الْغَابَةُ السَّعِيدَةُ

الْغَابَةُ السَّعِيدَةُ

اقْتَرَبَ الْعَامُ الْجَدِيدُ، وَلَمْ يَبْقَ عَلَى قُدُومِهِ سِوَى أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ. وَكَانَ الْأَسَدُ الطَّيِّبُ شَارِدًا وَمَشْغُولَ الْبَالِ وَالْفِكْرِ، مِمَّا أَثَارَ دَهْشَةَ مَنْ حَوْلَهُ، فَمَا الَّذِي يَجْعَلُ مَلِكَ الْغَابَةِ مَهْمُومًا هَكَذَا؟ لَا بُدَّ أَنَّ الْأَمْرَ مُهِمٌّ وَخَطِيرٌ جِدًّا. أَرْسَلَ الْمَلِكُ فِي طَلَبِ وَزِيرِهِ الْفِيلِ، فَجَاءَ الْفِيلُ مُسْرِعًا يَدِبُّ بِأَقْدَامِهِ الثَّقِيلَةِ نَحْوَ الْعَرِينِ. اسْتَقْبَلَهُ الْمَلِكُ بِالْبِشْرِ وَالتَّرْحَابِ كَعَادَتِهِ، وَقَامَ الْغَزَالُ وَالزَّرَافُ بِوَاجِبَاتِ الضِّيَافَةِ كَافَّةً. شَكَرَ الْوَزِيرُ حَفَاوَةَ الْمَلِكِ وَقَالَ بِمُنْتَهَى الْأَدَبِ: لَقَدْ أَرْسَلَ مَوْلَايَ فِي طَلَبِي، وَآمُلُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ خَيْرًا. طَمْأَنَهُ الْأَسَدُ قَائِلًا: خَيْرًا بِإِذْنِ اللهِ. ثُمَّ صَمَتَ بُرْهَةً وَأَكْمَلَ: تَعْلَمُ يَا وَزِيرِي الْعَزِيزَ أَنَّ الْعَامَ الْجَدِيدَ قَدْ هَلَّتْ بَشَائِرُهُ، وَكُلُّ مَا أَبْغِيهِ أَنْ يَكُونَ عَامًا سَعِيدًا عَلَى الْمَمْلَكَةِ مِنْ أَقْصَاهَا إِلَى أَقْصَاهَا، فَهَذِهِ أَكْبَرُ أُمْنِيَاتِي.

تَعَجَّبَ الْفِيلُ وَقَالَ: يَا مَوْلَايَ، لَقَدْ مَلَأْتَ الْغَابَةَ عَدْلًا، وَحِينَ يَنْتَشِرُ الْعَدْلُ يَعُمُّ الرَّخَاءُ وَالسَّعَادَةُ، وَأَنْتَ خَيْرُ خَلَفٍ لِخَيْرِ سَلَفٍ. لَكِنَّ الْأَسَدَ قَالَ بِحَمَاسَةٍ: أُرِيدُهُ أَسْعَدَ الْأَعْوَامِ قَاطِبَةً، فَقَدْ أَصْبَحْتُ عَجُوزًا وَلَمْ يَبْقَ فِي الْعُمْرِ إِلَّا الْقَلِيلُ، وَأَوَدُّ أَنْ أَتْرُكَ ذِكْرَى طَيِّبَةً وَأَكُونَ قُدْوَةً حَسَنَةً لِمَنْ يَخْلُفُنِي. تَأَثَّرَ الْفِيلُ وَدَعَا لَهُ بِطُولِ الْعُمْرِ. ثُمَّ كَشَفَ الْمَلِكُ عَنْ خُطَّتِهِ بِدَعْوَةِ مَنْدُوبِينَ عَنْ جَمِيعِ الْحَيَوَانَاتِ وَالطُّيُورِ، خَاصَّةً الطَّيِّبَةَ وَالْمُسَالِمَةَ مِنْهَا، لِيَجْتَمِعَ بِهِمْ وَيَسْتَمِعَ إِلَى شَكَاوَاهُمْ وَآَمَالِهِمْ. أُعْجِبَ الْفِيلُ بِالْفِكْرَةِ، وَأَمَرَ كَبِيرَ الْحَمِيرِ الْوَحْشِيَّةِ بِإِذَاعَةِ الْخَبَرِ فِي كُلِّ أَنْحَاءِ الْغَابَةِ.

فِي الْمَوْعِدِ الْمُحَدَّدِ، احْتَشَدَ النُّوَّابُ أَمَامَ الْعَرِينِ فِي صَمْتٍ وَتَرَقُّبٍ. خَرَجَ الْمَلِكُ وَحَيَّاهُمْ ثُمَّ شَرَحَ لَهُمْ سَبَبَ الدَّعْوَةِ، فَتَبَادَلُوا نَظَرَاتِ الْفَرَحِ. تَقَدَّمَ نَائِبُ الْكِبَاشِ وَقَالَ: مَوْلَايَ، كَيْفَ نَسْعَدُ وَالذِّئْبُ يَتَرَصَّدُنَا دَائِمًا؟. ثُمَّ تَقَدَّمَ نَائِبُ الْأَرَانِبِ يَشْكُو الثَّعْلَبَ الَّذِي يَتَعَقَّبُهُمْ فِي كُلِّ مَكَانٍ. وَقَالَتِ الْغَزَالَةُ بِرِقَّةٍ: كَيْفَ نَهْنَأُ وَالنَّمِرُ يَتَتَبَّعُ خُطَانَا؟. وَأَخِيرًا تَحَدَّثَ الْعُصْفُورُ عَنْ خَوْفِ الطُّيُورِ مِنَ النُّسُورِ وَالصُّقُورِ. فَكَّرَ الْمَلِكُ عَمِيقًا وَقَالَ فِي نَفْسِهِ: لَا سَعَادَةَ بِلَا أَمَانٍ. ثُمَّ زَأَرَ زَئِيرًا هَزَّ أَرْجَاءَ الْغَابَةِ وَأَعْلَنَ: مَنْ يَعْصِي الْأَوَامِرَ فَلَيْسَ لَهُ مَكَانٌ بَيْنَنَا، لِنَعِيشَ جَمِيعًا كَأُسْرَةٍ وَاحِدَةٍ بِلَا عَدَاوَةٍ أَوْ مَكْرٍ. وَحَذَّرَ بِحَزْمٍ أَنَّ مَنْ يُخَالِفُ ذَلِكَ سَيُحَاسَبُ حِسَابًا عَسِيرًا وَيُطْرَدُ بَعِيدًا.

كَانَ الثَّعْلَبُ الْمَكَّارُ بَيْنَ الْحُضُورِ، وَشَعَرَ بِالْقَلَقِ، فَكَيْفَ لَهُ أَنْ يَعِيشَ بِلَا خِدَاعٍ وَالْمَكْرُ طَبْعُهُ الَّذِي نَشَأَ عَلَيْهِ؟. بَيْنَمَا تَبَادَلَتْ بَقِيَّةُ الْحَيَوَانَاتِ التَّهَانِيَ وَدَعَوْا لِلْمَلِكِ بِالصِّحَّةِ. أَمَرَ الْوَزِيرُ كَبِيرَ الْكِلَابِ بِتَشْدِيدِ الْحِرَاسَةِ وَتَقْدِيمِ تَقَارِيرَ يَوْمِيَّةٍ. وَهَكَذَا سَادَ الْفَرَحُ الْغَابَةَ، إِلَّا الثَّعْلَبَ الَّذِي انْزَوَى حَزِينًا يَبْكِي حَظَّهُ. وَبَعْدَ شُهُورٍ مِنَ الْأَمَانِ، مَرِضَ الْمَلِكُ، فَحَزِنَ الْجَمِيعُ إِلَّا الثَّعْلَبَ الَّذِي رَقَصَ قَلْبُهُ طَرَبًا، وَقَالَ فِي نَفْسِهِ: لَقَدْ حَانَ الْوَقْتُ لِأَسْتَخْدِمَ حِيَلِي مِنْ جَدِيدٍ.

خَرَجَ الثَّعْلَبُ مِن جُحْرِهِ وَرَأَى خَرُوفًا صَغِيرًا، فَتَظَاهَرَ بِالْمَوَدَّةِ وَسَأَلَهُ عَنْ سَبَبِ بُكُورِهِ. أَجَابَهُ الْخَرُوفُ بِبَسَاطَةٍ أَنَّهُ خَرَجَ لِيَرْعَى الْعُشْبَ اللَّيِّنَ. رَاقَبَهُ الثَّعْلَبُ حَتَّى شَبِعَ، ثُمَّ دَعَاهُ لِلشُّرْبِ مِنَ الْعَيْنِ الْقَرِيبَةِ لِيَنْفَرِدَ بِهِ. وَفِي الطَّرِيقِ، تَحَدَّثَ الْخَرُوفُ عَنْ سَعَادَتِهِ بِالْأَمَانِ وَحُزْنِهِ عَلَى الْمَلِكِ، بَيْنَمَا كَانَ الثَّعْلَبُ يَتَحَيَّنُ الْفُرْصَةَ لِلْفَتْكِ بِهِ. لَكِنَّ كَبِيرَ الْكِلَابِ كَانَ يَتَعَقَّبُ خُطَاهُمَا، وَعِنْدَمَا هَمَّ الثَّعْلَبُ بِالْهُجُومِ، قَفَزَ الْكَلْبُ بَيْنَهُمَا بِشَجَاعَةٍ. أَرْتَعَدَ الْخَرُوفُ، وَزَجَرَ الْكَلْبُ الثَّعْلَبَ قَائِلًا: أَتَظُنُّنِي نَائِمًا؟ لَا تُحَاوِلِ الْمَكْرَ مَعِي. وَأَمَرَهُ بِمُغَادَرَةِ الْمَمْلَكَةِ فَوْرًا بِأَمْرِ الْمَلِكِ. حَاصَرَتْ كِلَابُ الْحِرَاسَةِ الثَّعْلَبَ، فَفَرَّ مَدْحُورًا خَارِجَ الْغَابَةِ. عَادَ الْأَمَانُ لِلْغَابَةِ، وَتُوُفِّيَ الْمَلِكُ بَعْدَ ذَلِكَ مُرْتَاحَ الْبَالِ لِتَحَقُّقِ أُمْنِيَتِهِ، وَتَوَلَّى بَعْدَهُ أَسَدٌ شَابٌّ سَارَ عَلَى نَهْجِهِ، لِتَبْقَى ذِكْرَاهُ عَطِرَةً عَلَى مَدَى الدُّهُورِ.

إرسال تعليق

أحدث أقدم