ تَعَانِقُ حَبِيبَهَا الْفَارِسَ الشَّابَّ.

فَأَمَرَ الْأَمِيرُ حُرَّاسَهُ بِأَنْ يَأْخُذُوا السَّاحِرَةَ إِلَى سِجْنِ الْقَلْعَةِ الْقَائِمَةِ فِي الْغَابَةِ، كَمَا طَرَدَ الْمَرْأَةَ مِنْ خِدْمَتِهِ فِي الْقَصْرِ، وَعَفَا عَنِ ابْنَتِهَا الْفَتَاةِ، وَسَمَحَ لَهَا بِأَنْ تَبْقَى فِي الْقَصْرِ وَتَتَزَوَّجَ أَحَدَ أَعْوَانِهِ حِينَمَا تَشَاءُ. وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ مُرُورِ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ عَلَى زَوَاجِ الْفَارِسِ بِحَبِيبَتِهِ، إِلَّا أَنَّهُ ظَلَّ يُسَمِّي فَتَاتَهُ.. بَطَّتِي الْبَيْضَاءَ الْجَمِيلَةَ. وَهُمَا مَعًا يُسَمِّيَانِ الْعَجُوزَ.. أُمَّنَا الطَّيِّبَةَ، وَقَدْ جَاءَتْ مَعَهَا بَطَّاتُهَا السِّتُّ، وَعَاشَتْ مَعَهَا فِي الْقَصْرِ الْكَبِيرِ مَعَ الْعَرُوسَيْنِ فِي سَعَادَةٍ

إرسال تعليق

أحدث أقدم