صاحب الظل الطويل

صَاحِبِ الظِّلِّ الطَّوِيلِ

صاحب الظل الطويل

فِي مَكَانٍ بَعِيدٍ، حَيْثُ تَتَرَبَّعُ دَارُ "جُون غْرِير" لِلأَيْتَامِ فَوْقَ تَلَّةٍ كَئِيبَةٍ، كَانَتْ تَعِيشُ فَتَاةٌ اسْمُهَا "جُودِي أَبُوت". لَمْ تَكُنْ جُودِي فَتَاةً عَادِيَّةً، بَلْ كَانَتْ تَمْلِكُ رُوحاً مَرِحَةً وَخَيَالاً وَاسِعاً يَجْعَلُهَا تَرَى الجَمَالَ حَتَّى فِي الجُدْرَانِ البَاهِتَةِ. كَانَتْ جُودِي هِيَ الأَكْبَرُ سِنّاً بَيْنَ الأَطْفَالِ، مِمَّا جَعَلَ المَسْؤُولَةَ الصَّارِمَةَ، السَّيِّدَةَ "لِيبِيت"، تُحَمِّلُهَا مَسْؤُولِيَّاتٍ كَبِيرَةً؛ فَمِنْ تَنْظِيفِ المَمَرَّاتِ إِلَى رِعَايَةِ الصِّغَارِ وَمَسْحِ غُبَارِ المَكْتَبَةِ القَدِيمَةِ.

فِي يَوْمٍ مِنَ الأَيَّامِ، كَانَ المَوْعِدُ السَّنَوِيُّ لِزِيَارَةِ أَعْضَاءِ مَجْلِسِ الإِدَارَةِ الأَثْرِيَاءِ لِلدَّارِ. كَانَ يَوْماً شَاقّاً جِدّاً عَلَى جُودِي، فَقَدْ رَكَضَتْ طَوَالَ النَّهَارِ لِتَتَأَكَّدَ مِنْ نَظَافَةِ مَلَابِسِ الأَطْفَالِ وَتَرْتِيبِ غُرَفِ الطَّعَامِ. وَبَيْنَمَا كَانَ الزُّوَّارُ يُغَادِرُونَ الدَّارَ فِي المَسَاءِ، اسْتَدْعَتْهَا السَّيِّدَةُ لِيبِيت إِلَى مَكْتَبِهَا. وَفِي طَرِيقِهَا عَبْرَ الرَّوَاقِ، لَمَحَتْ جُودِي ظِلَّ آخِرِ زَائِرٍ وَهُوَ يَمْشِي نَحْوَ بَابِ الخُرُوجِ؛ كَانَ ظِلاًّ طَوِيلاً جِدّاً بِسَبَبِ انْعِكَاسِ ضَوْءِ المَصَابِيحِ، بَدَتْ فِيهِ السَّاقَانِ طَوِيلَتَيْنِ كَأَنَّهُ عَنْكَبُوتٌ ضَخْمٌ يَمْشِي عَلَى الحَائِطِ.

دَخَلَتْ جُودِي المَكْتَبَ وَقَلْبُهَا يَخْفِقُ، فَفَاجَأَتْهَا السَّيِّدَةُ لِيبِيت بِخَبَرٍ مُذْهِلٍ: "لَقَدْ قَرَّرَ ذَلِكَ الرَّجُلُ الَّذِي رَأَيْتِ ظِلَّهُ أَنْ يَتَكَفَّلَ بِتَعْلِيمِكِ الجَامِعِيِّ! لَقَدْ قَرَأَ مَقَالاً كَتَبْتِهِ بِسُخْرِيَّةٍ عَنِ الدَّارِ، وَأَعْجَبَهُ ذَكَاؤُكِ وَأُسْلُوبُكِ فِي الكِتَابَةِ". كَانَ لِهَذَا المُحْسِنِ شَرْطٌ غَرِيبٌ؛ أَنْ تُرْسِلَ لَهُ جُودِي رِسَالَةً كُلَّ شَهْرٍ تُخْبِرُهُ فِيهَا عَنْ تَفَاصِيلِ دِرَاسَتِهَا، وَأَلَّا تَنْتَظِرَ مِنْهُ رَدّاً أَبَداً، كَمَا أَنَّهَا لَنْ تَعْرِفَ اسْمَهُ الحَقِيقِيَّ، بَلْ سَتُخَاطِبُهُ بِوَاسِطَةِ السَّكْرِتِيرِ.

انْتَقَلَتْ جُودِي إِلَى عَالَمٍ جَدِيدٍ كُلِّيّاً، حَيْثُ المَلَابِسُ الجَدِيدَةُ، وَالغُرْفَةُ الخَاصَّةُ فِي السَّكَنِ المَدْرَسِيِّ، وَالمَكْتَبَاتُ الَّتِي تَضُمُّ آلافَ المُجَلَّدَاتِ. وَبِمَا أَنَّهَا لَا تَعْرِفُ لَهُ اسْماً، فَقَدْ قَرَّرَتْ أَنْ تُسَمِّيَهُ فِي رَسَائِلِهَا "صَاحِبَ الظِّلِّ الطَّوِيلِ". كَانَتْ رَسَائِلُ جُودِي مَلِيئَةً بِالحَيَاةِ، تَحْكِي لَهُ عَنْ صَدِيقَتَيْهَا "سَالِي" وَ"جُولْيَا"، وَعَنْ مُعَانَاتِهَا مَعَ مَادَّةِ الرِّيَاضِيَّاتِ، وَعَنْ تِلْكَ الدُّهْشَةِ الَّتِي تَعْتَرِيهَا عِنْدَمَا تَقْرَأُ رِوَايَةً كَلَاسِيكِيَّةً لِأَوَّلِ مَرَّةٍ. كَانَتْ تَكْتُبُ لَهُ كَأَنَّهَا تُخَاطِبُ أَباً حَنُوناً، تَشْكُو لَهُ مَرَّةً، وَتَمْزَحُ مَعَهُ مَرَّةً أُخْرَى، قَائِلَةً: "عَزِيزِي صَاحِبَ الظِّلِّ الطَّوِيلِ، أَتَخَيَّلُكَ رَجُلاً عَجُوزاً لَدَيْكَ قَلِيلٌ مِنَ الشَّعْرِ الأَبْيَضِ وَتَكْرَهُ الحَلْوَى!".

مَرَّتِ السَّنَوَاتُ، وَبَدَأَتْ مَوْهِبَةُ جُودِي فِي الكِتَابَةِ تَنْضُجُ، وَبَدَأَتْ تَنْشُرُ بَعْضَ القِصَصِ فِي مَجَلَّةِ الجَامِعَةِ. وَفِي إِحْدَى العُطَلِ، تَعَرَّفَتْ جُودِي عَلَى عَمِّ صَدِيقَتِهَا جُولْيَا، وَهُوَ السَّيِّدُ "جِيرفِيس بَنْدِلْتُون". كَانَ جِيرفِيس رَجُلاً وَسِيماً، ذَكِيّاً، وَيَمْلِكُ رُوحاً طُفُولِيَّةً تُشْبِهُ رُوحَ جُودِي. تَقَارَبَتِ الأَفْكَارُ بَيْنَهُمَا، وَصَارَا يَقْضِيَانِ أَوْقَاتاً طَوِيلَةً فِي نِقَاشَاتٍ حَوْلَ الأَدَبِ وَالفَنِّ. شَعَرَتْ جُودِي بِمَشَاعِرَ دَافِئَةٍ نَحْوَهُ، لَكِنَّهَا كَانَتْ دَائِماً تَخْشَى أَنْ تَعْتَرِفَ لَهُ بِأَنَّهَا مُجَرَّدُ فَتَاةٍ يَتِيمَةٍ نَشَأَتْ فِي مَلْجَأٍ، خَوْفاً مِنْ أَنْ يَرْفُضَهَا مُجْتَمَعُهُ الأَرِسْتُقْرَاطِيُّ.

عِنْدَمَا حَانَ مَوْعِدُ التَّخَرُّجِ، نَالَتْ جُودِي المَرْتَبَةَ الأُولَى، وَكَانَتْ تَتَمَنَّى مِنْ كُلِّ قَلْبِهَا أَنْ يَرَى "صَاحِبُ الظِّلِّ الطَّوِيلِ" نَجَاحَهَا. وَفِي تِلْكَ الأَثْنَاءِ، وَصَلَتْهَا رِسَالَةٌ مِنَ السَّكْرِتِيرِ تُخْبِرُهَا بِأَنَّ سَيِّدَهَا مَرِيضٌ جِدّاً وَيَرْغَبُ فِي رُؤْيَتِهَا فِي مَنْزِلِهِ بِنْيُويُورك. هَرَعتْ جُودِي وَهِيَ تَرْتَجِفُ مِنَ القَلَقِ وَالفُضُولِ؛ مَنْ يَكُونُ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي صَنَعَ مُسْتَقْبَلَهَا؟

دَخَلَتْ جُودِي إِلَى غُرْفَةٍ مُظْلِمَةٍ هَادِئَةٍ، وَاقْتَرَبَتْ مِنَ السَّرِيرِ، لِتَجِدَ المَفَاجَأَةَ الَّتِي لَمْ تَخْطُرْ لَهَا عَلَى بَالٍ. لَمْ يَكُنْ صَاحِبُ الظِّلِّ الطَّوِيلِ رَجُلاً عَجُوزاً كَمَا تَخَيَّلَتْ، بَلْ كَانَ هُوَ نَفْسُهُ "جِيرفِيس بَنْدِلْتُون"! نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنَيْنِ مُتْعَبَتَيْنِ لَكِنَّهُمَا مَلِيئَتَانِ بِالحُبِّ وَقَالَ: "هَلْ سَامَحْتِنِي يَا جُودِي لِأَنَّنِي لَمْ أَكْشِفْ لَكِ هُوِيَّتِي؟ لَقَدْ أَرَدْتُكِ أَنْ تُحِبِّي جِيرفِيس الرَّجُلَ، لَا جِيرفِيس المُمَوِّلَ".

انْهَمَرَتْ دُمُوعُ الفَرَحِ مِنْ عَيْنَيْ جُودِي، وَأَدْرَكَتْ أَنَّ ذَلِكَ الظِّلَّ الطَّوِيلَ الَّذِي رَأَتْهُ يَوْماً كَانَ ظِلَّ رَجُلٍ حَمَاهَا وَرَعَاهَا مِنْ بَعِيدٍ حَتَّى غَدَتْ كَاتِبَةً مُبْدِعَةً. وَهَكَذَا، تَحَوَّلَتْ حَيَاةُ اليَتِيمَةِ الصَّغِيرَةِ إِلَى قِصَّةِ نَجَاحٍ وَحُبٍّ خَالِدَةٍ، لِتُعَلِّمَ العَالَمَ أَنَّ الأَمَلَ لَا يَنْقَطِعُ، وَأَنَّ القُلُوبَ النَّبِيلَةَ تَصْنَعُ المَعْجِزَاتِ.

إرسال تعليق

أحدث أقدم