الخروف المفقود

الخروف المفقود

الخروف المفقود

فِي كُوخٍ صَغِيرٍ جَمِيلٍ، مَبْنِيٍّ مِنَ الحِجَارَةِ وَالطِّينِ، يَقَعُ عِنْدَ سُفُوحِ التِّلَالِ الخَضْرَاءِ وَبَيْنَ الوِدْيَانِ الفَسِيحَةِ، عَاشَ الصَّبِيُّ الذَّكِيُّ "جَمَالٌ" مَعَ وَالِدِهِ فِي هُدُوءٍ وَسَعَادَةٍ. كَانَ وَالِدُ جَمَالٍ يَمْلِكُ قَطِيعاً كَبِيراً مِنَ الأَغْنـَامِ وَالمَاعِزِ ذَاتِ الصُّوفِ الأَبْيَضِ النَّاعِمِ، وَفِي كُلِّ صَبَاحٍ بَاكِرٍ، مَعَ صِيَاحِ الدِّيكِ، كَانَ الأَبُ يَخْرُجُ لِيَسُوقَ القَطِيعَ إِلَى المَرَاعِي الجَبَلِيَّةِ حَيْثُ العُشْبُ الطَّرِيُّ وَالمِيَاهُ العَذْبَةُ. أَمَّا جَمَالٌ، فَقَدْ كَانَ يَتَوَجَّهُ إِلَى مَدْرَسَتِهِ لِيَنْهَلَ مِنَ العِلْمِ، وَبَعْدَ عَوْدَتِهِ فِي المَسَاءِ، يُسَارِعُ لِمُسَاعَدَةِ وَالِدِهِ فِي تَنْظِيفِ الحَظِيرَةِ أَوْ تَقْدِيمِ العَلَفِ، لَكِنَّ قَلْبَهُ الصَّغِيرَ كَانَ دَائِماً يَنْبِضُ بِحُلْمٍ كَبِيرٍ، وَهُوَ أَنْ يَخْرُجَ يَوْماً بِمُفْرَدِهِ لِيَكُونَ رَاعِياً مَسْؤُولاً عَنِ الأَغْنـَامِ.

وَفِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ العُطْلَةِ المَدْرَسِيَّةِ، حَدَثَ مَا لَمْ يَتَوَقَّعْهُ جَمَالٌ؛ فَقَدِ ابْتَسَمَ وَالِدُهُ فِي وَجْهِهِ وَقَالَ لَهُ: "يَا جَمَالُ، لَقَدْ كَبُرْتَ وَأَصْبَحْتَ شَابّاً يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، غَداً سَتَأْخُذُ القَطِيعَ إِلَى المَرْعى بِمُفْرَدِكَ". لَمْ تَسَعِ الدُّنْيَا جَمَالاً مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ، وَفِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، لَمْ يَزُرِ النَّوْمُ عَيْنَيْهِ إِلَّا قَلِيلاً، فَقَدْ ظَلَّ يَتَخَيَّلُ نَفْسَهُ وَهُوَ يَمْشِي أَمَامَ الأَغْنـَامِ، وَرَأَى فِي مَنَامِهِ أَنَّهُ يَعْزِفُ عَلَى نَايٍ خَشَبِيٍّ أَلْحَاناً تَسْحَرُ القُلُوبَ وَتَجْعَلُ الخِرَافَ تَرْقُصُ فَرَحاً فِي الوَادِي.

مَعَ بُزُوغِ خُيُوطِ الفَجْرِ الأُولَى، اسْتَيْقَظَ جَمَالٌ بِنَشَاطٍ كَبِيرٍ، تَوَضَّأَ وَصَلَّى، ثُمَّ تَنـاوَلَ فُطُورَهُ بَعْدَمَا أَعَدَّتْ لَهُ أُمُّهُ مَنْدِيلاً مَلِيئاً بِالخُبْزِ وَالجُبْنِ وَالزَّيْتُونِ. انْطَلَقَ جَمَالٌ خَلْفَ القَطِيعِ، وَكَانَ كَلْبُهُ الوَفِيُّ "رَشِيقٌ" يَرْكُضُ حَوْلَهُ وَيَهُزُّ ذَيْلَهُ مُرَحِّباً. حِينَمَا وَصَلَ إِلَى المَرْعَى، جَلَسَ جَمَالٌ تَحْتَ ظِلِّ شَجَرَةٍ وَأَسْنَدَ ظَهْرَهُ إِلَى صَخْرَةٍ، ثُمَّ أَخْرَجَ نَايَهُ وَبَدَأَ يَعْزِفُ لَحْناً رَقِيقاً يَنْسَابُ مَعَ هَسِيسِ الرِّيَاحِ وَخَرِيرِ النَّهْرِ الصَّغِيرِ القَرِيبِ، وَكَانَتِ الخِرَافُ تَنْتَشِرُ هُنَا وَهُنَاكَ تَرْعَى فِي هُدُوءٍ.

فَجْأَةً، ارْتَفَعَ نُبَاحُ الكَلْبِ "رَشِيقٍ" بِقُوَّةٍ، فَتَوَقَّفَ جَمَالٌ عَنِ العَزْفِ وَقَلْبُهُ يَدُقُّ سَرِيعاً. بَدَأَ يَعُدُّ الأَغْنـَامَ وَاحِدَةً تِلْوَ الأُخْرَى، فَاكْتَشَفَ أَنَّ الخَرُوفَ الصَّغِيرَ "بَيَاضَ" قَدِ اخْتَفَى! تَذَكَّرَ جَمَالٌ نَصِيحَةَ العَمِّ "خَلِيلٍ" حِينَمَا مَرَّ بِهِ عِنْدَ الحَقْلِ وَقَالَ لَهُ: "يَا جَمَالُ، الرَّعْيُ مَسْؤُولِيَّةٌ، فَالذِّئَابُ تُرَاقِبُ مِنْ بَعِيدٍ وَتَنْتَظِرُ لَحْظَةَ غَفْلَةٍ". طَلَبَ جَمَالٌ مِنْ كَلْبِهِ أَنْ يَحْمِيَ بَقِيَّةَ القَطِيعِ، وَانْطَلَقَ هُوَ يَرْكُضُ بَيْنَ الصُّخُورِ العَالِيَةِ وَيُنَادِي بِأَعْلَى صَوْتِهِ: "بَيَاض.. بَيَاض..".

بَعْدَ بَحْثٍ طَوِيلٍ، سَمِعَ صَوْتاً ضَعِيفاً يَقُولُ: "مَأْمَأ.. مَأْمَأ..". رَكَضَ جَمَالٌ نَحْوَ الصَّوْتِ لِيَجِدَ الخَرُوفَ الصَّغِيرَ عالِقاً بَيْنَ صَخْرَتَيْنِ كَبِيرَتَيْنِ بَعْدَمَا جَذَبَهُ العُشْبُ الطَّرِيُّ بَعِيداً عَنْ رِفَاقِهِ. حَمَلَ جَمَالٌ الخَرُوفَ بَيْنَ ذِرَاعَيْهِ بِرِفْقٍ، وَعَادَ بِهِ إِلَى المَرْعَى حَيْثُ اسْتَقْبَلَتْهُ الأَغْنـَامُ بِالثُّغَاءِ، وَكَادَ الكَلْبُ يَطِيرُ مِنَ الفَرَحِ. اقْتَرَبَ كَبْشٌ كَبِيرٌ مِنَ الخَرُوفِ "بَيَاضَ" وَكَأَنَّهُ يُعَاتِبُهُ وَيُخْبِرُهُ أَنَّ مَن يَبْتَعِدُ عَنِ الجَمَاعَةِ يَكُونُ فَرِيسَةً سَهْلَةً لِلذِّئَابِ.

عِنْدَمَا بَدَأَتِ الشَّمْسُ تَمِيلُ نَحْوَ المَغِيبِ، وَاصْطَبَغَتِ السَّمَاءُ بِأَلْوَانِ الشَّفَقِ البُرْتُقَالِيَّةِ، سَاقَ جَمَالٌ قَطِيعَهُ بِفَخْرٍ وَاعْتِزَازٍ نَحْوَ المَنْزِلِ. كَانَ وَالِدُهُ يَنْتَظِرُهُ عِنْدَ بَابِ الكُوخِ، فَقَصَّ عَلَيْهِ جَمَالٌ كُلَّ مَا حَدَثَ مَعَهُ مِنِ اخْتِفَاءِ الخَرُوفِ وَإِنْقَاذِهِ. قَبَّلَ الأَبُ رَأْسَ ابْنِهِ وَقَالَ لَهُ: "أَنْتَ حَقّاً رَاعٍ شُجَاعٌ وَمَسْؤُولٌ يَا جَمَالُ، لَقَدْ أَثْبَتَّ اليَوْمَ أَنَّكَ تَسْتَحِقُّ الثِّقَةَ". نَامَ جَمَالٌ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ وَهُوَ يَشْعُرُ بِالفَخْرِ، لَيْسَ فَقَطْ لأَنَّهُ رَعَى الأَغْنـَامَ، بَلْ لأَنَّهُ تَعَلَّمَ أَنَّ الأَمَانَةَ وَاليَقَظَةَ هُمَا أَسَاسُ النَّجَاحِ.

إرسال تعليق

أحدث أقدم