النَّمْرُ العَجِيبُ
فِي بَيْتٍ صَغِيرٍ هَادِئٍ يَقَعُ عِنْدَ أَطْرَافِ الغَابَةِ الكَبِيرَةِ، كَانَ هُنَاكَ أَرْنَبٌ صَغِيرٌ ذَكِيٌّ يَعِيشُ مَعَ أُمِّهِ الحَنُونِ. وَلِأَنَّ الغَابَةَ مَلِيئَةٌ بِالأَخْطَارِ وَالحَيَوَانَاتِ المُفْتَرِسَةِ، كَانَتِ الأُمُّ تَخَافُ عَلَى صَغِيرِهَا خَوْفاً شَدِيداً، لِذَلِكَ كَانَتْ تَمْنَعُهُ دَائِماً مِنَ الخُرُوجِ وَاللَّعِبِ بَعِيداً عَنْ نَاظِرَيْهَا خَارِجَ أَسْوَارِ البَيْتِ. فِي بِدَايَةِ عُمْرِهِ، عِنْدَمَا كَانَ أَرْنُوبُ صَغِيراً جِدّاً، كَانَ رَاضِياً تَمَاماً بِحَيَاتِهِ الهَادِئَةِ دَاخِلَ المَنْزِلِ، حَيْثُ كَانَتْ أُمُّهُ تُوَفِّرُ لَهُ كُلَّ مَا يَحْتَاجُهُ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالدِّفْءِ.
لَكِنْ مَعَ مُرُورِ الأَيَّامِ، كَبُرَ أَرْنُوبُ وَبَدَأَ الفُضُولُ يَمْلأُ قَلْبَهُ، فَأَخَذَ يُفَكِّرُ فِي تِلْكَ الحَيَاةِ الغَامِضَةِ خَارِجَ البَيْتِ، وَيَتَمَنَّى مِنْ كُلِّ قَلْبِهِ أَنْ يَخْرُجَ لِيَرَى الجَمَالَ الَّذِي يُحِيطُ بِهِ. ذَهَبَ أَرْنُوبُ إِلَى أُمِّهِ وَأَخْبَرَهَا بِرَغْبَتِهِ فِي اكْتِشَافِ العَالَمِ الخَارِجِيِّ، لَكِنَّهَا رَفَضَتْ فِي البِدَايَةِ خَوْفاً عَلَيْهِ. وَمَعَ ذَلِكَ، ظَلَّ أَرْنُوبُ يُلِحُّ عَلَيْهَا وَيَرْجُوهَا بِأَدَبٍ حَتَّى ضَعُفَتْ أَمَامَ إِصْرَارِهِ.
وَافَقَتِ الأُمُّ أَخِيراً عَلَى خُرُوجِهِ، لَكِنَّهَا وَضَعَتْ لَهُ شَرْطاً وَاحِداً لِحِمَايَتِهِ، فَقَالَتْ لَهُ: "سَأَسْمَحُ لَكَ بِالخُرُوجِ يَا أَرْنُوبُ، وَلَكِنْ بِشَرْطٍ وَاحِدٍ". سَأَلَهَا أَرْنُوبُ بِتَشَوُّقٍ: "مَا هُوَ هَذَا الشَّرْطُ يَا أُمِّي؟". أَجَابَتْهُ الأُمُّ بِحِكْمَةٍ: "عِنْدَمَا تُصَادِفُ أَحَداً فِي طَرِيقِكَ وَيَسْأَلُكَ عَنِ اسْمِكَ، فَلَا تَقُلْ أَنَا أَرْنُوبُ، بَلْ قُلْ لَهُ بِكُلِّ قُوَّةٍ: أَنَا النَّمْرُ". تَعَجَّبَ أَرْنُوبُ لَكِنَّهُ وَعَدَهَا قَائِلاً: "حَسَناً يَا أُمِّي العَزِيزَةَ، سَأَفْعَلُ مَا طَلَبْتِ تَمَاماً". وَدَّعَتْهُ الأُمُّ وَهِيَ تَقُولُ: "أَرْجُو أَلَّا تَتَأَخَّرَ عَنِ المَنْزِلِ كَثِيراً".
انْطَلَقَ أَرْنُوبُ فِي الغَابَةِ وَقَلْبُهُ يَكَادُ يَطِيرُ مِنَ الفَرَحِ، وَرَاحَ يَتَجَوَّلُ بَيْنَ الأَشْجَارِ العَالِيَةِ سَعِيداً بِمَا يَرَاهُ. بَدَأَ يَنْظُرُ إِلَى الطُّيُورِ المُلَوَّنَةِ وَهِيَ تُغَرِّدُ، وَإِلَى الفَرَاشَاتِ الرَّقِيقَةِ وَهِيَ تَنْتَقِلُ بَيْنَ الزُّهُورِ، كَمَا اسْتَمْتَعَ بِمَنْظَرِ الوُرُودِ الفَوَّاحَةِ وَالأَزْهَارِ الجَمِيلَةِ وَجَدَاوِلِ المِيَاهِ الرَّقْرَاقَةِ، وَكَانَ يَقُودُ عَرَبَتَهُ الصَّغِيرَةَ هُنَا وَهُنَاكَ بِنَشَاطٍ.
وَفِي أَثْنَاءِ تَجْوالِهِ، رَأَى أَرْنُوبُ مَجْمُوعَةً مِنَ الثَّعَالِبِ المَاكِرَةِ وَهِيَ تَلْعَبُ فَوْقَ بَعْضِ الصُّخُورِ. عِنْدَمَا شَاهَدَ رَئِيسُ الثَّعَالِبِ أَرْنُوباً يَقْتَرِبُ مِنْهُمْ دُونَ ذَرَّةِ خَوْفٍ، تَعَجَّبَ كَثِيراً وَسَأَلَهُ بِاسْتِغْرَابٍ: "مَنْ أَنْتَ أَيُّهَا الصَّغِيرُ؟". أَجَابَهُ أَرْنُوبُ بِثِقَةٍ عَالِيَةٍ كَمَا عَلَّمَتْهُ أُمُّهُ: "أَنَا النَّمْرُ". انْدَهَشَ رَئِيسُ الثَّعَالِبِ وَتَرَاجَعَ لِلْوَرَاءِ وَهُوَ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ: "لَعَلَّهُ نِمْرٌ حَقّاً! فَلَوْ لَمْ يَكُنْ نِمْراً جَبَّاراً لَمَا جَرُؤَ عَلَى الِاقْتِرَابِ مِنَّا بِهَذِهِ الثِّقَةِ وَدُونَ خَوْفٍ". وَخَوْفاً مِنْ بَطْشِ هَذَا "النَّمْرِ" العَجِيبِ، أَمَرَ رَئِيسُ الثَّعَالِبِ مَجْمُوعَتَهُ بِالهَرَبِ فَوْراً، فَمَا كَانَ مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ فَرُّوا بَعِيداً، وَبَقِيَ أَرْنُوبُ وَحِيداً مُنْتَصِراً.
وَاصَلَ أَرْنُوبُ رِحْلَتَهُ المُمْتِعَةَ، وَبَدَأَ يَأْكُلُ مِنْ نَبَاتَاتِ الحُقُولِ الخَضْرَاءِ وَيَشْرَبُ مِنْ يَنَابِيعِ المَاءِ العَذْبَةِ. وَفِيمَا هُوَ يَسِيرُ، وَصَلَ إِلَى نَبْعِ مَاءٍ حَيْثُ وَجَدَ مَجْمُوعَةً مِنَ الكَنَاغِرِ. اقْتَرَبَ مِنْهُمْ أَرْنُوبُ وَهُوَ يَشْعُرُ بِفَخْرٍ كَبِيرٍ، فَسَأَلَهُ كَنْغَرٌ كَبِيرٌ بِصَوْتٍ عَمِيقٍ: "مَنْ أَنْتَ؟". رَدَّ أَرْنُوبُ بِثِقَةٍ: "أَنَا النَّمْرُ". وَمَا إِنْ سَمِعَتِ الكَنَاغِرُ هَذَا الِاسْمَ حَتَّى اسْتَوْلَى عَلَيْهِمُ الذُّعْرُ، فَهَرَبُوا جَمِيعاً خَوْفاً مِنْ قُوَّتِهِ المَزْعُومَةِ، لِأَنَّ الكَنَاغِرَ تَهَابُ النُّمُورَ كَثِيراً. بَقِيَ أَرْنُوبُ وَحِيداً مَرَّةً أُخْرَى، فَشَرِبَ مِنَ المَاءِ ثُمَّ جَلَسَ لِيَسْتَرِيحَ قَلِيلاً.
بَعْدَ سَاعَةٍ مِنَ الرَّاحَةِ، نَهَضَ أَرْنُوبُ لِيُكْمِلَ طَرِيقَهُ، فَصَادَفَ قَطِيعاً مِنَ الخِرَافِ يَقُودُهُ كَبْشٌ قَوِيٌّ لَهُ قَرْنَانِ طَوِيلانِ. سَأَلَهُ الكَبْشُ: "مَنْ أَنْتَ؟"، فَأَجَابَ أَرْنُوبُ بِسُرْعَةٍ وَدُونَ تَرَدُّدٍ: "أَنَا النَّمْرُ". فَزِعَ الكَبْشُ وَبَدَأَ يَجْرِي وَهُوَ يَصِيحُ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: "اهْرُبُوا! إِنَّهُ النَّمْرُ القَادِمُ لِيَفْتَرِسَنَا! اهْرُبُوا قَبْلَ أَنْ يَبْطِشَ بِكُمْ!". بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ المُغَامَرَاتِ، شَعَرَ أَرْنُوبُ بِالتَّعَبِ، وَقَرَّرَ أَنْ يَعُودَ إِلَى بَيْتِهِ.
وَفِي طَرِيقِ عَوْدَتِهِ، حَدَثَ مَا لَمْ يَكُنْ فِي الحِسْبَانِ؛ فَقَدْ صَادَفَهُ نِمْرٌ حَقِيقِيٌّ كَبِيرٌ. مَرَّ أَرْنُوبُ مِنْ أَمَامِهِ بِكُلِّ بَسَاطَةٍ وَدُونَ خَوْفٍ، مِمَّا أَثَارَ دَهْشَةَ النَّمْرِ الكَبِيرِ، فَصَاحَ بِهِ مُتَعَجِّباً: "مَنْ أَنْتَ أَيُّهَا الكَائِنُ الصَّغِيرُ؟!". أَجَابَ أَرْنُوبُ بِكُلِّ هُدُوءٍ: "أَنَا النَّمْرُ". انْفَجَرَ النَّمْرُ ضَاحِكاً بِصَوْتٍ عَالٍ وَقَالَ بِسُخْرِيَةٍ: "إِذَا كُنْتَ أَنْتَ النَّمْرَ، فَمَنْ أَنَا إِذَنْ؟ هَلْ تَعْرِفُنِي؟". رَدَّ أَرْنُوبُ بِبَرَاءَةٍ: "كَلَّا، إِنَّنِي لَا أَعْرِفُ أَحَداً فِي هَذِهِ الغَابَةِ".
تَعَجَّبَ النَّمْرُ مِنْ جُرْأَةِ هَذَا الصَّغِيرِ وَسَأَلَهُ: "مَنْ عَلَّمَكَ أَنْ تَقُولَ هَذَا الكَلَامَ؟". أَجَابَهُ أَرْنُوبُ: "أُمِّي هِيَ الَّتِي طَلَبَتْ مِنِّي ذَلِكَ". هَزَّ النَّمْرُ رَأْسَهُ وَذَيْلَهُ مُفَكِّراً، ثُمَّ قَالَ: "هَيَّا بِنَا لِنَذْهَبَ إِلَى أُمِّكَ وَنَعْرِفَ السِّرَّ". سَارَ أَرْنُوبُ نَحْوَ بَيْتِهِ وَالنَّمْرُ الضَّخْمُ يَمْشِي خَلْفَهُ بِهُدُوءٍ.
كَانَتِ الأُمُّ تَنْتَظِرُ ابْنَهَا بِقَلَقٍ عِنْدَ البَابِ، وَعِنْدَمَا رَأَتِ النَّمْرَ الحَقِيقِيَّ يَقْتَرِبُ مَعَ صَغِيرِهَا، ارْتَجَفَتْ مِنَ الخَوْفِ. قَالَ أَرْنُوبُ لِلنَّمْرِ بِفَخْرٍ: "هَذِهِ هِيَ أُمِّي". سَأَلَ النَّمْرُ الأُمَّ بِهُدُوءٍ: "لِمَاذَا طَلَبْتِ مِنِ ابْنِكِ أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ نِمْرٌ؟". انْفَجَرَتِ الأُمُّ بِالبُكَاءِ وَقَالَتْ: "لَقَدْ خِفْتُ عَلَيْهِ كَثِيراً، فَأَمَرْتُهُ بِذَلِكَ لِكَيْ تَهَابَهُ الحَيَوَانَاتُ وَلَا تُؤْذِيَهُ، فَالجَمِيعُ يَخَافُونَ مِنْكَ وَلَا يَتَعَرَّضُونَ لَكَ بِسُوءٍ".
تَأَثَّرَ النَّمْرُ بِحُبِّ الأُمِّ وَخَوْفِهَا عَلَى ابْنِهَا، فَابْتَسَمَ ابْتِسَامَةً طَيِّبَةً وَقَالَ: "هَكَذَا إِذَنْ! لَا تَقْلَقِي أَيَّتُهَا الأُمُّ، فَمِنَ اليَوْمِ سَنَكُونُ أَصْدِقَاءَ، وَأَعِدُكِ أَنَّنِي لَنْ أَدَعَ أَحَداً يَتَعَرَّضُ لِأَرْنُوبَ بِأَيِّ أَذًى". فَرِحَتِ الأُمُّ فَرَحاً عَظِيماً وَشَكَرَتِ النَّمْرَ الشُّجَاعَ، الَّذِي وَدَّعَهُمَا بِابْتِسَامَةٍ وَمَضَى فِي حَالِ سَبِيلِهِ، لِيَعِيشَ أَرْنُوبُ بَعْدَهَا فِي أَمَانٍ وَسَلَامٍ.