جحا بائع لفت
في يوم من الأيام، عاد جحا إلى بيته وملامح الحزن تملأ وجهه، فاستقبلته زوجته وسألته بقلق: "لماذا أنت حزين يا جحا؟". تنهد جحا وقال: "لقد مات صديقي بائع اللفت، وترك وراءه أدواته وحماره". فكرت الزوجة قليلاً ثم سألته: "وماذا ستفعل الآن؟". أجابها جحا بأنه قرر شراء الحمار والأدوات من زوجة صديقه الراحل، ليعمل بائعاً للفت بدلاً منه، لأنه كان يعلم أن صديقه كان يكسب مالاً كثيراً من هذه المهنة.
وبالفعل، اشترى جحا الحمار وما تبقى من كميات اللفت، وخرج من بيته والسعادة تغمره ببدء عمله الجديد. وفي طريقه، قابله أحد أصدقائه وسأله: "إلى أين أنت ذاهب يا جحا؟". رد جحا بثقة: "سأذهب إلى البلدة المجاورة لأبيع اللفت كما كان يفعل صديقي تماماً". فطلب منه الصديق طلباً بسيطاً: "أرجو منك أن تكتب لي رسالة إلى أحد أصدقائي في مدينة بغداد".
لكن جحا اعتذر بسرعة قائلاً: "بالله عليك اتركني، فليس لدي وقت للذهاب إلى بغداد!". تعجب الصديق من رده وقال: "أنا أطلب منك كتابة رسالة فقط، ولم أطلب منك السفر إليها بنفسك!". وهنا كشف جحا عن سره المضحك وقال: "يا صديقي، إن خطي سيء جداً ولا يستطيع أحد في العالم قراءته غيري، فإذا كتبتُ رسالة لأحد، وجب عليَّ أن أسافر إليه بنفسي لأقرأها له حتى يفهم ما فيها!".
ودع جحا صديقه وانطلق إلى البلدة المجاورة، وعندما وصل بدأ يطوف في الشوارع وينادي بأعلى صوته: "لفت.. لفت طازج!". وكان الحمار ذكياً يعرف البيوت التي اعتادت شراء اللفت، فكلما حاول جحا أن ينادي ليعرض بضاعته، كان الحمار ينهق بصوت عالٍ جداً يغطي على صوت جحا تماماً. تكرر هذا الأمر كثيراً، فكلما فتح جحا فمه ليتكلم، سبقه الحمار بالنهيق، حتى نفد صبر جحا وشعر بالضيق الشديد.
نظر جحا إلى الحمار بغيظ شديد، ثم أخذ حزم اللفت وألقاها فوق رأس الحمار وهو يصيح بغضب: "اسمع يا هذا! أأنت الذي تبيع اللفت أم أنا؟ والله لأذهبن بك إلى السوق وأبيعك!". وبالفعل، توجه جحا إلى سوق الحيوانات ليتخلص من الحمار، وفي الطريق مرّ الحمار بمكان مليء بالوحل، فتلطخ ذيله بالطين وأصبح منظره سيئاً.
خاف جحا ألا يقبل أحد على شراء الحمار وذيله متسخ، فقام بفعل غريب؛ حيث قطع ذيل الحمار ووضعه داخل "الخرج" (الحقيبة التي توضع على ظهر الحمار). وعندما وصل إلى السوق، تجمع الناس حول الحمار لأنه بدا قوياً ونشيطاً، لكنهم صاحوا بخيبة أمل: "يا خسارة! إنه حمار ممتاز، ولكن ليس له ذيل!". فابتسم جحا بكل برود وقال لهم: "لا تقلقوا، الذيل ليس بعيداً، فمن يشتري الحمار سأعطيه ذيله الموجود هنا في الحقيبة!".