سُلْحُوفَة وَأَرْنُوب 10 خَفِيفُ الظِّلِّ

سُلْحُوفَة وَأَرْنُوب 10 خَفِيفُ الظِّلِّ

سُلْحُوفَة وَأَرْنُوب 10 خَفِيفُ الظِّلِّ

كَانَ الدُّبُّ يَتَمَشَّى، جِيئَةً وَذَهَاباً، عَلَى مَبْعَدَةٍ مِنَ الشَّجَرَةِ وَهُوَ يَفْتَحُ عَيْنَيْهِ، وَيُغْلِقُهُمَا، وَقَدْ ظَهَرَتْ عَلَامَاتُ الدَّهْشَةِ عَلَى وَجْهِهِ، حِينَمَا زَحَفَتِ السُّلحَفَاةُ سُلْحُوفَةُ إِلَى أَنْ صَارَتْ عَلَى مَقْرَبَةٍ مِنْهُ وَرَاحَتْ تَرْقُبُهُ فِي صَمْتٍ وَقَدْ رَفَعَتْ رَأْسَهَا خَارِجَ صَدَفَتِهَا. بَعْدَ قَلِيلٍ تَنَبَّهَ لَهَا، وَقَالَ: أَهْلاً. قَالَتْ سُلْحُوفَةُ: أَهْلاً، مَاذَا بِكَ؟ فَأَجَابَهَا: أُفَكِّرُ. سَأَلَتْهُ: فِيمَ تُفَكِّرُ يَا عَزِيزِي؟ قَالَ الدُّبُّ: فِي ظِلِّي.. مَرَّةً أَرَاهُ أَمَامِي، ثُمَّ أَرَاهُ خَلْفِي. قَالَتْ سُلْحُوفَةُ: أَيُّ شَيْءٍ فِي هَذَا؟ فَقَالَ الدُّبُّ: هَلْ يُدَاعِبُنِي؟ يُشَاكِسُنِي؟ يُغِيظُنِي؟ ضَحِكَتْ سُلْحُوفَةُ وَقَالَتْ لَهُ: لِمَاذَا لَمْ تَسْأَلْهُ؟

خَرَجَ أَرْنُوبُ مِنْ جُحْرِهِ وَأَلْقَى عَلَيْهِمَا السَّلَامَ وَسَأَلَ: فِيمَ تَتَحَدَّثَانِ؟! قَالَ الدُّبُّ: عَنْ ظِلِّي.. هَذَا الشَّيْءُ التَّافِهُ الَّذِي لَا فَائِدَةَ لَهُ. تَكَلَّمَ الظِّلُّ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ فِي حَيَاتِهِ وَقَالَ فِي غَضَبٍ: أَنَا تَافِهٌ؟ وَلَيْسَ لِي فَائِدَةٌ؟ حَدِّثِيهِ عَنِّي يَا سُلْحُوفَةُ. قَالَتْ سُلْحُوفَةُ: حَدِّثْهُ أَنْتَ. فَقَالَ الظِّلُّ: لَا أُحِبُّ أَنْ أَتَحَدَّثَ عَنْ نَفْسِي، لَكِنَّكُمْ جَمِيعاً تَعْرِفُونَ أَنَّنِي كُنْتُ: السَّاعَةَ عِنْدَ قُدَمَاءِ الْمِصْرِيِّينَ وَكَانَ اسْمُهَا الْمِزْوَلَةَ. قَالَ الدُّبُّ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى سَاعَةِ يَدِهِ: أَنْتَ كُنْتَ السَّاعَةَ؟ فَأَجَابَ الظِّلُّ: نَعَمْ، ثُمَّ إِنَّهُمْ كَانُوا يَقِيسُونَ عَنْ طَرِيقِي أَهْرَامَاتِهِمْ وَارْتِفَاعَاتِهَا، وَمَا زَالَ الْعَالَمُ عَنْ طَرِيقِي يَعْرِفُ طُولَ الْجِبَالِ!

تَبَادَلَتْ سُلْحُوفَةُ وَأَرْنُوبُ وَالدُّبُّ النَّظَرَاتِ، وَهُوَ يُضِيفُ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يَخْلُقْ شَيْئاً عَلَى الْإِطْلَاقِ عَبَثاً. هَتَفَتْ سُلْحُوفَةُ وَأَرْنُوبُ: صَدَقْتَ.. سُبْحَانَهُ. مَرَّتْ سَحَابَةٌ، فَاخْتَفَى ظِلُّ الدُّبِّ، كَأَنَّمَا يَكُونُ قَدْ مَضَى غَضَباً، وَالدُّبُّ يَهْتِفُ: لَا لَا.. لَا تَبْتَعِدْ عَنِّي.. سَامِحْنِي. ضَحِكَ أَرْنُوبُ وَسُلْحُوفَةُ، وَشَارَكَهُمَا خَيَالُ الْحَقْلِ.

جَلَسَ الدُّبُّ عَلَى الْأَرْضِ، وَبَدَأَ يَبْكِي، وَاتَّجَهَ أَرْنُوبُ وَسُلْحُوفَةُ يَبْحَثَانِ عَنْهُ، وَيُوَاسِيَانِهِ، وَقَالَتْ سُلْحُوفَةُ: الشَّمْسُ سَتُعِيدُ لَكَ ظِلَّكَ خَفِيفَ الظِّلِّ! جَفَّفَ الدُّبُّ دُمُوعَهُ، وَسَأَلَ: هَلِ الشَّمْسُ هِيَ الَّتِي أَخَذَتْهُ مِنِّي؟ رَدَّتْ سُلْحُوفَةُ: لَا لَا.. الشَّمْسُ هِيَ الَّتِي تُعْطِيهِ لَكَ. أَضَافَ أَرْنُوبُ: السَّحَابَةُ هِيَ الَّتِي أَخْفَتْهُ. وَرَفَعَ رَأْسَهُ عَالِياً، وَقَلَّدَهُ الدُّبُّ، ثُمَّ صَاحَ: أَرْجُوكِ أَعِيدِي إِلَيَّ ظِلِّي.. وَإِلَّا.

قَهْقَهَتِ السَّحَابَةُ وَقَالَتْ: هَلْ تُهَدِّدُنِي؟! إِذاً خُذْ.. وَنَزَلَ الْمَطَرُ غَزِيراً فَوْقَ رَأْسِ الدُّبِّ الْجَالِسِ الْقُرْفُصَاءَ، وَسَارَعَ أَرْنُوبُ وَسُلْحُوفَةُ يَهْرُبَانِ، وَغَرِقَ الدُّبُّ فِي بُحَيْرَةٍ مِنَ الْمَاءِ، وَهُوَ يُحَاوِلُ أَنْ يَقِفَ عَلَى قَدَمَيْهِ.. ضَاحِكاً. جَمِيعُهُمْ فِي ضَحِكٍ، لِأَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ الْمَطَرَ خَيْرٌ وَغَيْثٌ، وَأَنَّ الْأَحْيَاءَ مِنَ النَّبَاتِ وَالْحَيَوَانِ وَالْإِنْسَانِ بِحَاجَةٍ مَاسَّةٍ إِلَيْهِ، وَلَا بَأْسَ مِنْ أَنْ يَسْقُطَ لِدَقَائِقَ فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ.

بَعْدَ ذَلِكَ تَصْفُو السَّمَاءُ، وَقَدِ اغْتَسَلَ الْهَوَاءُ مِنَ التُّرَابِ وَلَمْ يَنْسَ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ شَاكِراً اللهَ، حَامِداً فَضْلَهُ.. بِحَقِّ النَّظَافَةِ مِنَ الْإِيمَانِ وَبِحَقِّ صِحَّةِ الْأَبْدَانِ. عَادَتِ الشَّمْسُ، وَظِلُّ الدُّبِّ، وَقَدِ امْتَدَّ طَوِيلاً عَلَى الْأَرْضِ الْمُبْتَلَّةِ، وَانْعَكَسَتْ صُورَتُهُ عَلَى الْمِيَاهِ تَهْتَزُّ وَتَتَرَجْرَجُ كَأَنَّهَا شَبَحٌ عِمْلَاقٌ خَافَ مِنْهُ أَرْنُوبُ وَسُلْحُوفَةُ. قَالَ لَهُمَا الظِّلُّ: هَلْ تَخَافَانِ مِنِّي، وَأَنَا لَا شَيْء؟! أَنَا فَقَطْ آخُذُ حَمَاماً، وَأَغْتَسِلُ.. أَلَمْ تَسْتَحِمَّا بِمِيَاهِ الْمَطَرِ؟ أَطَلَّتْ سُلْحُوفَةُ بِرَأْسِهَا مِنْ صَدَفَتِهَا وَقَالَتْ: جَمِيلٌ أَنْ تَكُونَ نَظِيفاً أَنْتَ وَصَاحِبُكَ.. الْحِصَانُ يَتَقَلَّبُ عَلَى الْحَشَائِشِ لِيُنَظِّفَ جِسْمَهُ. قَالَ الظِّلُّ: وَالْحِمَارُ أَيْضاً يَتَمَرَّغُ فِي التُّرَابِ وَيَذْهَبُ لِيَغْتَسِلَ بِالْمَاءِ.

قَالَ الدُّبُّ: رَأَيْتُ الْقُرُودَ يُنَظِّفُ الْوَاحِدُ مِنْهَا الْآخَرَ.. وَالْخَرْتِيتَ يُصَادِقُ طُيُوراً تَلْتَقِطُ الْحَشَرَاتِ مِنْ عَلَى جِلْدِهِ السَّمِيكِ.. وَالْأَفْيَالَ تَمْلأُ خَرَاطِيمَهَا بِالْمَاءِ، وَكُلٌ يُعْطِي صَاحِبَهُ حَمَاماً.. وَالْأَسْمَاكَ الَّتِي تَعِيشُ فِي الْمِيَاهِ الْبَارِدَةِ تَسْعَى لِمِيَاهٍ دَافِئَةٍ، تَسْتَحِمُّ وَتَعُودُ. اهْتَزَّتِ الْأَوْرَاقُ فَوْقَ أَغْصَانِ الشَّجَرَةِ وَقَالَ حَفِيفُهَا: يَغْسِلُنَا الْمَطَرُ.. نَحْنُ الشَّجَرُ! غَرَّدَتِ الطُّيُورُ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ.. وَالْوُضُوءِ.. وَالصُّفُوفِ الْمُنْتَظِمَةِ.

ابْتَعَدَ الدُّبُّ آخِذاً ظِلَّهُ مَعَهُ إِلَى بَعِيدٍ وَلَمْ يَعُدْ أَرْنُوبُ خَائِفاً مِنْ ظِلِّ الدُّبِّ، خَاصَّةً وَقَدْ لَمَحَ نَفْسَهُ سَمِيناً ضَخْماً، كَظِلٍّ عَلَى الْأَرْضِ، فِي حَجْمِ فِيلٍ.. وَتَشَابَكَ ظِلُّهُ مَعَ ظِلِّ الدُّبِّ، وَتَهَامَسَا. اسْتَحَمَّ الْهَوَاءُ، وَصَاحِبَانَا، وَصَدَفَةُ سُلْحُوفَةَ.. كُلُّ الْأَحْيَاءِ - بَعْدَ الْحَمَامِ - نَظِيفَةٌ لَطِيفَةٌ، رَقِيقَةٌ رَشِيقَةٌ.

إرسال تعليق

أحدث أقدم