الابن الطيب
ذاتَ ليلةٍ ممطرةٍ بينما كانَ شريفٌ يعبرُ الطّريقَ مسرعاً، إذ رأى امرأةً كبيرةَ السنِّ تمشي في الطّريقِ الموحِلِ الزّلقِ والظّلامُ شديدٌ، تدعو اللهَ أن ينجّيها من مصاعبِ هذه اللّيلةِ. ورأى وجهَها في ضوءِ البرقِ الخاطفِ، فتعجّبَ كثيراً، فما الّذي أخرجَ هذهِ المرأةَ العجوزَ من بيتها إلى الطّريقِ في مثلِ تلكَ اللّيلةِ؟. والطّريقُ خالٍ مقفرٌ، ليسَ به مكانٌ حصينٌ يمكنُ أن يلجأَ إليهِ. فما عليهِ إلا أن يواصلَ السّيرَ حتّى يصلَ إلى مكانٍ أمينٍ يحتمِي بهِ، أو يصلَ إلى المكانِ الّذي يقصدُهُ، وهو في أثناءِ ذلكَ يؤنّبُ نفسَهُ لأنّهُ سلكَ طريقاً غيرَ الطّريقِ الّذي اعتادَ أن يسلكَهُ.
وكانَ شريفٌ قبلَ ذلكَ يسيرُ بسرعةٍ، ويدوسُ بقدميهِ في الوحلِ وفي بركِ الماءِ الصّغيرةِ الّتي تتجمّعُ من ماءِ المطرِ. ولكنّهُ الآنَ لا يستطيعُ أن يواصلَ السّيرَ، ويتركَ العجوزَ وحدَها في هذا المكانِ الموحشِ المخيفِ، فاقتربَ منها وصاحَ: كيفَ حالُكِ يا أمّي في هذهِ اللّيلةِ المطيرةِ؟. قالت بصوتِها الضّعيفِ المرتجفِ: إنّما أنا يا بنيَّ امرأةٌ عجوزٌ فقيرةٌ ومريضةٌ. فلمّا اقتربَ منها أكثرَ، وجدَها ترتجفُ بشدّةٍ، وتقعُ على الأرضِ ثمّ تقومُ، وتحاولُ السّيرَ فلا تستطيعُ، وقد تلوّثت ملابسُها وتلوّثَ وجهُها ويدَاها بالوحلِ.
فقالَ لها: دعيني أساعدُكِ يا أمّي، ووضعَ يديهِ تحتَ إبطيها ورفعَها. فوجدَ أنَّ ثقلَها لا يعدو ثقلَ طفلٍ صغيرٍ، فحملَها على كتفِهِ ومضى بها. وبعدَ قليلٍ رأى شريفٌ شعاعاً خافتاً من الضّوءِ ينيرُ المكانَ وقد كفَّ المطرُ عن النّزولِ، وانقشعتِ الغيومُ عن وجهِ القمرِ، فأمكنَهُ أن يرى كوخاً صغيراً على جانبِ الطّريقِ، فاتّجهَ إليهِ والعجوزُ على كتفِهِ وراحَ يدقُّ البابَ بيدِهِ غيرِ الممسكةِ بالعجوزِ. فلم يلبثِ البابُ أنِ انفتحَ، وظهرَ شيخٌ كبيرٌ وراحَ يدقّقُ النّظرَ في الشّابِّ وفي المرأةِ العجوزِ على كتفِهِ فرحبَ بهما وأفسحَ لهما الطّريقَ، وقادَهما إلى فراشٍ من القشِّ، ثمّ راحَ هو وشريفٌ يساعدانِ العجوزَ على أن تخلعَ ملابسَها المبتلّةَ، وتلبسَ بدلاً منها ملابسَ جافّةً أحضرَها لها الشّيخُ من عندِهِ.
وأشعلَ الشّيخُ ناراً لتدفئةِ الجوِّ داخلَ الكوخِ، وخلعَ شريفٌ ملابسَهُ المبتلّةَ والتفَّ بعباءةٍ من الصّوفِ أحضرَها لهُ الشّيخُ كذلكَ. ثمَّ نشرَ الشّيخُ ملابسَهما المبتلّةَ خارجَ الكوخِ ليجفّفَها الهواءُ. والتفتَ الشّيخُ إلى شريفٍ وسألَهُ: ما الّذي أخرجَكما من بيتِكما في هذهِ اللّيلةِ الممطرةِ؟. قالَ شريفٌ: إنّما خرجتُ لأبحثَ عن دواءٍ لأبي قيلَ إنّني سأجدُهُ عندَ طبيبٍ في المدينةِ المجاورةِ. سألَهُ الشّيخُ: وهل سبقَ لكَ أن ذهبتَ إلى المدينةِ المجاورةِ؟. قالَ شريفٌ: ذهبتُ إليها مع والدي أيّامَ السّوقِ، ولكن من خلالِ طريقٍ غيرِ هذا الطّريقِ.
قالَ الشّيخُ في دهشةٍ: ولماذا غيّرتَ الطّريقَ الّذي اعتدتَ عليهِ هذهِ المرّةَ يا بنيَّ؟. قالَ شريفٌ: غيّرتُهُ لأنقذَ هذهِ العجوزَ المسكينةَ. ونظرَ الشّيخُ إلى العجوزِ وسألَها: وأنتِ ما الّذي أخرجَكِ من بيتِكِ في هذهِ اللّيلةِ الممطرةِ؟. قالتِ العجوزُ: خرجتُ لأحضرَ بعضَ الجوزِ لابني من الغابةِ في جوارِ تلكَ المدينةِ. هزَّ الشّيخُ رأسَهُ، ثمّ ابتعدَ عنهما وتركَهُما ينعمانِ بقسطٍ من النّومِ والرّاحةِ، إلى أن تجفَّ ملابسُهما.
وعندما استيقظا من نومِهما في صباحِ اليومِ التّالي، لم يجدا أثراً للشّيخِ الكبيرِ ولا للكوخِ، ووجدا ملابسَهما وقد جفت كما وجدا إناءً من الفخّارِ بهِ كيسانِ، في أحدِ الكيسينِ مسحوقٌ، وفي الكيسِ الآخرِ بعضُ الجوزِ، وتساءلا في نفسِ اللّحظةِ: ترى مَن يكونُ ذلكَ الشّيخُ الوقورُ؟. وسرعانَ ما وجدا في طيّاتِ ملابسِهما ورقةً كُتِبَ فيها: يا أيّها الشّابُّ الطّيبُ، ويا أيّتها العجوزُ الطّيبةُ، إنّكما تستحقّانِ العونَ والمساعدةَ. ولهذا فلتأخذِ العجوزُ كيسَ الجوزِ حتّى لا تتعبَ أكثرَ ممّا تعبت في إحضارِ الجوزِ لابنِها من الغابةِ، وليأخذِ الشّابُّ هذا المسحوقَ لأبيهِ المريضِ ولكن لا تسألا مَن أنا؟.
ولكنَّ الأعجبَ من ذلكَ أنَّ العجوزَ عندما وصلت إلى بيتِها وجدت ابنَها معلّقاً وقد جلدَهُ شيخٌ غريبٌ مائةَ جلدةٍ عقاباً لهُ على أن مكثَ في البيتِ مرتاحاً، وأرسلَ أمَّهُ العجوزَ في هذا الجوِّ الممطرِ، لتحضرَ لهُ بعضَ الجوزِ. فما أن دخلتِ الأمُّ العجوزُ البيتَ، حتّى راحَ ابنُها يناديها ويقولُ لها: اغفري لي ذنبي يا أمّي، فقد كانَ تصرّفي قبيحاً.. سوفَ أصحنُ لكِ الجوزَ وأمزجُهُ بالسّكرِ والدّقيقِ، وأطعمُكِ إياهُ بيدي، وسوفَ أقومُ على رعايتِكِ وخدمتِكِ قدرَ ما أستطيعُ، ولن أكررَ ما جرى منّي فحقُّ الأمّهاتِ على أبنائِهِنَّ أن ينعمنَ بالرّاحةِ والتّقديرِ. فسامحيني يا أمّي، سامحيني.
أمّا شريفٌ فقد وجدَ أباهُ متّكئاً على سريرِهِ، فقالَ لهُ حينَ رآهُ: باركَ اللهُ فيكَ يا بنيَّ، فأنتَ ابنٌ بارٌّ، خرجتَ في جوٍّ ممطرٍ عاصفٍ لتحضرَ لي الدّواءَ الّذي وصفَهُ الطّبيبُ وقد مرَّ بي شيخٌ طيبٌ، وسقاني جرعةً من الدّواءِ تحسّنت على أثرِها صحّتي. وقد تركَ عندي أمانةً لكَ كيسَ النّقودِ هذا لتستعينَ بهِ.
