عيد ميلاد جدتي

عِيدُ مِيلادِ جَدَّتِي

عيد ميلاد جدتي

جَاءَ طَارِقٌ مِنَ الْخَارِجِ وَهُوَ يَمْلَؤُهُ النَّشَاطُ، وَأَخَذَ يُنَادِي بِأَعْلَى صَوْتِهِ: "مَامَا... مَامَا.....". جَرَى سَرِيعاً نَحْوَ الْمَطْبَخِ، فَوَجَدَ أُمَّهُ مَشْغُولَةً بِإِعْدَادِ أَنْوَاعٍ شَهِيَّةٍ مِنَ الْفَطَائِرِ الَّتِي يُحِبُّهَا كَثِيراً. رَأَى طَارِقٌ الْفَطَائِرَ مُتَرَاصَّةً بِعِنَايَةٍ فَوْقَ الْمَائِدَةِ؛ فَهِيَ بَيْنَ فَطِيرَةِ الْفَاكِهَةِ اللَّذِيذَةِ وَفَطِيرَةِ الْكَرِيمَةِ الشَّهِيَّةِ. لَمْ يُقَاوِمْ طَارِقٌ جَمَالَ مَنْظَرِهَا، فَأَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا، لَكِنَّ أُمَّهُ ابْتَسَمَتْ وَقَدَّمَتْ إِلَيْهِ قَلِيلاً مِنَ الْكَرِيمَةِ لِيَتَذَوَّقَهَا، ثُمَّ قَالَتْ لَهُ: "الْيَوْمَ عِيدُ مِيلادِ الْجَدَّةِ... وَفِي الْمَسَاءِ سَنَذْهَبُ إِلَيْهَا جَمِيعاً لِنَحْتَفِلَ مَعَهَا".

بَعْدَ قَلِيلٍ، رَأَى طَارِقٌ وَالِدَهُ يَقُومُ بِلَفِّ هَدِيَّةٍ كَبِيرَةٍ لِلْجَدَّةِ بِاهْتِمَامٍ، فَسَأَلَهُ بِفُضُولٍ: "مَاذَا أَحْضَرْتَ لِلْجَدَّةِ يَا بَابَا...؟". أَجَابَهُ الأَبُ بِهُدُوءٍ: "هَذِهِ مُفَاجَأَةٌ... أَتَمَنَّى أَنْ تُعْجِبَ الْجَدَّةَ". جَلَسَ طَارِقٌ فِي غُرْفَتِهِ يُفَكِّرُ فِي نَفْسِهِ: "بَابَا اشْتَرَى هَدِيَّةً جَمِيلَةً، وَمَامَا تُعِدُّ الْفَطَائِرَ الَّتِي تُحِبُّهَا الْجَدَّةُ، فَمَاذَا أَفْعَلُ أَنَا؟ لَا بُدَّ أَنْ أَعْمَلَ شَيْئاً يُعْجِبُ جَدَّتِي وَيَجْعَلُهَا تَفْرَحُ بِهِ كَثِيراً".

جَرَى طَارِقٌ مُسْرِعاً إِلَى حَصَّالَتِهِ الصَّغِيرَةِ وَفَتَحَهَا وَهُوَ يَتَمَنَّى أَنْ يَجِدَ فِيهَا مَالاً، لَكِنَّهُ لِلأَسَفِ لَمْ يَجِدْ فِيهَا قِرْشاً وَاحِداً. حِينَهَا تَذَكَّرَ أَنَّهُ مُنْذُ أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ فَقَطْ قَدِ اشْتَرَى طَائِرَةً جَدِيدَةً بِكُلِّ مَا يَمْلِكُهُ مِنْ نُقُودٍ، وَلَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ حِينَهَا أَنَّ مَوْعِدَ عِيدِ مِيلادِ جَدَّتِهِ الْغَالِيَةِ قَدِ اقْتَرَبَ. وَقَفَ طَارِقٌ مُحْتَاراً وَحَزِيناً، وَقَالَ فِي نَفْسِهِ: "لَيْتَنِي لَمْ أَشْتَرِ الطَّائِرَةَ!". بَدَأَ يَنْظُرُ حَوْلَهُ فِي الْغُرْفَةِ يَبْحَثُ عَنْ شَيْءٍ ثَمِينٍ وَعَالٍ لِيُقَدِّمَهُ لِجَدَّتِهِ، فَلَمْ يَجِدْ أَمَامَهُ سِوَى عُلْبَةِ طَائِرَتِهِ الْجَدِيدَةِ؛ فَقَامَ بِلَفِّهَا بِأَوْرَاقِ الزِّينَةِ وَأَخْفَاهَا لِتَكُونَ مُفَاجَأَةً رَائِعَةً.

ذَهَبَ طَارِقٌ إِلَى أُمِّهِ وَاسْتَأْذَنَهَا أَنْ يَذْهَبَ وَحْدَهُ إِلَى مَنْزِلِ الْجَدَّةِ لِيَسْبِقَ الْجَمِيعَ، فَقَالَتْ لَهُ الأُمُّ بِقَلَقٍ: "أَخْشَى عَلَيْكَ مِنْ مَخَاطِرِ الطَّرِيقِ وَخَطَرِ السَّيَّارَاتِ". رَدَّ طَارِقٌ بِثِقَةٍ: "أَرْجُوكِ يَا أُمِّي، بَيْتُ الْجَدَّةِ فِي أَوَّلِ الشَّارِعِ... اطْمَئِنِّي وَلَا تَقْلَقِي عَلَيَّ". وَافَقَتِ الأُمُّ أَخِيراً، فَجَرَى طَارِقٌ حَامِلاً هَدِيَّتَهُ، وَكَانَ يَشْعُرُ بِفَخْرٍ كَبِيرٍ لأَنَّهُ صَارَ كَبِيراً يَعْتَمِدُ عَلَى نَفْسِهِ وَيَمْشِي فِي الشَّارِعِ بِمُفْرَدِهِ.

عِنْدَمَا وَصَلَ، فَتَحَتِ الْجَدَّةُ الْبَابَ وَدُهِشَتْ لِرُؤْيَةِ حَفِيدِهَا يَأْتِي إِلَيْهَا وَحْدَهُ لأَوَّلِ مَرَّةٍ، فَضَمَّتْهُ إِلَى صَدْرِهَا بِحَنَانٍ وَقَبَّلَتْهُ وَهِيَ فِي غَايَةِ السَّعَادَةِ. قَدَّمَ طَارِقٌ الْهَدِيَّةَ لِجَدَّتِهِ، وَعِنْدَمَا فَتَحَتِ الْجَدَّةُ الْعُلْبَةَ، كَانَتِ الْمُفَاجَأَةُ كَبِيرَةً. قَالَتِ الْجَدَّةُ بِمَرَاحٍ وَتَعَجُّبٍ: "مَا هَذِهِ يَا حَبِيبِي؟ إِنَّهَا طَائِرَتُكَ الْجَدِيدَةُ الَّتِي تُحِبُّهَا كَثِيراً!". أَجَابَهَا طَارِقٌ بِصِدْقٍ: "لَا أَمْلِكُ شَيْئاً غَالِياً يَا جَدَّتِي إِلَّا هَذِهِ الطَّائِرَةَ، وَأَنَا أُحِبُّهَا، لَكِنَّنِي أُحِبُّكِ أَنْتِ أَكْثَرَ وَأَكْثَرَ".

رَغْمَ أَنَّ الْجَدَّةَ لَنْ تَلْعَبَ بِالطَّائِرَةِ، إِلَّا أَنَّهَا فَرِحَتْ بِهَا جِدّاً، لأَنَّ طَارِقاً ضَحَّى بِأَغْلَى مَا عِنْدَهُ مِنْ أَجْلِهَا. وَعِنْدَمَا جَاءَ الْمَسَاءُ، اجْتَمَعَتِ الأُسْرَةُ كُلُّهَا وَاحْتَفَلُوا بِعِيدِ مِيلادِ الْجَدَّةِ، وَأَكَلَ طَارِقٌ مَعَهُمْ مِنْ تِلْكَ الْفَطَائِرِ وَالْحَلْوَى اللَّذِيذَةِ.

فِي صَبَاحِ الْيَوْمِ التَّالِي، اسْتَيْقَظَ طَارِقٌ مِنْ نَوْمِهِ لِيَجِدَ بِجَانِبِ سَرِيرِهِ طَائِرَةً كَبِيرَةً تُشْبِهُ طَائِرَتَهُ السَّابِقَةَ لَكِنَّهَا أَجْمَلُ وَأَضْخَمُ. تَعَجَّبَ طَارِقٌ وَسَأَلَ: "مِنْ أَيْنَ جَاءَتْ هَذِهِ؟ وَمَنِ الَّذِي أَحْضَرَهَا؟". أَخْبَرَتْهُ أُمُّهُ أَنَّ الْجَدَّةَ هِيَ مَنْ أَحْضَرَتْهَا لَهُ وَهُوَ نَائِمٌ تَقْدِيراً لِمَحَبَّتِهِ. غَمَرَتِ الْفَرْحَةُ قَلْبَ طَارِقٍ، فَضَمَّ الطَّائِرَةَ الْجَدِيدَةَ إِلَى حُضْنِهِ وَهُوَ يَقُولُ بِمَحَبَّةٍ: "أُحِبُّكِ كَثِيراً يَا جَدَّتِي".

إرسال تعليق

أحدث أقدم