الضَّفَادِعُ وَالفِيَلَةُ

الضَّفَادِعُ وَالفِيَلَةُ

الضَّفَادِعُ وَالفِيَلَةُ
كَانَ يَامَا كَانَ فِي قَدِيمِ الزَّمَانِ، كَانَتْ هُنَاكَ بُحَيْرَةٌ صَغِيرَةٌ تَمْتَازُ بِمِيَاهِهَا الصَّافِيَةِ العَذْبَةِ، تَقَعُ فِي وَسَطِ غَابَةٍ كَبِيرَةٍ وَكَثِيفَةِ الأَشْجَارِ. وَفِي تِلْكَ البُحَيْرَةِ الجَمِيلَةِ، كَانَتْ تَعِيشُ مَجْمُوعَةٌ مِنَ الضَّفَادِعِ الخَضْرَاءِ النَّشِيطَةِ الَّتِي تَقْضِي يَوْمَهَا بَيْنَ القَفْزِ فِي المَاءِ وَالاسْتِرْخَاءِ عَلَى ضِفَافِ البُحَيْرَةِ. وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ الغَابَةَ كَانَتْ مَلِيئَةً بِأَنْوَاعٍ كَثِيرَةٍ وَمُخْتَلِفَةٍ مِنَ الحَيَوَانَاتِ، إِلَّا أَنَّ هَذِهِ الضَّفَادِعَ كَانَتْ تَعِيشُ فِي سَلَامٍ وَأَمَانٍ هَادِئٍ.

وَلِأَنَّ الضَّفَادِعَ كَانَتْ تُدْرِكُ أَنَّهَا صَغِيرَةُ الحَجْمِ، فَقَدْ كَانَتْ دَائِمًا حَذِرَةً مِنْ أَيِّ خَطَرٍ قَدْ يَأْتِي مِنْ جَانِبِ الحَيَوَانَاتِ الضَّخْمَةِ الَّتِي تَجُوبُ الغَابَةَ. وَمِنْ أَجْلِ حِمَايَةِ أَنْفُسِهِمْ، كَانَتِ الضَّفَادِعُ الشَّابَّةُ تَتَعَاوَنُ فِيمَا بَيْنَهَا، حَيْثُ تَتَنَاوَبُ عَلَى المُرَاقَبَةِ الدَّقِيقَةِ لِكُلِّ مَا يَتَحَرَّكُ حَوْلَ مَسْكَنِهِمْ. وَكَانَتِ القَاعِدَةُ أَنَّهُ عِنْدَ الإِحْسَاسِ بِأَيِّ حَرَكَةٍ غَرِيبَةٍ أَوْ خَطَرٍ مُحْتَمَلٍ، يُطْلِقُ المُراقبُ نَقِيقَ إِنْذَارٍ عَالِيًا لِيُنَبِّهَ الجَمِيعَ كَيْ يَخْتَبِئُوا سَرِيعًا.

وَلِأَنَّ مِيَاهَ البُحَيْرَةِ كَانَتْ عَذْبَةً وَبَارِدَةً، كَانَتْ تَقْصِدُهَا حَيَوَانَاتٌ كَثِيرَةٌ لِتَشْرَبَ مِنْهَا. وَلَمْ تَكُنِ الضَّفَادِعُ تَخَافُ مِنَ الحَيَوَانَاتِ اللَّطِيفَةِ مِثْلِ الغِزْلَانِ الرَّشِيقَةِ، أَوْ الأَرَانِبِ الصَّغِيرَةِ، أَوْ حَتَّى الطُّيُورِ المُلَوَّنَةِ. وَفِي صَبَاحِ يَوْمٍ مُشْمِسٍ وَجَمِيلٍ، خَرَجَتِ الضَّفَادِعُ مِنْ مِيَاهِ البُحَيْرَةِ لِتَسْتَمْتِعَ بِأَشِعَّةِ الشَّمْسِ عَلَى العُشْبِ الأَخْضَرِ. وَقَدْ كَانَتْ تَشْعُرُ بِطُمَأْنِينَةٍ كَبِيرَةٍ لِأَنَّ لَوْنَهَا الأَخْضَرَ كَانَ يَمْتَزِجُ مَعَ لَوْنِ العُشْبِ، مِمَّا يَجْعَلُ مِنَ الصَّعْبِ عَلَى الطُّيُورِ الجَارِحَةِ تَمْيِيزَهَا أَوْ رُؤْيَتَهَا.

فَجْأَةً، وَبَيْنَمَا كَانَ الجَمِيعُ يَمْرَحُ، شَعَرَتْ بَعْضُ الضَّفَادِعِ بِاهْتِزَازَاتٍ خَفِيفَةٍ فِي الأَرْضِ، وَرَأَوْا الأَعْشَابَ الطَّوِيلَةَ تَرْتَجِفُ بِقُوَّةٍ. وَعَلَى الفَوْرِ، قَامَتْ مَجْمُوعَةُ المُرَاقَبَةِ بِإِطْلَاقِ نَقِيقِ الإِنْذَارِ بِأَعْلَى صَوْتِهَا. وَبِسُرْعَةٍ البَرْقِ، قَفَزَتْ جَمِيعُ الضَّفَادِعِ بِاتِّجَاهِ المَاءِ لِتَخْتَبِئَ، دُونَ أَنْ يَعْرِفُوا تَمَامًا مَا هُوَ مَصْدَرُ هَذَا الخَطَرِ، لَكِنَّ قُلُوبَهُمُ الصَّغِيرَةَ كَانَتْ مُتَأَكِّدَةً مِنْ وُجُودِ شَيْءٍ ضَخْمٍ يَقْتَرِبُ. وَارْتَسَمَتْ عَشَرَاتُ الدَّوَائِرِ عَلَى سَطْحِ البُحَيْرَةِ بِسَبَبِ قَفَزَاتِهِمُ المُتَتَالِيَةِ.

مِنْ تَحْتِ المَاءِ، كَانَتِ الضَّفَادِعُ تُرَاقِبُ بِقَلَقٍ مَا يَجْرِي عَلَى الضِّفَّةِ، حَيْثُ زَادَ ارْتِجَافُ الأَعْشَابِ وَاهْتِزَازُ الأَرْضِ. وَبَعْدَ لَحَظَاتٍ قَلِيلَةٍ، ظَهَرَتْ عَشَرَاتُ الفِيَلَةِ الضَّخْمَةِ وَهِيَ تَرْكُضُ نَحْوَ البُحَيْرَةِ مِمَّا جَعَلَ الأَرْضَ تَهْتَزُّ بِشِدَّةٍ تَحْتَ أَقْدَامِهَا الثَّقِيلَةِ. خَافَتِ الضَّفَادِعُ خَوْفًا شَدِيدًا، وَتَصَوَّرَتْ أَنَّ هَذِهِ الكَائِنَاتِ العِمْلَاقَةَ سَوْفَ تَسْحَقُهُمْ جَمِيعًا أَوْ تَقْضِي عَلَى مَسْكَنِهِمْ. وَقَالَ ضِفْدَعٌ صَغِيرٌ وَهُوَ يَرْتَجِفُ: "إِنَّ الفِيَلَةَ سَوْفَ تَشْرَبُ كُلَّ مِيَاهِ البُحَيْرَةِ، وَسَنَمُوتُ جَمِيعًا!". لَكِنَّ الضِّفْدَعَ الحَكِيمَ طَمْأَنَهُمْ قَائِلًا: "لَا تَشْعُرُوا بِاليَأْسِ، عَلَيْنَا أَنْ نَصْبَرَ وَنُرَاقِبَ بِهُدُوءٍ".

ثُمَّ أَطْلَقَ فِيلٌ كَبِيرٌ صَوْتَهُ عَالِيًا، فَاصْطَفَّتِ الفِيَلَةُ فِي نِظَامٍ رَائِعٍ، وَعَادَ السُّكُونُ لِيَمْلأَ المَكَانَ مَرَّةً أُخْرَى. أَوْضَحَ الضِّفْدَعُ الحَكِيمُ لِلْجَمِيعِ أَنَّ هَذَا الفِيلَ الضَّخْمَ هُوَ رَئِيسُ الفِيَلَةِ، وَأَنَّ الجَمِيعَ يُنَفِّذُ أَوَامِرَهُ. رَفَعَ الفِيلُ الرَّئِيسُ رَأْسَهُ وَحَرَّكَ خُرْطُومَهُ الطَّوِيلَ وَأَصْدَرَ صَوْتَ نَهِيمٍ عَالٍ، فَفَعَلَتْ كُلُّ الفِيَلَةِ مِثْلَهُ. سَأَلَ الضِّفْدَعُ الصَّغِيرُ بِقَلَقٍ: "هَلْ يَسْتَعِدُّونَ لِلهُجُومِ عَلَيْنَا؟".

لَكِنَّ مَا حَدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ مُفَاجِئًا لِلْجَمِيعِ؛ فَقَدْ بَدَأَتِ الفِيَلَةُ تَنْتَظِمُ فِي صَفٍّ طَوِيلٍ وَمُنَظَّمٍ جِدًّا. تَقَدَّمَ الفِيلُ الأَوَّلُ بِكُلِّ هُدُوءٍ نَحْوَ المَاءِ، وَمَدَّ خُرْطُومَهُ لِيَشْرَبَ حَتَّى ارْتَوَى، ثُمَّ غَادَرَ المَكَانَ لِيَفْسَحَ المَجَالَ لِمَنْ خَلْفَهُ. وَالعَجِيبُ أَنَّ الفِيلَ الثَّانِيَ تَقَدَّمَ وَوَضَعَ أَقْدَامَهُ فِي نَفْسِ المَكَانِ الَّذِي وَقَفَ فِيهِ الفِيلُ الأَوَّلُ، وَهَكَذَا فَعَلَ البَاقُونَ. لَمْ يَتَعَكَّرْ صَفَاءُ المَاءِ أَبَدًا لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَشْرَبُونَ بِمُنْتَهَى الرُّقِيِّ وَالهُدُوءِ.

بَعْدَ أَنْ غَادَرَتِ الفِيَلَةُ، شَعَرَتِ الضَّفَادِعُ بِالأَمَانِ التَّامِّ. وَقَالَ الضِّفْدَعُ الحَكِيمُ مُعَلِّمًا إِيَّاهُمْ: "انْظُرُوا يَا أَبْنَائِي، إِنَّ الفِيَلَةَ حَيَوَانَاتٌ ضَخْمَةٌ جِدًّا لَكِنَّهَا طَيِّبَةُ القَلْبِ وَلَا تُؤْذِي أَحَدًا، لَقَدْ كَانَتْ تَمْشِي بِحَذَرٍ شَدِيدٍ حَتَّى لَا تَدُوسَ عَلَى أَيِّ ضِفْدَعٍ مِنَّا". وَمُنْذُ ذَلِكَ اليَوْمِ، لَمْ تَعُدِ الضَّفَادِعُ تَخَافُ مِنِ اهْتِزَازِ الأَرْضِ، بَلْ أَصْبَحُوا يَعْرِفُونَ أَنَّ هَذَا الصَّوْتَ يَعْنِي أَنَّ أَصْدِقَاءَهُمُ الفِيَلَةَ قَادِمُونَ لِشُرْبِ المَاءِ بِنِظَامٍ وَمَحَبَّةٍ.

إرسال تعليق

أحدث أقدم