رَبُونْزِل ذَاتُ الشَّعْرِ الذَّهَبِيِّ
فِي قَدِيمِ الزَّمَانِ، وَفِي عَهْدٍ بَعِيدٍ طَوَتْهُ صَفَحَاتُ الأَسَاطِيرِ، كَانَتْ هُنَاكَ مَمْلَكَةٌ غَنَّاءُ تَحُفُّهَا الجِبَالُ الشَّاهِقَةُ وَتَجْرِي فِيهَا أَنْهَارٌ كَاللُّجَيْنِ المَصْبُوبِ. كَانَ يَحْكُمُ هَذِهِ المَمْلَكَةَ مَلِكٌ عَادِلٌ وَمَلِكَةٌ طَيِّبَةٌ، عَاشَا فِي رَغَدٍ مِنَ العَيْشِ، لَكِنَّ غُصَّةً كَانَتْ تَمْلأُ قَلْبَيْهِمَا، فَقَدْ مَرَّتِ السَّنَوَاتُ دُونَ أَنْ يُرْزَقَا بِطِفْلٍ يُؤْنِسُ وَحْدَتَهُمَا وَيَرِثُ عَرْشَهُمَا. وَبَعْدَ طُولِ صَبْرٍ وَدُعَاءٍ، اسْتَجَابَ اللهُ لَهُمَا، وَبَشَّرَهُمَا المُنَادِي بِقُدُومِ طِفْلَةٍ بَهِيَّةِ الطَّلْعَةِ، لَهَا عَيْنَانِ كَصَفَاءِ السَّمَاءِ وَشَعْرٌ ذَهَبِيٌّ يَتَلأْلأُ كَأَنَّهُ خُيُوطٌ مَغْزُولَةٌ مِنْ أَشِعَّةِ الشَّمْسِ عِنْدَ الشُّرُوقِ. سَمَّيَاهَا "رَبُونْزِل"، وَعَمَّتِ الأَفْرَاحُ أَرْجَاءَ البِلادِ، وَأُوقِدَتِ الشُّمُوعُ ابْتِهَاجاً بِالمَوْلُودَةِ السَّعِيدَةِ.
لَكِنَّ هَذِهِ الفَرْحَةَ لَمْ تَدُمْ طَوِيلاً، فَقَدْ كَانَتْ تَعِيشُ فِي أَطْرَافِ الغَابَةِ سَاحِرَةٌ شِرِّيرَةٌ تُدْعَى "غُوثِيل"، عُرِفَتْ بِطَمَعِهَا وَسَعْيِهَا الدَّائِمِ خَلْفَ الشَّبَابِ الأَبَدِيِّ. عَلِمَتْ "غُوثِيل" بِسِرِّ رَبُونْزِل المَكْنُونِ، فَقَدْ كَانَ لِشَعْرِهَا الذَّهَبِيِّ قُوَّةٌ سِحْرِيَّةٌ عَجِيبَةٌ؛ إِذَا غَنَّتِ الطِّفْلَةُ لَحْناً خَاصّاً يَنْبَعِثُ الضِّيَاءُ مِنْ خُصُلاتِ شَعْرِهَا، فَيَشْفِي المَرِيضَ وَيُعِيدُ العَجُوزَ لِشَبَابِهِ وَقُوَّتِهِ. وَفِي لَيْلَةٍ شَدِيدَةِ الظُّلْمَةِ، وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَسَلَّلَتِ السَّاحِرَةُ إِلَى القَصْرِ المَلَكِيِّ كَالظِّلِّ، وَوَصَلَتْ إِلَى مَهْدِ الأَمِيرَةِ الصَّغِيرَةِ. حَاوَلَتْ فِي البِدَايَةِ أَنْ تَقُصَّ خُصْلَةً مِنَ الشَّعْرِ لِتَحْتَفِظَ بِسِحْرِهَا، وَلَكِنْ يَا لَلْهَوْلِ! بِمُجَرَّدِ أَنْ لامَسَ المِقَصُّ الشَّعْرَ، انْطَفَأَ نُورُهُ وَتَحَوَّلَ إِلَى لَوْنٍ بُنِّيٍّ بَاهِتٍ وَفَقَدَ سِحْرَهُ. أَدْرَكَتِ السَّاحِرَةُ أَنَّ القُوَّةَ تَكْمُنُ فِي بَقَاءِ الشَّعْرِ مُتَّصِلاً بِالفَتَاةِ، فَخَطَفَتِ الرَّضِيعَةَ وَاخْتَفَتْ فِي أَعْمَاقِ الغَابَةِ.
بَنَتْ "غُوثِيل" بُرْجاً شَاهِقاً فِي مَكَانٍ مَهْجُورٍ، لَيْسَ لَهُ أَبْوَابٌ وَلا سَلالِمُ، بَلْ نَافِذَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَطْ فِي أَعْلَاهُ. وَهُنَاكَ حَبَسَتْ رَبُونْزِل عَنِ العَالَمِ، وَأَقْنَعَتْهَا بِأَنَّهَا أُمُّهَا وَأَنَّ العَالَمَ الخَارِجِيَّ مَلِيءٌ بِالوَحُوشِ وَالأَشْرَارِ. مَرَّتِ الأَعْوَامُ، وَكَبُرَتْ رَبُونْزِل لِتُصْبِحَ فَتَاةً فَاتِنَةً، وَصَارَ شَعْرُهَا الذَّهَبِيُّ طَوِيلاً جِدّاً بِحَيْثُ إِذَا أَرْخَتْهُ مِنَ النَّافِذَةِ وَصَلَ إِلَى الأَرْضِ. وَكَانَتِ السَّاحِرَةُ كُلَّمَا أَرَادَتِ الصُّعُودَ نَادَتْ بِصَوْتِهَا الأَجَشِّ: "رَبُونْزِل، رَبُونْزِل، أَدْلِي بِشَعْرِكِ الذَّهَبِيِّ!"، فَتَلُفُّ الفَتَاةُ شَعْرَهَا حَوْلَ خُطَّافٍ وَتُدْلِيهِ، لِتَتَسَلَّقَهُ السَّاحِرَةُ وَتَسْتَمِدَّ الشَّبَابَ مِنْ غِنَاءِ رَبُونْزِل.
عَاشَتْ رَبُونْزِل حَيَاةً مِلْؤُهَا الوَحْدَةُ، تُقَضِّي سَاعَاتِهَا فِي الرَّسْمِ عَلَى الجُدْرَانِ، وَحِيَاكَةِ الثِّيَابِ، وَالغِنَاءِ لِلْعَصَافِيرِ الَّتِي تَقِفُ عَلَى نَافِذَتِهَا. وَكَانَتْ فِي كُلِّ عَامٍ، فِي ذِكْرَى مَوْلِدِهَا، تَرَى أَنْوَاراً طَائِرَةً تَصْعَدُ فِي السَّمَاءِ مِنَ المَمْلَكَةِ البَعِيدَةِ، فَتَتُوقُ نَفْسُهَا لِمَعْرِفَةِ سِرِّ تِلْكَ الأَنْوَارِ، لَكِنَّ السَّاحِرَةَ كَانَتْ تَقْمَعُ فُضُولَهَا بِالقَسْوَةِ وَالتَّخْوِيفِ. وَفِي يَوْمٍ مِنَ الأَيَّامِ، ضَلَّ أَمِيرٌ شَابٌ يُدْعَى "فِيلِيب" طَرِيقَهُ فِي الغَابَةِ بَيْنَمَا كَانَ يُطَارِدُ طَيْفاً مِنَ الأَمَلِ، فَسَمِعَ غِنَاءً لَمْ تَسْمَعْ أُذُنَاهُ مِثْلَهُ قَطُّ. كَانَ صَوْتاً يَجْمَعُ بَيْنَ الشَّجَنِ وَالعُذُوبَةِ، فَتَبِعَ مَصْدَرَ الصَّوْتِ حَتَّى وَقَفَ أَمَامَ البُرْجِ العَجِيبِ.
رَأَى الأَمِيرُ السَّاحِرَةَ وَهِيَ تَصْعَدُ، فَتَعَلَّمَ السِّرَّ. وَبَعْدَ رَحِيلِهَا، اقْتَرَبَ وَنَادَى: "رَبُونْزِل، رَبُونْزِل، أَدْلِي بِشَعْرِكِ الذَّهَبِيِّ!". حِينَ صَعَدَ الأَمِيرُ، ذُعِرَتْ رَبُونْزِل، فَهِيَ لَمْ تَرَ بَشَراً غَيْرَ السَّاحِرَةِ، لَكِنَّ رِقَّةَ الأَمِيرِ وَنُبْلَ أَخْلَاقِهِ طَمْأَنَا قَلْبَهَا. حَكَى لَهَا عَنِ المَمْلَكَةِ، وَعَنِ الأَنْوَارِ الَّتِي هِيَ فِي الحَقِيقَةِ "فَوَانِيسُ" يُطْلِقُهَا المَلِكُ وَالمَلِكَةُ كُلَّ عَامٍ أَمَلاً فِي عَوْدَةِ ابْنَتِهِمَا المَفْقُودَةِ. أَدْرَكَتْ رَبُونْزِل أَنَّهَا هِيَ الأَمِيرةُ، وَأَنَّ "غُوثِيل" لَيْسَتْ أُمَّهَا بَلْ سَاجِنَتُهَا.
تَقَارَبَ القَلْبَانِ، وَتَعَاهَدَا عَلَى الهَرُوبِ، حَيْثُ كَانَ الأَمِيرُ يُحْضِرُ مَعَهُ خُيُوطاً مِنَ الحَرِيرِ فِي كُلِّ زِيَارَةٍ لِتَصْنَعَ مِنْهَا رَبُونْزِل سُلَّماً طَوِيلاً. وَلَكِنَّ السَّاحِرَةَ اكْتَشَفَتِ الخِيَانَةَ بِحِيلَةٍ مَكَّارَةٍ، فَجُنَّ جُنُونُهَا، وَقَبَضَتْ عَلَى شَعْرِ رَبُونْزِل وَقَصَّتْهُ بِمِقَصِّهَا الحَادِّ، ثُمَّ اسْتَعْمَلَتْ سِحْرَهَا لِتَنْفِيَ رَبُونْزِل إِلَى قَفْرٍ مُوحِشٍ فِي أَقْصَى الصَّحْرَاءِ. وَعِنْدَمَا عَادَ الأَمِيرُ، وَجَدَ السَّاحِرَةَ تَنْتَظِرُهُ، فَرَمَتْهُ بِتَعَاوِيذِهَا مِنْ أَعْلَى البُرْجِ، فَسَقَطَ بَيْنَ شُجَيْرَاتٍ شَائِكَةٍ فَقَدَ عَلَى أَثَرِهَا بَصَرَهُ.
مَرَّتْ سَنَةٌ كَامِلَةٌ مِنَ العَذَابِ؛ الأَمِيرُ يَهِيمُ عَلَى وَجْهِهِ أَعْمَى يَبْحَثُ عَنْ حَبِيبَتِهِ، وَرَبُونْزِل تُصَارِعُ القَسْوَةَ فِي الصَّحْرَاءِ. وَفِي لَحْظَةِ قَدَرٍ سَعِيدَةٍ، سَمِعَ الأَمِيرُ ذَلِكَ الصَّوْتَ الَّذِي لَمْ يَنْسَهُ أَبَداً. نَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ، فَأَقْبَلَتْ رَبُونْزِل مُسْرِعَةً وَاحْتَضَنَتْهُ وَهِيَ تَبْكِي مِنَ الفَرَحِ. سَقَطَتْ دُمُوعُهَا الطَّاهِرَةُ عَلَى عَيْنَيْهِ، وَكَأَنَّ لِلْحُبِّ سِحْراً أَقْوَى مِنْ سِحْرِ السَّحَرَةِ، فَعَادَ إِلَيْهِ بَصَرُهُ فِي لَحْظَةٍ خَاطِفَةٍ. عَادَا مَعاً إِلَى المَمْلَكَةِ، فَاسْتَقْبَلَهُمَا المَلِكُ وَالمَلِكَةُ بِالدُّمُوعِ وَالأَحْضَانِ، وَعَرَفَا ابْنَتَهُمَا مِنْ نُورِ عَيْنَيْهَا الَّذِي يُشْبِهُ نُورَ الشَّمْسِ. أَمَّا السَّاحِرَةُ، فَقَدْ هَرِمَتْ فِي لَحْظَتِهَا وَتَحَوَّلَتْ إِلَى رَمَادٍ ذَرَتْهُ الرِّيَاحُ، وَعَاشَتْ رَبُونْزِل مَعَ أَمِيرِهَا فِي سَعَادَةٍ أَبَدِيَّةٍ، لِيَتَعَلَّمَ العَالَمُ أَنَّ الجُدْرَانَ مَهْمَا عَلَتْ لا تَمْنَعُ ضَوْءَ الحَقِّ مِنَ البُزُوغِ.
رَبُونْزِل ذاتُ الشَّعْرِ الذَّهَبِيِّ
فِي قَدِيمِ الزَّمَانِ، كَانَ هُنَاكَ مَلِكٌ وَمَلِكَةٌ يَعِيشَانِ فِي قَصْرٍ كَبِيرٍ، وَرُزِقَا بِطِفْلَةٍ جَمِيلَةٍ جِدّاً سَمَّيَاهَا "رَبُونْزِل". كَانَ لِرَبُونْزِل شَعْرٌ ذَهَبِيٌّ طَوِيلٌ وَسِحْرِيٌّ، يَلْمَعُ مِثْلَ نُورِ الشَّمْسِ.
لَكِنَّ سَاحِرَةً شِرِّيرَةً خَطَفَتْ رَبُونْزِل وَهِيَ صَغِيرَةٌ، وَأَخَذَتْهَا إِلَى بُرْجٍ عَالٍ جِدّاً فِي وَسَطِ الغَابَةِ. هَذَا البُرْجُ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَابٌ وَلا سُلَّمٌ، فَقَطْ نَافِذَةٌ صَغِيرَةٌ فِي الأَعْلَى. كَانَتِ السَّاحِرَةُ تَصْعَدُ إِلَى البُرْجِ بِأَنْ تُنَادِيَ: "رَبُونْزِل، يَا رَبُونْزِل، أَنْزِلِي شَعْرَكِ الطَّوِيلَ!"، فَتُدْلِي رَبُونْزِل شَعْرَهَا الذَّهَبِيَّ لِتَتَسَلَّقَهُ السَّاحِرَةُ.
مَرَّتِ السَّنَوَاتُ، وَصَارَتْ رَبُونْزِل فَتَاةً طَيِّبَةً، تُحِبُّ الغِنَاءَ لِلْعَصَافِيرِ. وَفِي يَوْمٍ مِنَ الأَيَّامِ، مَرَّ أَمِيرٌ شُجَاعٌ بِالغَابَةِ وَسَمِعَ صَوْتَ رَبُونْزِل الجَمِيلَ وَهِيَ تُغَنِّي. انْتَظَرَ الأَمِيرُ حَتَّى رَحَلَتِ السَّاحِرَةُ، ثُمَّ نَادَى: "رَبُونْزِل، يَا رَبُونْزِل، أَنْزِلِي شَعْرَكِ الطَّوِيلَ!".
عِنْدَمَا صَعَدَ الأَمِيرُ، انْدَهَشَ مِنْ جَمَالِ رَبُونْزِل، وَأَخْبَرَهَا أَنَّهَا أَمِيرَةٌ حَقِيقِيَّةٌ وَأَنَّ وَالِدَيْهَا يَنْتَظِرَانِهَا. فَرِحَتْ رَبُونْزِل كَثِيراً، وَقَرَّرَا الهَرُوبَ مَعاً.
لَكِنَّ السَّاحِرَةَ الشِّرِّيرَةَ عَلِمَتْ بِالأَمْرِ، فَقَصَّتْ شَعْرَ رَبُونْزِل الذَّهَبِيَّ وَطَرَدَتْهَا بَعِيداً، وَحَاوَلَتْ مَنْعَ الأَمِيرِ مِنْ رُؤْيَتِهَا. لَكِنَّ الحُبَّ وَالشَّجَاعَةَ كَانَا أَقْوَى مِنَ السِّحْرِ! بَحَثَ الأَمِيرُ عَنْ رَبُونْزِل فِي كُلِّ مَكَانٍ حَتَّى وَجَدَهَا فِي نِهَايَةِ المَطَافِ.
عِنْدَمَا رَأَتْ رَبُونْزِل الأَمِيرَ، بَكَتْ مِنَ الفَرَحِ، وَسَقَطَتْ دُمُوعُهَا عَلَى عَيْنَيْهِ فَأَصْبَحَتَا تَلْمَعَانِ بِالنُّورِ. عَادَتْ رَبُونْزِل مَعَ الأَمِيرِ إِلَى القَصْرِ، وَعَانَقَهَا المَلِكُ وَالمَلِكَةُ بِقُوَّةٍ.
وَهَكَذَا عَاشَتْ رَبُونْزِل فِي سَعَادَةٍ مَعَ عَائِلَتِهَا، وَتَعَلَّمَتْ أَنَّ القَلْبَ الطَّيِّبَ يَنْتَصِرُ دَائِمًا عَلَى الشَّرِّ.