الصرصور
"نَحْنُ الصَّراصيرُ لَيْسَ لَدَيْنَا الوَقْتُ لِلتَّفْكِيرِ، عُمْرُنَا قَصِيرٌ، طَعَامٌ، هُرُوبٌ وَبَحْثٌ عَن سَرِيرٍ". هَذَا الكَلَامُ كَانَ يُرَدِّدُهُ وَالِدِي عَلَيَّ دَوْماً، خَاصَّةً عِنْدَمَا أَطْرَحُ أَسْئِلَتِي المُتَكَرِّرَةَ بِفُضُولٍ: لِمَاذَا عَلَيْنَا الهَرَبُ دَوْماً؟ وَلِمَ لَا نَسْتَقِرُّ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ بِأَمَانٍ؟. فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَفِي مَأْوَانَا الجَدِيدِ، وَبَيْنَمَا كَانَ إِخْوَتِي غَارِقِينَ فِي نَوْمٍ عَمِيقٍ، سَمِعْتُ أَبِي يُحَاوِرُ أُمِّي بِقَلَقٍ بَالِغٍ قَائِلاً: "أَسْئِلَتُهُ تَزْدَادُ مَعَ الأَيَّامِ، لَا يَهْتَمُّ بِإِيجَادِ مَأْوًى وَلَا طَعَامٍ".
صَمَتَتْ أُمِّي مُفَكِّرَةً فِي حَالِي، ثُمَّ هَتَفَتْ مُتَسَائِلَةً: مَا بِهِ هَذَا الصُّرْصُورُ؟ وَلِمَ لَا يُشْبِهُ إِخْوَتَهُ الكِبَارَ؟ لَقَدْ وُلِدُوا جَمِيعاً فِي أُنْبُوبِ الصَّرْفِ، إِلَّا هُوَ، فَأَيْنَ وُلِدَ؟. فَجْأَةً، اسْتَعَادَتْ ذَاكِرَتَهَا وَقَالَتْ: "آه نَعَمْ نَعَمْ، تَذَكَّرْتُ.. عِشْنَا تِلْكَ الفَتْرَةَ فِي دُولَابِ الكُتُبِ القَدِيمِ! تُرَى هَلْ سَحَرَتْهُ الكُتُبُ؟". غَمْغَمَ أَبِي بِغَضَبٍ وَضِيقٍ: لَيْتَكِ لَمْ تَتَذَكَّرِي مَكَانَ مِيلَادِهِ. وَرُغْمَ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أُحْسِنُ القِرَاءَةَ بَعْدُ، إِلَّا أَنَّ الكُتُبَ أَثَّرَتْ بِي بِشَكْلٍ عَمِيقٍ؛ فَكُنْتُ نَحِيلاً عَكْسَ إِخْوَتِي، مُلَاحِظاً مُفَكِّراً وَمُتَسَائِلاً. وَبِالرَّغْمِ مِنْ أَنِّي لَا أَحْضُرُ تَدْرِيبَاتِ الأَمَانِ الَّتِي يُقَدِّمُهَا أَخِي الأَكْبَرُ، إِلَّا أَنِّي كُنْتُ دَوْماً أُسَاعِدُ عَائِلَتِي عَلَى إِيجَادِ الطَّعَامِ وَالمَخَابِئِ الآمِنَةِ.
وَبِمَا أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَمْلِكَا الإِجَابَةَ عَلَى أَسْئِلَتِي، قَرَّرْتُ أَنْ أَسْلُكَ طَرِيقاً آخَرَ، فَلَنْ أُكْمِلَ حَيَاتِي فِي هَذَا الهَرَبِ المُسْتَمِرِّ. ذَهَبْتُ إِلَى المُبِيدِ، أَلَدِّ أَعْدَاءِ عَائِلَتِي، وَجَدْتُهُ قَابِعاً تَحْتَ حَوْضِ الغَسِيلِ، فَتَقَدَّمْتُ نَحْوَهُ بِحَذَرٍ وَسَأَلْتُهُ: لِمَاذَا تُؤْذِي عَائِلَتِي يَا مُبِيدُ؟ أَلَيْسَ لَنَا الحَقُّ فِي عَيْشٍ سَعِيدٍ؟. أَشْفَقَ المُبِيدُ لِحَالِي وَقَالَ: الذَّنْبُ لَيْسَ ذَنْبِي أَيُّهَا الصَّغِيرُ، فَأَنَا لَا أَمْلِكُ حِيلَةً وَلَا أُحْسِنُ التَّدْبِيرَ، وَلَا أُفَرِّقُ بَيْنَ حَشَرَةٍ وَلَا شَجَرَةٍ. وَأَكْمَلَ بِأَسَى: "السَّيِّدُ هُوَ مَنْ يَضْغَطُ عَلَى رَأْسِي مَتَى مَا شَاءَ، فَأُطْلِقُ ذَلِكَ الرَّذَاذَ القَاتِلَ فِي الأَجْوَاءِ". رَبَتُّ عَلَى المُبِيدِ مُتَعَاطِفاً وَقُلْتُ: لَقَدْ فَهِمْتُ، لَقَدْ فَهِمْتُ.
ثُمَّ اتَّجَهْتُ بَاحِثاً عَنِ الخُفِّ الَّذِي قَتَلَ كَثِيراً مِنْ إِخْوَتِي وَأَصْدِقَائِي. بَحَثْتُ عَنْهُ طَوِيلاً حَتَّى وَجَدْتُهُ بِجَانِبِ سَرِيرِ السَّيِّدِ، وَقَفْتُ أَمَامَهُ وَالرَّعْشَةُ تَكَادُ تُوقِعُنِي مِنَ الخَوْفِ. خَرَجَ صَوْتِي خَافِتاً: لِمَاذَا أَيُّهَا الخُفُّ تَقْتُلُ أَفْرَادَ عَائِلَتِي وَأَصْدِقَائِي؟ هَلْ آذَيْنَاكَ يَوْماً؟. اسْتَغْرَبَ الخُفُّ وَقَالَ سَاخِراً: عَجَباً لِأَمْرِكَ أَيُّهَا الصُّرْصُورُ! هَلْ تَعْتَقِدُ أَنِّي أَمْلِكُ الخِيَارَ؟. لَوْ كُنْتُ أَفْعَلُ، لَمَنَعْتُ السَّيِّدَ مِنْ دَوْسِي بِقَدَمَيْهِ الكَبِيرَتَيْنِ صَبَاحاً وَلَيْلاً؛ لِمَ لَا تَتَوَجَّهُ إِلَى السَّيِّدِ وَتَسْأَلُهُ لِمَاذَا يُلَاحِقُكُمْ دَوْماً؟.
سَأَلْتُ نَفْسِي وَأَنَا أَبْتَعِدُ عَنِ الخُفِّ: أأَذْهَبُ إِلَى السَّيِّدِ؟ لَقَدْ كُنْتُ أَعْتَقِدُ أَنَّ مُشْكِلَتَنَا مَعَ المُبِيدِ وَالخُفِّ، وَلَمْ أُفَكِّرْ أَنَّ الأُمُورَ سَتُوصِلُنِي إِلَى هُنَا. ضَرَبْتُ عَلَى صَدْرِي بِشَجَاعَةٍ: مِنْ أَجْلِ عَائِلَتِي وَأَصْدِقَائِي سَأُوَاجِهُ السَّيِّدَ. تَسَلَّقْتُ أَطْرَافَ السَّرِيرِ حَيْثُ كَانَ نَائِماً، مَشَيْتُ عَلَى قَدَمَيْهِ الضَّخْمَتَيْنِ دُونَ أَنْ يُحَرِّكَ سَاكِناً، ثُمَّ مَشَيْتُ عَلَى بَطْنِهِ دُونَ أَنْ يَتَحَرَّكَ. تَسَاءَلْتُ: هَلْ يَكُونُ قَدْ مَاتَ؟ تَقَدَّمْتُ أَكْثَرَ صَاعِداً عَلَى وَجْهِهِ، وَهُنَا فَقَطْ تَحَرَّكَ الرَّجُلُ وَارْتَعَشَ. أَبْعَدَنِي بِيَدِهِ الضَّخْمَةِ وَهُوَ يَصْرُخُ بِهَلَعٍ: "صُرْصُورٌ! صُرْصُورٌ عَلَى وَجْهِي!"، ثُمَّ مَسَحَ وَجْهَهُ عِدَّةَ مَرَّاتٍ مُتَأَكِّداً مِنْ خُلُوِّهِ مِنْ أَيِّ صُرْصُورٍ آخَرَ.
ضَمَّ السَّيِّدُ بَطَّانِيَّتَهُ إِلَيْهِ مُحَاوِلاً حِمَايَةَ نَفْسِهِ وَصَرَخَ مُجَدَّداً: "ابْتَعِدِي عَنِّي أَيَّتُهَا الحَشَرَاتُ، اخْرُجُوا مِنْ بَيْتِي! اذْهَبُوا إِلَى أَنَابِيبِ الصَّرْفِ!". اتَّسَعَتْ عَيْنَايَ دَهْشَةً؛ فَهُوَ يَخَافُ مِنَّا أَضْعَافَ مَا نَخَافُ مِنْهُ! لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ أَنَّ كُلَّ هَذَا الفَضَاءِ الوَاسِعِ هُوَ مِلْكٌ لَهُ، وَلَا أُصَدِّقُ أَنَّنَا مَنِ اقْتَحَمْنَا مَنْزِلَهُ. تَرَاجَعْتُ إِلَى أَقْرَبِ حَائِطٍ وَاسْتَنَدْتُ عَلَيْهِ بِيَأْسٍ: هَلْ نَحْنُ مَنْ يَظْلِمُ السَّيِّدَ؟ أَمْ هُوَ مَنْ يَظْلِمُنَا بِمُلَاحَقَتِنَا دَوْماً؟ إِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا مَوْطِنِي فَأَيْنَ مَوْطِنِي؟.
أَصَابَنِي دُوَارٌ شَدِيدٌ وَرَغِبْتُ فِي البُكَاءِ، فَتَذَكَّرْتُ مَكَانَ مِيلَادِي الَّذِي لَطَالَمَا أَحْبَبْتُهُ وَهَرَبْتُ إِلَيْهِ: دُولَابَ الكُتُبِ القَدِيمِ. جَرَرْتُ قَدَمَيَّ بِصُعُوبَةٍ مُتَّجِهاً إِلَيْهِ، اسْتَلْقَيْتُ عَلَى أَحَدِ الكُتُبِ، وَذَكَّرَتْنِي الرَّائِحَةُ بِكُلِّ الأَوْقَاتِ الصَّعْبَةِ، فَبَكَيْتُ كَثِيراً. مَسَحْتُ عَيْنِي وَفَكَّرْتُ أَنْ أَفْتَحَ أَحَدَ الكُتُبِ لَعَلِّي أَنْسَى مَا أَنَا فِيهِ، فَقَابَلَتْنِي الكَثِيرُ مِنَ الصُّوَرِ. فَرَكْتُ عَيْنِي غَيْرَ مُصَدِّقٍ؛ فَالصُّوَرُ كَانَتْ لِصُرْصُورٍ مِثْلِي!. تَسَارَعَتْ نَبَضَاتُ قَلْبِي: الآنَ وَجَدْتُ مَوْطِنِي! إِنَّهُ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى مَنْزِلِ السَّيِّدِ وَأَنَابِيبِ الصَّرْفِ، فَالصُّوَرُ أَظْهَرَتْ صَرَاصِيرَ كَثِيرَةً وَبِجَانِبِهَا أَزْهَارٌ مُتَفَتِّحَةٌ وَأَشْجَارٌ مُثْمِرَةٌ. هَتَفْتُ بِفَرَحٍ عَارِمٍ: سَنَنْتَقِلُ إِلَى الطَّبِيعَةِ الوَاسِعَةِ، لَنْ يَطْرُدَنَا هُنَالِكَ أَحَدٌ، سَنُسَاعِدُ الأَزْهَارَ عَلَى التَّكَاثُرِ، وَالغَابَاتِ عَلَى الِازْدِهَارِ.
