دَجَاجَةُ الرَّجُلِ الطَّائِرَةِ!
كَانَ يَا مَكَانْ، فِي بَلْدَةٍ جَمِيلَةٍ، يَعِيشُ رَجُلٌ طَيِّبٌ اسْمُهُ عَمُّ سَعِيدْ. عَمُّ سَعِيدْ هَذَا كَانَ لَدَيْهِ دَجَاجَةٌ سَمِينَةٌ وَلَذِيذَةٌ.
فِي يَوْمٍ مِنَ الأَيَّامِ، أَخَذَ عَمُّ سَعِيدْ دَجَاجَتَهُ إِلَى مَحَلِّ تَنْظِيفِ الدَّجَاجِ. وَقَالَ لِصَاحِبِ الْمَحَلِّ: "مَرْحَبًا يَا صَدِيقِي، هَلْ يُمْكِنُكَ تَنْظِيفُ وَتَقْطِيعُ هَذِهِ الدَّجَاجَةِ لِي؟ سَأَعُودُ بَعْدَ قَلِيلٍ لِآخُذَهَا."
قَالَ صَاحِبُ الْمَحَلِّ: "بِالتَّأْكِيدِ يَا عَمَّ سَعِيدْ! عُدْ بَعْدَ رُبْعِ سَاعَةٍ وَسَتَجِدُهَا جَاهِزَةً."
وَبَعْدَ قَلِيلٍ، مَرَّ قَاضِي الْمَدِينَةِ - وَهُوَ رَجُلٌ مَهَمٌّ - عَلَى مَحَلِّ الدَّجَاجِ. قَالَ الْقَاضِي: "أَعْطِنِي دَجَاجَةً لِعَشَائِي!"
أَجَابَ صَاحِبُ الْمَحَلِّ بِحُزْنٍ: "عُذْرًا يَا سَيِّدِي الْقَاضِي، لَيْسَ عِنْدِي سِوَى هَذِهِ الدَّجَاجَةِ، وَهِيَ لِرَجُلٍ سَيَعُودُ لِيَأْخُذَهَا."
قَالَ الْقَاضِي بِضَحِكٍ: "خُذْهَا أَنْتَ، وَإِذَا جَاءَ صَاحِبُهَا، فَقُلْ لَهُ: دَجَاجَتُكَ طَارَتْ!"
تَعَجَّبَ صَاحِبُ الْمَحَلِّ وَقَالَ: "كَيْفَ يَا سَيِّدِي؟ هِيَ مَذْبُوحَةٌ، كَيْفَ سَتَطِيرُ؟!"
أَجَابَ الْقَاضِي: "بَلْ قُلْ لَهُ هَكَذَا، وَلاَ تَقْلَقْ أَنَا مَعَكَ."
عَادَ عَمُّ سَعِيدْ بَعْدَ قَلِيلٍ. سَأَلَ: "أَيْنَ دَجَاجَتِي؟ هَلْ جَهَزَتْ؟"
قَالَ صَاحِبُ الْمَحَلِّ بِصَوْتٍ مُرْتَعِشٍ: "دَجَاجَتُكَ... دَجَاجَتُكَ طَارَتْ!"
غَضِبَ عَمُّ سَعِيدْ كَثِيرًا وَصَاحَ: "كَيْفَ طَارَتْ وَهِيَ مَذْبُوحَةٌ؟! أَنْتَ تَكْذِبُ!"
فَذَهَبَ الاِثْنَانِ إِلَى الْقَاضِي لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمَا.
فِي الطَّرِيقِ إِلَى الْقَاضِي، رَأَى صَاحِبُ مَحَلِّ الدَّجَاجِ وَلَدَيْنِ صَغِيرَيْنِ يَتَشَاجَرَانِ. أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا، فَدَخَلَ إِصْبَعُهُ فِي عَيْنِ وَلَدٍ مِنْهُمَا بِالْخَطَأِ! آآهْ!
اجْتَمَعَ النَّاسُ وَصَاحُوا: "هَذَا الرَّجُلُ آذَى الْوَلَدَ!"
فَأَصْبَحَ عَلَيْهِ مُشْكِلَتَانِ.
وَهُوَ يَرْكُضُ خَائِفًا مِنْ النَّاسِ، دَخَلَ مَسْجِدًا وَصَعَدَ فَوْقَ الْمَنَارَةِ عَالِيًا. وَبَعْدَ ذَلِكَ، قَفَزَ مِنْ فَوْقِ الْمَنَارَةِ! بَوْمْ!
وَلَكِنَّهُ سَقَطَ عَلَى رَجُلٍ عَجُوزٍ كَانَ يَمْشِي تَحْتَ الْمَنَارَةِ، وَتَأَلَّمَ الرَّجُلُ الْعَجُوزُ كَثِيرًا.
فَأَصْبَحَ عَلَيْهِ ثَلاَثُ مُشْكِلاَتٍ كَبِيرَةٍ!
عِنْدَمَا رَآهُ الْقَاضِي ضَحِكَ أَوَّلاً، لَكِنَّهُ عَرَفَ أَنَّ الْمُشْكِلاَتِ كَثِيرَةٌ.
قَالَ الْقَاضِي لِعَمِّ سَعِيدْ: "هَلْ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ؟"
قَالَ عَمُّ سَعِيدْ: "نَعَمْ، أُؤْمِنُ بِاللَّهِ."
قَالَ الْقَاضِي: "إِذًا، اللَّهُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُحْيِيَ الْعِظَامَ وَهِيَ مَيْتَةٌ، فَكَيْفَ لاَ تَطِيرُ دَجَاجَتُكَ؟"
وَهَكَذَا خَسِرَ عَمُّ سَعِيدْ قَضِيَّةَ الدَّجَاجَةِ!
ثُمَّ جَاءَ الْوَلَدُ الَّذِي تَأَلَّمَتْ عَيْنُهُ وَقَالَ: "يَا قَاضِي، هَذَا الرَّجُلُ آذَانِي! أُرِيدُ أَنْ أُؤْذِيَ عَيْنَهُ أَيْضًا!"
فَكَّرَ الْقَاضِي ثُمَّ قَالَ: "حَسَنًا، هَذَا الْوَلَدُ مُسْلِمٌ وَأَنْتَ غَيْرُ مُسْلِمٍ، فَيَجِبُ أَنْ نُؤْذِيَ عَيْنَيْكَ الاِثْنَتَيْنِ لِنُؤْذِيَ عَيْنًا وَاحِدَةً مِنْهُ!"
فَخَافَ الْوَلَدُ وَقَالَ: "لاَ يَا قَاضِي! أَنَا لاَ أُرِيدُ شَيْئًا مِنْهُ!"
وَأَخِيرًا، جَاءَ ابْنُ الرَّجُلِ الْعَجُوزِ الَّذِي تَأَلَّمَ وَقَالَ: "يَا قَاضِي، هَذَا الرَّجُلُ قَفَزَ عَلَى أَبِي وَآذَاهُ!"
قَالَ الْقَاضِي: "حَسَنًا، اِذْهَبْ أَنْتَ إِلَى الْمَنَارَةِ وَاقْفِزْ عَلَيْهِ مِثْلَمَا فَعَلَ بِأَبِيكَ!"
قَالَ الاِبْنُ: "وَلَكِنْ يَا قَاضِي، إِذَا تَحَرَّكَ مِنْ مَكَانِهِ، قَدْ أَسْقُطُ أَنَا!"
قَالَ الْقَاضِي: "لِمَاذَا لَمْ يَتَحَرَّكْ أَبُوكَ إِذًا؟"
وَبِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ، خَرَجَ صَاحِبُ مَحَلِّ الدَّجَاجِ مِنَ الْمُشْكِلاَتِ كُلِّهَا، وَلَكِنَّهَا قِصَّةٌ مُضْحِكَةٌ جِدًّا تُعَلِّمُنَا أَنَّ الذَّكَاءَ وَالدَّهَاءَ قَدْ يَحْلاَنِ أَيَّ مُشْكِلَةٍ، حَتَّى لَوْ كَانَتْ عَجِيبَةً!
