زِيَارَةُ جَنَّاتَ
عَجَبًا لِمَا حَدَثَ! لَقَدْ تَغَيَّبَتِ التِّلْمِيذَةُ النَّجِيبَةُ جَنَّاتُ عَنِ المَدْرَسَةِ أَمْسِ، وَأَوَّلَ أَمْسِ! وَفِي صَبَاحِ اليَوْمِ الثَّالِثِ، وَقَفَتِ الزمِيلَاتُ يَنْتَظِرْنَ قُدُومَهَا بِشَوْقٍ بَالِغٍ، وَقَدْ تَعَلَّقَتْ أَبْصَارُهُنَّ جَمِيعًا بِبَوَّابَةِ المَدْرَسَةِ الكَبِيرَةِ، يَتَوَقَّعْنَ دُخُولَهَا بَيْنَ لَحْظَةٍ وَأُخْرَى، وَلَكِنَّ المَفَاجَأَةَ كَانَتْ حِينَ دَقَّ جَرَسُ الطَّابُورِ، وَلَمْ تَأْتِ جَنَّاتُ لِيَوْمِهَا الثَّالِثِ عَلَى التَّوَالِي.. ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ كَامِلَةٍ!! كَانَتْ حَيْرَةُ الزمِيلَاتُ وَحَيْرَةُ المُدَرِّسَاتِ كَبِيرَةً جِدًّا، فَأَخَذْنَ يَتَسَاءَلْنَ فِي قَلَقٍ: لِمَ تَغَيَّبَتْ جَنَّاتُ؟! وَلِمَاذَا انْقَطَعَتْ عَنِ الحُضُورِ؟! إِنَّهَا لَمْ تَتَغَيَّبْ إِطْلَاقًا عَنْ دُرُوسِهَا، وَلَمْ تَذْكُرْ أَيَّةُ زَمِيلَةٍ أَنَّ جَنَّاتَ تَغَيَّبَتْ طَوَالَ أَيَّامِ الدِّرَاسَةِ المَاضِيَةِ، بَلْ إِنَّهَا لَمْ تَتَأَخَّرْ عَنْ مَوْعِدِ المَدْرَسَةِ قَطُّ!.
وَجَنَّاتُ هَذِهِ تِلْمِيذَةٌ مُجْتَهِدَةٌ لِلْغَايَةِ، لَمْ تَذْكُرْ وَاحِدَةٌ مِنْ زَمِيلَاتِهَا أَنَّهَا وَقَفَتْ مَوْقِفًا حَرِجًا أَمَامَ المُعَلِّمِينَ؛ إِذْ كَانَتْ تُؤَدِّي وَاجِبَاتِهَا المَدْرَسِيَّةَ بِدِقَّةٍ وَتَسْتَذْكِرُ دُرُوسَهَا أَوَّلًا بِأَوَّلٍ، وَلَا تُؤَجِّلُ دَرْسَ اليَوْمِ إِلَى الغَدِ أَبَدًا، وَلِذَا فَهِيَ كَانَتْ دَائِمًا فِي طَلِيعَةِ الطَّالِبَاتِ المُتَفَوِّقَاتِ. كَمَا أَنَّهَا كَانَتْ عُضْوًا نَشِيطًا فِي جَمَاعَاتِ الأَنْشِطَةِ الفَنِّيَّةِ وَالثَّقَافِيَّةِ وَالاجْتِمَاعِيَّةِ وَالرِّيَاضِيَّةِ، وَكَثِيرًا مَا رَفَعَتِ اسْمَ مَدْرَسَتِهَا عَالِيًا، سَوَاءً فِي مُسَابَقَاتِ أَوَائِلِ الطَّلَبَةِ، أَوْ فِي مُنَافَسَاتِ الأَنْشِطَةِ المُخْتَلِفَةِ، أَوْ فِي المُبَارَيَاتِ الرِّيَاضِيَّةِ، وَعَلَاوَةً عَلَى كُلِّ هَذَا فَقَدْ كَانَتْ تِلْمِيذَةً لَطِيفَةً وَرَقِيقَةً وَمُهَذَّبَةً وَمُتَعَاوِنَةً مَعَ الجَمِيعِ. لِذَا أَحَبَّهَا كُلُّ الزمِيلَاتِ وَالمُدَرِّسَاتِ، وَكُلُّ مَنْ يَتَعَامَلُ مَعَهَا أَوْ يَلْتَقِي بِهَا، وَكَانَ لَا بُدَّ أَنْ تَنَالَ التَّقْدِيرَ الَّذِي تَسْتَحِقُّهُ نَظَرًا لِاجْتِهَادِهَا وَتَفَوُّقِهَا، لِذَا اخْتَارَتْهَا إِدَارَةُ المَدْرَسَةِ لِتَكُونَ هِيَ "الطَّالِبَةَ المِثَالِيَّةَ"، وَفِي حَفْلٍ بَهِيجٍ قَدَّمَتْ إِلَيْهَا مُدِيرَةُ المَدْرَسَةِ كَأْسَ التَّفَوُّقِ، وَحَضَرَ الحَفْلَ أَوْلِيَاءُ أُمُورِ الطَّالِبَاتِ، وَكَانَ وَالِدَاهَا ضِمْنَ الحَاضِرِينَ، وَكَمْ شَعَرَا بِالفَرْحَةِ الغَامِرَةِ وَأَحَسَّا بِالفَخْرِ العَظِيمِ حِينَ صَفَّقَ الجَمِيعُ بِحَرَارَةٍ لِابْنَتِهِمَا جَنَّاتَ!.
لَقَدْ مَضَتْ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ تَغَيَّبَتْ فِيهَا جَنَّاتُ، وَفَاتَتْهَا دُرُوسٌ كَثِيرَةٌ فِي جَمِيعِ المَوَادِّ الدِّرَاسِيَّةِ، هَكَذَا قَالَتِ الزمِيلَاتُ فِي أَسًى.. تُرَى مَا سَبَبُ هَذَا التَّغَيُّبِ المُفَاجِئِ؟ إِنَّ الزمِيلَةَ «نُور» تَسْكُنُ بِجِوَارِ مَنْزِلِ جَنَّاتَ، فَهَرَعَتِ الطَّالِبَاتُ إِلَى نُورٍ يَسْأَلْنَهَا عَنْ أَخْبَارِ جَنَّاتَ، وَكَمْ تَأَلَّمْنَ كَثِيرًا حِينَ أَنْبَأَتْهُنَّ بِخَبَرِ مَرَضِهَا، وَاسْتَغْرَبْنَ جِدًّا سُكُوتَ نُورٍ عَنْ هَذَا الخَبَرِ طَوَالَ هَذِهِ الأَيَّامِ! وَحِينَمَا عَلِمَتْ لَيْلَى، رَئِيسَةُ اللجْنَةِ الاجْتِمَاعِيَّةِ، بِالأَمْرِ لَمْ تَكْسَلْ أَبَدًا، بَلْ سُرْعَانَ مَا اسْتَأْذَنَتْ مُعَلِّمَةَ الفَصْلِ، وَلَمْ تَلْبَثْ أَنْ عَرَضَتْ فِكْرَتَهَا الرَّائِعَةَ بِضَرُورَةِ ذَهَابِ مَنْدُوبَاتٍ عَنِ التِّلْمِيذَاتِ لِزِيَارَةِ جَنَّاتَ فِي مَنْزِلِهَا. يَا لَهَا مِنْ فِكْرَةٍ طَيِّبَةٍ! لَقَدْ أَعْجَبَتِ المُعَلِّمَةَ كَمَا أَعْجَبَتِ الزمِيلَاتِ جَمِيعًا، وَاقْتَرَحَتْ لَيْلَى أَيْضًا تَقْدِيمَ هَدِيَّةٍ رَقِيقَةٍ لِجَنَّاتَ، فَاسْتَحْسَنَ الجَمِيعُ هَذَا الاقْتِرَاحَ، وَسُرْعَانَ مَا تَقَدَّمَتِ المُعَلِّمَةُ بِمُسَاهَمَتِهَا المَالِيَّةِ فِي ثَمَنِ الهَدِيَّةِ، وَحَذَا التِّلْمِيذَاتُ حَذْوَ المُعَلِّمَةِ وَسَاهَمْنَ أَيْضًا بِجُزْءٍ مِنْ مَصْرُوفَاتِهِنَّ الخَاصَّةِ، كُلُّ تِلْمِيذَةٍ عَلَى قَدْرِ طَاقَتِهَا وَمَا تَمْلِكُ.
لَقَدْ سَاهَمَتْ كُلُّ التِّلْمِيذَاتِ فِي ثَمَنِ الهَدِيَّةِ، عَدَا نُور، فَقَدْ رَفَضَتِ المُسَاهَمَةَ بِشَكْلٍ غَرِيبٍ! وَأَثْنَاءَ فَتْرَةِ الفُسْحَةِ قَالَتْ لِلَيْلَى وَالزمِيلَاتِ: «لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَدْفَعَ شَيْئًا مِنْ مَصْرُوفِي». فَسَأَلَتْهَا زَمِيلَةٌ فِي تَعَجُّبٍ: «لِمَ يَا نُورُ؟». فَقَالَتْ نُورُ بِبَسَاطَةٍ شَدِيدَةٍ: «لِأَنَّنِي سَأَشْتَرِي حَلْوَى...». هَتَفَتْ لَيْلَى فِي دَهْشَةٍ عَظِيمَةٍ: «حَلْوَى؟!». وَاسْتَطْرَدَتْ نُورُ قَائِلَةً: «كَمَا أَنَّنِي لَنْ أُصَاحِبَكُنَّ فِي زِيَارَتِكُنَّ إِلَى جَنَّاتَ..». فَسَأَلَتْ لَيْلَى فِي اسْتِغْرَابٍ شَدِيدٍ: «لَا بُدَّ أَنَّ هُنَاكَ أَمْرًا غَايَةً فِي الأَهَمِّيَّةِ يَمْنَعُكِ عَنِ الزِّيَارَةِ؟». وَعَادَتْ نُورُ تَقُولُ: «وَهَلْ هُنَاكَ أَهَمُّ مِنِ اسْتِذْكَارِ الدُّرُوسِ؟». فَرَدَّتْ عَلَيْهَا لَيْلَى بِأَنَّ هَذِهِ مَشَارَكَةٌ مِنَّا لِزَمِيلَتِنَا المَرِيضَةِ وَلَنْ تَسْتَغْرِقَ الزِّيَارَةُ أَكْثَرَ مِنْ سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ، لَكِنَّ نُورَ قَالَتْ: «وَمَاذَا أَفِيدُ مِنْ هَذِهِ المَشَارَكَةِ؟». فَأَجَابَتْهَا لَيْلَى مُذَكِّرَةً: «زِيَارَةُ المَرِيضِ وَاجِبَةٌ يَا نُورُ».
لَمْ تُعَقِّبْ نُورُ عَلَى هَذَا الكَلَامِ، بَلِ انْصَرَفَتْ عَنْهُنَّ تَارِكَةً الزمِيلَاتِ يَتَبَادَلْنَ نَظَرَاتِ التَّسَاؤُلِ وَالدَّهْشَةِ وَالاسْتِغْرَابِ مِنْ هَذَا المَوْقِفِ الجَافِّ. وَبَعْدَ أَنِ انْقَضَى اليَوْمُ الدِّرَاسِيُّ، انْطَلَقَتِ الطَّالِبَاتُ أَعْضَاءُ اللجْنَةِ الاجْتِمَاعِيَّةِ نَحْوَ السُّوقِ، فَذَهَبْنَ إِلَى مَحَلِّ اللعَبِ وَالهَدَايَا وَاشْتَرَيْنَ هَدِيَّةً جَمِيلَةً لِجَنَّاتَ، فِي حِينِ اتَّخَذَتْ نُورُ طَرِيقَهَا المُعْتَادَ إِلَى البَيْتِ، وَبَعْدَ أَنْ خَلَعَتْ زِيَّ المَدْرَسَةِ وَارْتَدَتْ مَلَابِسَ البَيْتِ، حَمَلَتْ لُعَبَهَا وَعَرَائِسَهَا وَنَزَلَتْ أَمَامَ البَيْتِ لِتَلْهُوَ بِهَا وَتَمْرَحَ، وَبِالطَّبْعِ فَقَدْ نَسِيَتْ تَمَامًا جَنَّاتَ وَالزمِيلَاتِ!.
سَعَتِ التِّلْمِيذَاتُ بِخُطًى مُسْرِعَةٍ إِلَى حَيْثُ تَسْكُنُ جَنَّاتُ، وَكُلُّهُنَّ شَوْقٌ لِرُؤْيَتِهَا وَالاطْمِئْنَانِ عَلَى صِحَّتِهَا، وَحِينَ اقْتَرَبْنَ مِنْ مَنْزِلِ جَنَّاتَ لَمَحَتْ إِحْدَاهُنَّ «نُور» وَهِيَ تَلْعَبُ، فَأَشَارَتْ نَحْوَهَا، فَتَعَجَّبَتِ الزمِيلَاتُ كَثِيرًا حِينَ رَأَيْنَ نُورًا مَشْغُولَةً بِلُعَبِهَا دُونَ اكْتِرَاثٍ لِمَرَضِ جَارَتِهَا! لَمْ تَشْعُرْ نُورُ بِوُجُودِهِنَّ فِي بَدَايَةِ الأَمْرِ، فَاكْتَفَتِ الزمِيلَاتُ بِتَبَادُلِ نَظَرَاتِ الاسْتِغْرَابِ المَشُوبَةِ بِالعِتَابِ، وَكُلُّ مِنْهُنَّ تَسْأَلُ نَفْسَهَا فِي سِرِّهَا: لِمَ تَتَصَرَّفُ نُورُ بِهَذِهِ القَسْوَةِ وَالجَفَاءِ؟! وَحِينَ تَنَبَّهَتْ نُورُ لِوُجُودِهِنَّ لَمْ تُبْدِ أَيَّ اهْتِمَامٍ يُذْكَرُ، وَلَمْ تُكَلِّفْ نَفْسَهَا عَنَاءَ اسْتِقْبَالِهِنَّ بَلْ وَاصَلَتْ لَعِبَهَا كَمَا لَوْ أَنَّ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ!.
دَخَلَتِ الزمِيلَاتُ بَيْتَ جَنَّاتَ، وَكَمْ كَانَتْ سَعَادَةُ الأَبَوَيْنِ كَبِيرَةً بِهَذِهِ الزِّيَارَةِ، فَقَدْ هَبَّا لِلِقَائِهِنَّ وَالتَّرْحِيبِ بِهِنَّ بِحَفَاوَةٍ بَالِغَةٍ، وَكَمْ غَمَرَتِ السَّعَادَةُ قَلْبَ جَنَّاتَ المَرِيضَةِ، فَسُرْعَانَ مَا دَبَّتِ الحَيَوِيَّةُ فِي أَعْضَائِهَا الهَزِيلَةِ، وَلَمْ تَغِبِ الِابْتِسَامَةُ الجَمِيلَةُ عَنْ مُحَيَّاهَا الرَّقِيقِ.. كَانَ اللقَاءُ حَارًّا وَمُمْتِعًا أَيْضًا؛ فَقَدْ تَجَاذَبْنَ أَطْرَافَ الحَدِيثِ مَعًا فِي سَعَادَةٍ، وَتَضَاحَكْنَ فِي أَدَبٍ وَرِقَّةٍ، وَقَدْ لَفَتَ نَظَرَ جَنَّاتَ عَدَمُ وُجُودِ نُورٍ مَعَهُنَّ فَعَلَاهَا القَلَقُ لِأَنَّهَا جَارَتُهَا، فَسَأَلَتِ الزمِيلَاتِ عَنْهَا بِلَهْفَةٍ. كَانَ السُّؤَالُ مُبَاغِتًا لِلْجَمِيعِ، فَتَبَادَلْنَ نَظْرَةً حَائِرَةً، فَمَاذَا يَقُلْنَ لِجَنَّاتَ عَنْ مَوْقِفِ نُورٍ المُخْزِي؟ لَكِنَّ لَيْلَى بِلَبَاقَتِهَا المَعْهُودَةِ عَجَّلَتْ وَقَالَتْ: «لَقَدْ نَسِيتُ أَنْ أُخْبِرَكِ! لَقَدْ حَمَّلَتْنِي نُورُ سَلَامَهَا الحَارَّ إِلَيْكِ وَأُمْنِيَاتِهَا الصَّادِقَةَ بِشِفَائِكِ العَاجِلِ، وَلَا بُدَّ أَنَّهَا سَتَقُومُ بِزِيَارَتِكِ قَرِيبًا جِدًّا».
وَفِي لَبَاقَةٍ أَيْضًا قَدَّمَتْ لَيْلَى هَدِيَّةَ الزمِيلَاتِ، فَشَكَرَتْهُنَّ جَنَّاتُ بِرِقَّةٍ، كَمَا أَثْنَى وَالِدَاهَا كَثِيرًا عَلَى صَنِيعِهِنَّ، وَلَمْ يَلْبَثْنَ أَنْ وَدَّعْنَ الأُسْرَةَ الصَّغِيرَةَ، وَأَلْسِنَتُهُنَّ تَلْهَجُ بِالتَّمَنِّيَاتِ بِشِفَاءِ جَنَّاتَ العَاجِلِ. وَفِي اليَوْمِ التَّالِي تَجَنَّبَتْ نُورُ زَمِيلَاتِهَا فِي المَدْرَسَةِ، فَلَمْ تُشَارِكْهُنَّ أَحَادِيثَهُنَّ لِشُعُورِهَا بِالذَّنْبِ رُبَّمَا، وَبَعْدَ يَوْمَيْنِ أَنْعَمَ اللهُ عَلَى جَنَّاتَ بِالشِّفَاءِ التَّامِّ، فَرَجَعَتْ إِلَى المَدْرَسَةِ لِيَكُونَ هُنَاكَ لِقَاءٌ سَعِيدٌ جَمَعَ كُلَّ الزمِيلَاتِ.
وَتَمْضِي الأَيَّامُ وَتَدُورُ، وَذَاتَ يَوْمٍ تَتَغَيَّبُ نُورُ نَفْسُهَا عَنِ المَدْرَسَةِ بِسَبَبِ المَرَضِ، فَتَعْجَلُ جَنَّاتُ بِزِيَارَتِهَا لِلِاطْمِئْنَانِ عَلَيْهَا، وَكَمْ كَانَتْ مُفَاجَأَةُ نُورٍ كَبِيرَةً حِينَ رَأَتْ جَنَّاتَ! حَيْثُ إِنَّهَا شَعَرَتْ بِالخَجَلِ الشَّدِيدِ وَطَأْطَأَتْ رَأْسَهَا إِلَى الأَرْضِ، وَلَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تَرْفَعَ وَجْهَهَا مِنْ شِدَّةِ الحَرَجِ أَمَامَ نُبْلِ جَنَّاتَ، وَفِي نِهَايَةِ الزِّيَارَةِ قَدَّمَتْ إِلَيْهَا جَنَّاتُ هَدِيَّتَهَا نِيَابَةً عَنْ زَمِيلَاتِهَا، لِتَغْرَقَ نُورُ فِي بَحْرٍ عَمِيقٍ مِنَ الحَرَجِ؛ حَيْثُ إِنَّهَا تَذَكَّرَتْ أَنَّهَا لَمْ تُشَارِكْ زَمِيلَاتِهَا فِي زِيَارَةِ جَنَّاتَ سَابِقًا، وَلَمْ تُسَاهِمْ حَتَّى فِي ثَمَنِ هَدِيَّتِهَا، وَهِيَ الوَحِيدَةُ مِنْ بَيْنِ زَمِيلَاتِهَا الَّتِي اتَّخَذَتْ هَذَا المَسْلَكَ القَاسِي، وَهَا هِيَ ذِي جَنَّاتُ -الَّتِي خَذَلَتْهَا نُورُ- تَكُونُ أَوَّلَ مَنْ عَجَّلَتْ بِزِيَارَتِهَا، وَهَا هِيَ ذِي هَدِيَّتُهَا بَيْنَ يَدَيْهَا تَمْنَحُهَا الدِّفْءَ.. لَقَدْ تَحَمَّلَتْ جَنَّاتُ ثَمَنَ الهَدِيَّةِ وَحْدَهَا!.
شَعَرَتْ نُورُ بِالنَّدَمِ الشَّدِيدِ يَعْتَصِرُ قَلْبَهَا، وَحَدَّثَتْ نَفْسَهَا فِي حَسْرَةٍ قَائِلَةً: «لَيْتَنِي سَاهَمْتُ فِي هَدِيَّةِ جَنَّاتَ، وَلَيْتَنِي صَاحَبْتُ الزمِيلَاتِ لِزِيَارَتِهَا، بَلْ كَانَ مِنَ الوَاجِبِ عَلَيَّ أَنْ أَتَقَدَّمَهُنَّ جَمِيعًا فِي ذَلِكَ، فَهِيَ زَمِيلَتِي وَجَارَتِي اللَّصِيقَةُ، وَهُنَاكَ صَدَاقَةٌ قَوِيَّةٌ تَجْمَعُ بَيْنَ أُسْرَتَيْنَا!». وَلَمْ تَنْسَ جَنَّاتُ الإِنْسَانَةُ وَاجِبَهَا نَحْوَ زَمِيلَتِهَا المَرِيضَةِ، فَقَامَتْ بِكُلِّ إِخْلَاصٍ لِتُعِيدَ عَلَيْهَا الدُّرُوسَ الَّتِي فَاتَتْهَا فِي ذَلِكَ اليَوْمِ، وَطِيلَةَ أَيَّامِ مَرَضِهَا، لَمْ تَدَعْ دَرْسًا وَاحِدًا يَمُرُّ دُونَ أَنْ تَشْرَحَهُ لَهَا!.
أَثْنَتْ نُورُ كَثِيرًا عَلَى جَنَّاتَ لِمَا بَذَلَتْهُ مِنْ جُهْدٍ عَظِيمٍ مِنْ أَجْلِهَا، فَتَعَجَّبَتْ جَنَّاتُ وَقَالَتْ لَهَا تَلُومُهَا بِلُطْفٍ: «لَا شُكْرَ عَلَى وَاجِبٍ يَا نُورُ، لَقَدْ كُنْتِ فِي مَوْقِفٍ صَعْبٍ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَقِفَ الصَّدِيقُ بِجَانِبِ صَدِيقِهِ فِي وَقْتِ الشِّدَّةِ حَتَّى تَمْضِيَ تِلْكَ الغُمَّةُ فِي سَلَامٍ». يَا لَهَا مِنْ فَتَاةٍ رَائِعَةٍ تَعْرِفُ حَقَّ الزَّمَالَةِ وَمَعْنَى الصَّدَاقَةِ الحَقِيقِيِّ! إِنَّهَا بِنُبْلِهَا قَدْ سَبَّبَتْ لِنُورٍ الحَرَجَ بِتَصَرُّفَاتِهَا الإِنْسَانِيَّةِ الرَّاقِيَةِ، وَحَدِيثِهَا العَذْبِ الَّذِي يَنْبُعُ مِنْ أَعْمَاقِ قَلْبِهَا، وَالَّذِي يَلْفَتُ النَّظَرَ وَيَشُدُّ الإِعْجَابَ؛ فَجَنَّاتُ لَمْ تَكُنْ تَقْصِدُ أَبَدًا أَنْ تُسَبِّبَ الحَرَجَ لِنُورٍ، أَوْ أَنْ تُعَلِّمَهَا دَرْسًا قَاسِيًا، وَلَكِنَّهَا كَانَتْ تَتَصَرَّفُ بِتِلْقَائِيَّةٍ وَبَسَاطَةٍ وَعَلَى طَبِيعَتِهَا الطَّيِّبَةِ، وَكَمَا تُمْلِيهِ عَلَيْهَا مَشَاعِرُهَا الإِنْسَانِيَّةُ النَّقِيَّةُ.
قَالَتْ نُورُ فِي نَفْسِهَا: «لَيْسَ الِاعْتِذَارُ بِالقَوْلِ فَقَطْ، وَإِنَّمَا يَكُونُ بِالفِعْلِ، فَلَا بُدَّ أَنْ أُثْبِتَ لِزَمِيلَاتِي أَنَّنِي تَعَلَّمْتُ الكَثِيرَ بِهَذَا الدَّرْسِ بِرَغْمِ قَسْوَتِهِ عَلَى نَفْسِي، لَكِنَّنِي كُنْتُ فِي أَمَسِّ الحَاجَةِ إِلَيْهِ، لِأَنَّهُ أَفَاقَنِي مِنْ غَفْلَتِي، وَأَيْقَظَنِي مِنْ سُبَاتِي.. يَجِبُ أَنْ أُؤَكِّدَ لِزَمِيلَاتِي أَنَّنِي إِنْسَانَةٌ اجْتِمَاعِيَّةٌ، أُحِسُّ بِإِحْسَاسِ الآخَرِينَ، وَأُشَارِكُهُمْ مَشَاعِرَهُمْ وَكُلَّ مَوَاقِفِهِمْ، وَأَتَعَاوَنُ مَعَهُمْ فِي سَبِيلِ الخَيْرِ دَائِمًا». وَفِي أَوَّلِ مُنَاسَبَةٍ جَاءَتْ بَعْدَ ذَلِكَ، كَانَتْ نُورُ فِي مُقَدِّمَةِ المُسَاهِمِينَ، لَيْسَ بِجُزْءٍ بَسِيطٍ مِنْ مَصْرُوفِهَا هَذِهِ المَرَّةَ، وَلَكِنَّهَا قَدَّمَتْ مَصْرُوفَهَا كُلَّهُ بِنَفْسٍ رَاضِيَةٍ، تَعْلُوهَا ابْتِسَامَةٌ صَافِيَةٌ كَصَفَاءِ قَلْبِ زَمِيلَتِهَا، وَكَانَتْ سَبَّاقَةً فِي كُلِّ المُنَاسَبَاتِ، وَكَانَتْ كُلُّ مُشَارَكَاتِهَا تَنْبُعُ عَنْ حُبٍّ وَإِيمَانٍ صَادِقٍ. وَهَكَذَا اسْتَطَاعَتْ نُورُ أَنْ تَمْحُوَ الفِكْرَةَ السَّيِّئَةَ الَّتِي أَخَذَتْهَا الزمِيلَاتُ عَنْهَا، وَقَدْ سَامَحْنَهَا جَمِيعًا وَتَغَاضَيْنَ عَنْ خَطَئِهَا القَدِيمِ، وَهَذَا مَا قَرَأَتْهُ فِي عُيُونِهِنَّ وَابْتِسَامَاتِهِنَّ الصَّافِيَةِ، وَلَمْ تُكَرِّرِ الخَطَأَ ثَانِيَةً، بَلْ شَارَكَتِ الزمِيلَاتِ فِي كُلِّ مَا يُفَكِّرْنَ فِيهِ.. وَفِي كُلِّ أَعْمَالِهِنَّ الطَّيِّبَةِ وَالمُبَارَكَةِ.