جحا من أجل خمسة قروش
في قديم الزمان، وفي إحدى القرى الجميلة، ذهب جحا كعادته إلى دكان البقال ليشتري بعض الطلبات والاحتياجات الضرورية لبيته. وعندما انتهى البقال من تجهيز كل شيء، طلب من جحا مبلغًا كبيرًا من المال ثمنًا لتلك البضائع. نظر جحا إلى ما يملكه من نقود وجدها لا تكفي، فقال للبقال بكل هدوء: "إذًا أعطني من الطلبات على قدر ما معي من نقود". لكن البقال، الذي كان يريد إظهار الكرم، رد عليه قائلًا: "خُذ كل ما تحتاجه يا جحا، فنحن أصدقاء، وما يتبقى من حساب يمكنك دفعه لي في أي وقت تشاء".
شكر جحا صديقه البقال على حسن معاملته وأخذ أغراضه وعاد إلى بيته، وكان قد تبقى في ذمته للبقال مبلغ ثلاثة وخمسين قرشًا، فوعده جحا بأن يسددها له بمجرد أن يتيسر حاله ويحصل على المال. وفي اليوم التالي مباشرة، بينما كان جحا يمر من أمام الدكان، نسي البقال وعوده السابقة وصاح بصوت عالٍ: "يا جحا.. يا جحا.. ألا تعطيني حقي؟!". تعجب جحا من استعجال الرجل وقال له: "يا صديقي، اصبر عليّ أيامًا قليلة حتى يرزقني الله بالمال وأسدد لك ما عليّ".
مر اليوم الثالث، وخرج جحا من منزله قاصدًا السوق للقاء أصدقائه، ولكي يتجنب إحراج البقال، قرر أن يسلك طريقًا بعيدًا عن الدكان حتى لا يراه الرجل ويطالبه بالمال مرة أخرى. وبمجرد وصوله إلى السوق، استقبله أصدقاؤه بفرح شديد ودعوه للجلوس معهم، فقد كانت جلساتهم لا تحلو إلا بوجود جحا ونوادره المضحكة. وبالفعل، بدأ جحا يقص عليهم مغامراته وتجاربه، والبهجة تملأ المكان.
وفجأة، وبينما جحا في قمة استمتاعه بالحديث، ظهر البقال في السوق ومر من أمامه. وبمجرد أن وقعت عيناه على جحا، بدأ يشير إليه بحركات من يده تعني: "أين حقي؟ أريد نقودي الآن". حاول جحا تجاهله وقام من مكانه ليجلس في الجانب الآخر من المجلس بعيدًا عنه، لكن البقال العنيد انتقل هو الآخر ووقف أمامه. لم يكتفِ البقال بذلك، بل بدأ يشير إلى جحا بحركات تهديد، وكأنه يقول له سأفضح أمرك أمام أصدقائك وأخبرهم أنك مدين لي.
شعر جحا بضيق شديد وفكر في حيلة ذكية تنهي هذا الموقف المحرج، فاستأذن من أصدقائه للذهاب، لكنهم تمسكوا به ورفضوا رحيله. حينها بدأ جحا يتمتم بضيق: "لا حول ولا قوة إلا بالله"، فلاحظ الأصدقاء توتره وسألوه باهتمام: "ما بك يا جحا؟ وماذا يريد منك هذا الرجل؟".
هنا قرر جحا أن يقلب الطاولة على البقال بذكائه، فنظر إلى أصدقائه وقال: "ستعرفون الآن"، ثم نادى البقال بصوت مسموع: "تعال يا صديقي". وعندما اقترب البقال، سأله جحا أمام الجميع: "أنا مدين لك بثلاثة وخمسين قرشًا، أليس كذلك؟" فأجاب البقال بلهفة: "بلى يا جحا". فقال جحا بجدية مصطنعة: "إسمع إذًا، أحضر غدًا لكي أعطيك ثمانية وعشرين قرشًا، ثم تعال في اليوم الذي يليه لتأخذ عشرين قرشًا أخرى.. فكم يتبقى لك عندي حينها؟".
حسب البقال الحسبة سريعًا في رأسه وأجاب: "يتبقى خمسة قروش". عندها انفجر جحا ضاحكًا وقال له بصوت عالٍ ليسمعه كل من في السوق: "أفلا تخجل من نفسك؟ أتعاملني بهذه المعاملة السيئة وتطاردني في السوق أمام أصدقائي من أجل خمسة قروش فقط؟!". وسط ضحكات الأصدقاء، وقف البقال محرجًا لا يعرف ماذا يقول، بعد أن جعل جحا الدين الكبير يبدو وكأنه مجرد خمسة قروش تافهة لا تستحق كل هذا الضجيج.