جَنَّاتُ وَالْوَرْدَةُ الْجَمِيلَةُ
فِي يَوْمٍ مُشْمِسٍ تَغْمُرُهُ أَشِعَّةُ الذَّهَبِ، وَنَسَمَاتُ الْهَوَاءِ تَدَاعِبُ أَوْرَاقَ الشَّجَرِ، قَرَّرَتِ الطِّفْلَةُ الصَّغِيرَةُ "جَنَّاتُ" أَنْ تَقْضِيَ وَقْتَهَا فِي نُزْهَةٍ بَيْنَ أَحْضَانِ الطَّبِيعَةِ الْخَلَّابَةِ. لَمْ تَكُنْ جَنَّاتُ وَحْدَهَا، بَلْ صَحِبَتْ مَعَهَا صَدِيقَتَهَا الْوَفِيَّةَ وَرَفِيقَةَ لَعِبِهَا، الْقِطَّةَ الْبَيْضَاءَ "بُوسِي"، الَّتِي كَانَتْ تَقْفِزُ مَرَحاً وَكَأَنَّهَا كُرَةٌ مِنَ الصُّوفِ النَّاعِمِ.
انْطَلَقَتْ جَنَّاتُ تَرْكُضُ وَتَضْحَكُ، وَتُسَابِقُ الْفَرَاشَاتِ الْمُلَوَّنَةَ الَّتِي تَنَقَّلَتْ بَيْنَ الْأَزْهَارِ، وَ"بُوسِي" تُمَاؤُ خَلْفَهَا بِسَعَادَةٍ غَامِرَةٍ. وَبَيْنَمَا كَانَتْ جَنَّاتُ تَتَجَوَّلُ بَيْنَ الْأَشْجَارِ الْبَاسِقَةِ، وَقَعَتْ عَيْنَاهَا عَلَى شَيْءٍ خَطَفَ أَنْفَاسَهَا؛ كَانَتْ وَرْدَةً حَمْرَاءَ قَانِيَةً، تَتَمَايَلُ بِكِبْرِيَاءٍ فَوْقَ سَاقِهَا الْخَضْرَاءِ، وَقَطَرَاتُ النَّدَى تَلْمَعُ فَوْقَ بَتَلَاتِهَا مِثْلَ حَبَّاتِ اللُّؤْلُؤِ.
تَوَقَّفَتْ جَنَّاتُ مَبْهُورَةً بِهَذَا الْجَمَالِ، وَقَالَتْ فِي نَفْسِهَا: "يَا لَهَا مِنْ وَرْدَةٍ رَائِعَةٍ! سَأَقْطِفُهَا لِأَحْتَفِظَ بِهَا لِنَفْسِي." اقْتَرَبَتْ بِبُطْءٍ، وَمَدَّتْ أَنَامِلَهَا الصَّغِيرَةَ لِتُمْسِكَ بِالسَّاقِ، وَلَكِنْ مَا إِنْ لَمَسَتْهَا حَتَّى صَرَخَتْ بِأَلَمٍ: "آهٍ! يَدِي! يَدِي!" لَقَدْ وَخَزَتْهَا شَوْكَةٌ حَادَّةٌ كَانَتْ تَخْتَبِئُ خَلْفَ الْأَوْرَاقِ.
نَظَرَتْ جَنَّاتُ إِلَى إِصْبَعِهَا الصَّغِيرِ بِغَضَبٍ وَدُمُوعُهَا تَتَرَقْرَقُ فِي عَيْنَيْهَا، وَهَمَّتْ بِالابْتِعَادِ وَهِيَ تَعْتَبُ عَلَى الْوَرْدَةِ، وَإِذَا بِصَوْتٍ نَاعِمٍ وَرَقِيقٍ يَنْبَعِثُ مِنَ الزَّهْرَةِ قَائِلًا: "سَامِحِينِي يَا جَنَّاتُ، لَمْ أَكُنْ أَقْصِدُ إِيذَاءَكِ، وَلَكِنَّنِي كُنْتُ أُدَافِعُ عَنْ حَيَاتِي! لَقَدْ كُنْتِ تُرِيدِينَ قَتْلِي بِانْتِزَاعِي مِنْ جُذُورِي."
تَعَجَّبَتْ جَنَّاتُ وَمَسَحَتْ دُمُوعَهَا قَائِلَةً: "أَقْتُلُكِ؟ كَلَّا يَا صَدِيقَتِي، أَنَا أَحْبَبْتُ جَمَالَكِ فَقَطْ، وَأَرَدْتُ أَنْ آخُذَكِ لِأَلْعَبَ بِكِ وَأَسْتَمْتِعَ بِعِطْرِكِ وَحْدِي." هَزَّتِ الْوَرْدَةُ رَأْسَهَا بِحُزْنٍ وَأَجَابَتْ: "تَلْعَبِينَ بِي؟ لِلَحَظَاتٍ قَصِيرَةٍ ثُمَّ تَمَلِّينَ مِنِّي فَتَرْمِينِي عَلَى الْأَرْضِ لِأَذْبُلَ وَأَمُوتَ تَحْتَ الْأَقْدَامِ؟"
سَأَلَتْ جَنَّاتُ بِحَيْرَةٍ: "وَلَكِنْ، أَلَمْ يَخْلُقْكِ اللَّهُ لِكَي نَسْتَمْتِعَ نَحْنُ بِمَنْظَرِكِ وَرَائِحَتِكِ الزَّكِيَّةِ؟" ابْتَسَمَتِ الْوَرْدَةُ وَقَالَتْ: "بَلَى، لَكِنَّ هَدَفِي أَعْمَقُ مِنْ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ! لَقَدْ خَلَقَنِي اللَّهُ لِأَنْشُرَ الْفَرَحَ فِي قُلُوبِ الْجَمِيعِ وَأَنَا فِي مَكَانِي، فَيَرَانِي الْمَارُّ وَيَبْتَسِمُ، وَيَرَاكِ الْمَرِيضُ فَيَشْعُرُ بِالْأَمَلِ. بَلْ إِنَّ لِي فَوَائِدَ أُخْرَى، فَالنَّاسُ يَصْنَعُونَ مِنْ أَوْرَاقِي الْمُرَبَّى اللَّذِيذَةَ، وَالشَّرَابَ الْمُنْعِشَ، وَأَرْقَى أَنْوَاعِ الْعُطُورِ."
فَجْأَةً، شَهَقَتْ جَنَّاتُ وَقَالَتْ بِأَسًى: "يَا إِلَهِي! لَقَدْ تذكرتُ أَنَّ الْيَوْمَ هُوَ عِيدُ الْأُمِّ، وَأَنَا لَمْ أُجَهِّزْ لِأُمِّي الْحَبِيبَةِ أَيَّ هَدِيَّةٍ بَعْدُ!" حِينَهَا، تَلَأْلَأَتِ الْوَرْدَةُ وَقَالَتْ بِحَمَاسٍ: "لَا تَحْزَنِي يَا جَنَّاتُ، لَدَيَّ حَلٌّ رَائِعٌ! خُذِينِي إِلَى أُمِّكِ، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ الرَّسُولَ الَّذِي يَنْقُلُ حُبَّكِ إِلَيْهَا، وَسَأَكُونُ سَعِيدَةً جِدًّا حِينَ أَرَى الْبَسْمَةَ تُرْسَمُ عَلَى وَجْهِهَا فِي عِيدِهَا."
أَدْرَكَتْ جَنَّاتُ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ أَنَّ الْأَشْيَاءَ تَكُونُ أَجْمَلَ عِنْدَمَا نُحَافِظُ عَلَيْهَا حَيَّةً وَمُفِيدَةً لِلْآخَرِينَ. حَمَلَتْ جَنَّاتُ الْوَرْدَةَ بِرِفْقٍ شَدِيدٍ (بَعْدَ أَنْ غَطَّتِ الْأَشْوَاكَ بِحَذَرٍ) وَعَادَتْ إِلَى مَنْزِلِهَا وَقَلْبُهَا يَمْلَؤُهُ الْفَرَحُ، لِتُقَدِّمَ لِأُمِّهَا أَجْمَلَ هَدِيَّةٍ تَعَلَّمَتْ مِنْهَا مَعْنَى الْحَيَاةِ وَالْعَطَاءِ.
