بقرة اليتامى

 بَقَرَةُ اليَتَامَى

بقرة اليتامى

​فِي قَدِيمِ الزَّمَانِ وَسَالِفِ العَصْرِ وَالأَوَانِ كَانَتْ أُسْرَةٌ مُتَكَوِّنَةٌ مِنْ أَبٍ وَأُمٍّ وَطِفْلَيْهِمَا ظَرِيفٍ وَمَرْجَانَةَ يَعِيشُونَ جَمِيعاً فِي كُوخٍ، وَمَعَهُمْ بَقَرَتُهُمُ الَّتِي كَانُوا مِنْ حَلِيبِهَا يَنْتَفِعُونَ، كَانَ الطِّفْلَانِ يَقِفَانِ بِالقُرْبِ مِنْهَا فَتُدَاعِبُهُمَا وَتَلْحَسُ بِلِسَانِهَا رَأْسَيْهِمَا كَأَنَّهُمَا وَلَدَاهَا فَيَفْرَحَانِ لِذَلِكَ وَتَزْدَادُ سَعَادَتُهُمَا، تَمُرُّ الأَيَّامُ وَاللَّيَالِي وَالطِّفْلَانِ يَكْبُرَانِ وَتَكْبُرُ صِلَتُهُمَا بِالبَقَرَةِ، فَلَا يَمُرُّ يَوْمٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقِفَا أَمَامَهَا وَيُقَدِّمَا لَهَا العَلَفَ وَالحَشِيشَ لَكِنَّ الأَيَّامَ كَانَتْ تُخَبِّئُ لَهُمَا أُمُوراً لَا تَسُرُّ. فَجْأَةً تَمْرَضُ الأُمُّ وَتَضْعُفُ قُوَاهَا فَتُصْبِحُ طَرِيحَةَ الفِرَاشِ، تُمَزِّقُهَا سَكَاكِينُ الوَجَعِ، وَتَزِيدُهَا حُرْقَةً دُمُوعُ طِفْلَيْهَا وَحَسْرَةُ زَوْجِهَا، كَانَتِ الفَتَاةُ مَرْجَانَةُ تَسْهَرُ جَانِبَ وَالِدَتِهَا تُخَفِّفُ حَرَارَةَ جِسْمِهَا، وَمَا عَسَى ظَرِيفٌ أَنْ يَفْعَلَ سِوَى ذَرْفِ دُمُوعٍ حَارِقَةٍ شَفَقَةً عَلَى أُمِّهِ. تَحْضُنُ الأُمُّ طِفْلَيْهَا ثُمَّ تُمْسِكُ بِيَدِ زَوْجِهَا قَائِلَةً: "أُوصِيكَ بِظَرِيفٍ وَمَرْجَانَةَ... وَبِالبَقَرَةِ، لَا تَبِعْهَا، رَجَاءً"، ثُمَّ رَحَلَتِ الأُمُّ عَنْ هَذِهِ الدُّنْيَا تَارِكَةً وَرَاءَهَا الطِّفْلَيْنِ لِلوَحْدَةِ وَالاغْتِرَابِ، وَدَخَلَ الحُزْنُ البَيْتَ دُونَ اسْتِئْذَانٍ، حَتَّى البَقَرَةُ أَحَسَّتْ بِفُقْدَانِ صَاحِبَتِهَا فَنَدَرَ الحَلِيبُ فِي ضَرْعِهَا.

​بَعْدَ مُدَّةٍ فَكَّرَ الأَبُ فِي الزَّوَاجِ بَامْرَأَةٍ أُخْرَى، فَتَزَوَّجَ مِنِ امْرَأَةٍ أَنْجَبَ مِنْهَا بِنْتاً سَمَّاهَا "عَسْلُوجَةَ"، وَمَعَ مُرُورِ الأَيَّامِ بَدَأَ يَنْبُتُ الغَضَبُ وَالصِّرَاعُ فِي البَيْتِ، كَانَ ظَرِيفٌ وَمَرْجَانَةُ يُهْمَلَانِ طِوَالَ النَّهَارِ وَيَفْتَرِشَانِ التِّبْنَ قُرْبَ بَقَرَتِهِمَا لَيْلًا، يَسْتَمِدَّانِ الحَنَانَ مِنْ نَظَرَاتِهَا وَالغِذَاءَ مِنْ حَلِيبِهَا الدَّسِمِ، فَنَمَا جِسْمَاهُمَا وَتَوَرَّدَتْ خُدُودُهُمَا، بَيْنَمَا كَانَ الهُزَالُ يَعْتَرِي عَسْلُوجَةَ رَغْمَ العِنَايَةِ بِهَا. احْتَارَتِ الزَّوْجَةُ وَأَرْسَلَتِ ابْنَتَهَا لِتَرْقُبَهُمَا، فَرَأَتِ البَقَرَةَ تَقْتَرِبُ مِنْهُمَا فِي المَرْعَى لِيَنْهَلَا مِنْ حَلِيبِهَا، وَحِينَمَا حَاوَلَتْ عَسْلُوجَةُ تَقْلِيدَهُمَا رَفَسَتْهَا البَقَرَةُ فَأَصَابَتْ عَيْنَهَا. اغْتَاظَتِ الزَّوْجَةُ وَقَرَّرَتِ التَّخَلُّصَ مِنَ البَقَرَةِ، وَأَلَحَّتْ عَلَى زَوْجِهَا حَتَّى انْصَاعَ لَهَا وَبَاعَهَا لِجَزَّارٍ فِي السُّوقِ، وَعَادَ الرَّجُلُ حَزِيناً بَعْدَ أَنْ ضَيَّعَ الوَصِيَّةَ.

​اسْتَسْلَمَ الشَّيْخُ لِلنَّوْمِ فَرَأَى زَوْجَتَهُ الأُولَى فِي الحُلْمِ تَقُولُ لَهُ: "لَقَدْ ضَيَّعْتَ الأَمَانَةَ"، وَطَلَبَتْ مِنْهُ اسْتِرْجَاعَ ضَرْعِ البَقَرَةِ وَوَضْعَهُ عَلَى قَبْرِهَا. قَامَ الشَّيْخُ مَفْزُوعاً وَذَهَبَ لِلجَزَّارِ وَتَوَسَّلَ إِلَيْهِ حَتَّى أَخَذَ الضَّرْعَ وَوَضَعَهُ عَلَى قَبْرِ زَوْجَتِهِ كَمَا أُمِرَ. وَمَا هِيَ إِلَّا أَيَّامٌ حَتَّى نَبَتَتْ عَلَى القَبْرِ قَصَبَتَانِ؛ وَاحِدَةٌ تَسِيلُ حَلِيباً وَأُخْرَى عَسَلًا، وَبِالقُرْبِ مِنْهُمَا نَخْلَتَانِ بَاسِقَتَانِ تُثْمِرَانِ تَمْراً شَهِيّاً. كَانَ الطِّفْلَانِ يَزُورَانِ القَبْرَ جَائِعَيْنِ فَيَشْرَبَانِ وَيَأْكُلَانِ حَتَّى عَادَتِ النَّضَارَةُ إِلَى وَجْهَيْهِمَا، وَلَمَّا عَلِمَتْ زَوْجَةُ الأَبِ بِالسِّرِّ مَلَأَ الحَسَدُ قَلْبَهَا، فَاشْتَرَتْ قَطْرَاناً مِنَ الدَّلَّالِ وَدَسَّتْهُ فِي جُذُورِ النَّخْلِ وَالقَصَبِ لِتَقْتُلَهُمَا، ثُمَّ أَوْغَرَتْ صَدْرَ الشَّيْخِ عَلَى وَلَدَيْهِ حَتَّى طَرَدَهُمَا إِلَى الغَابَةِ.

​سَارَ ظَرِيفٌ وَمَرْجَانَةُ فِي الأَدْغَالِ هَائِمَيْنِ حَتَّى وَصَلَا إِلَى نَهْرٍ جَارٍ، كَانَتْ مَرْجَانَةُ تَعْرِفُ أَنَّ مَاءَ هَذَا الوَادِي سِحْرِيٌّ يُحَوِّلُ مَنْ يَشْرَبُ مِنْهُ إِلَى غَزَالٍ، فَحَذَّرَتْ أَخَاهَا، لَكِنَّ ظَرِيفاً بَعْدَ أَنْ أَضَاعَ قِلَادَتَهُ وَعَادَ لِيَبْحَثَ عَنْهَا، غَلَبَهُ العَطَشُ فَشَرِبَ مِنَ المَاءِ، وَفِي لَحْظَةٍ تَحَوَّلَ إِلَى غَزَالٍ جَمِيلٍ. بَقِيَتْ مَرْجَانَةُ حَائِرَةً تُؤْنِسُ أَخَاهَا الغَزَالَ، وَبَيْنَمَا كَانَتْ تَمْشُطُ شَعْرَهَا سَقَطَتْ شَعْرَةٌ ذَهَبِيَّةٌ فِي النَّهْرِ، جَرَفَهَا المَاءُ حَتَّى وَقَعَتْ بَيْنَ يَدَيْ سُلْطَانِ البِلَادِ وَهُوَ يَتَجَوَّلُ فِي رِحْلَةِ صَيْدٍ. انْبَهَرَ السُّلْطَانُ بِجَمَالِ الشَّعْرَةِ وَأَمَرَ جُنُودَهُ بِالبَحْثِ عَنْ صَاحِبَتِهَا، حَتَّى وَجَدُوا مَرْجَانَةَ وَأَخَاهَا الغَزَالَ عِنْدَ عَجُوزٍ طَيِّبَةٍ كَانَتْ قَدْ آوَتْهُمَا فِي كُوخِهَا.

​أُحْضِرَتْ مَرْجَانَةُ إِلَى القَصْرِ، وَبُهِتَ السُّلْطَانُ لِحُسْنِهَا، وَبَعْدَ أَنْ قَارَنَ شَعْرَهَا بِالشَّعْرَةِ الذَّهَبِيَّةِ، طَلَبَ الزَّوَاجَ مِنْهَا، فَوَافَقَتْ شَرِيطَةَ أَنْ يُعَالَجَ أَخُوهَا. أَمَرَ السُّلْطَانُ بِإِحْضَارِ أَمْهَرِ الأَطِبَّاءِ وَالعُلَمَاءِ، وَبَعْدَ جُهُودٍ وَبُحُوثٍ، اكْتَشَفُوا دَوَاءً يُبْطِلُ سِحْرَ المَاءِ، فَعَادَ ظَرِيفٌ إِلَى هَيْئَتِهِ البَشَرِيَّةِ شَابّاً بَهِيَّ الطَّلْعَةِ. وَعَمَّتِ الفَرْحَةُ القَصْرَ، وَالْتَقَى الطِّفْلَانِ بِأَبِيهِمَا العَجُوزِ الَّذِي جَاءَ نَادِماً، كَمَا طَلَبَتْ زَوْجَةُ الأَبِ وَابْنَتُهَا العَفْوَ، فَعَفَتْ مَرْجَانَةُ عَنْهُمَا، وَعَاشَ الجَمِيعُ فِي سَعَادَةٍ وَهَنَاءٍ بَعْدَ طُولِ عَنَاءٍ.

إرسال تعليق

أحدث أقدم