جحا وتعليم الحمار

 جحا وتعليم الحمار


في قديم الزمان، قرر جحا أن يقوم برحلة طويلة لزيارة صديق قديم له كان يعمل وزيراً عند والي إحدى البلدان البعيدة. وعندما وصل جحا، اكتشف أن هذه البلدة يحكمها والٍ غريب الأطوار، لا يستطيع التمييز بين الحق والباطل، وكثيراً ما كانت تخطر بباله أفكار عجيبة.

وفي أحد الأيام، لمعت في رأس الوالي فكرة غريبة جداً، وهي أن يُعلم حماره الخاص حروف الهجاء والقراءة! فاستدعى على الفور كبير الحكماء في المدينة وأمره بتعليم الحمار. صُدم الحكيم من هذا الطلب وقال باستنكار: "يا مولاي، حمار ويتعلم؟! لم نسمع أبداً في حياتنا ولا في حياة آبائنا عن حمار يقرأ أو يكتب!". غضب الوالي بشدة من هذا الرد، واعتبره إهانة له، فأمر فوراً بحبس العالم المسكين خلف القضبان. ثم أمر المنادي أن يعلن في كل مكان عن مكافأة مالية ضخمة لمن يستطيع تعليم حماره حروف الهجاء التي كان الوالي نفسه يجهلها.

سمع جحا بالإعلان، وبذكائه المعهود قرر أن يذهب إلى الوالي، وادعى أمام الجميع أنه معلم خبير وماهر جداً في تعليم الحمير والبهائم. وقف جحا أمام الوالي وقال له بثقة: "يا مولاي، أنا مغرم بتعليم الحمير، ولدي مدرسة كبيرة في بلاد بعيدة مخصصة لتعليمهم القراءة والكتابة، بل إن بعض حميري تتحدث لغات أجنبية أيضاً!". فرح الوالي كثيراً ووافق فوراً على العرض، لكن جحا وضع شروطاً محددة لإتمام المهمة.

اشترط جحا أن يتم التعليم داخل غرفة خاصة في القصر، وأن يعطيه الوالي مهلة زمنية مدتها ثلاث سنوات كاملة. كما طل شرطاً طريفاً، وهو أن يحضر الوالي بنفسه ساعة يومياً للمشاركة في الدروس وحل الواجبات مع الحمار. وافق الوالي بسعادة، وقرر صرف راتب شهري كبير لجحا، ووعده بجائزة تضمن له العيش في ثراء فاحش إذا نجح. ولكنه حذره بصرامة قائلاً: "إذا انتهت المدة وفشلت يا جحا، فسوف أسجنك وأضربك بالسياط طوال حياتك".

قبل جحا التحدي وسط دهشة الوزراء والحاشية الذين اعتقدوا أن جحا قد فقد عقله. وعندما خرج جحا، لحق به صديقه الوزير وقال له بخوف: "أيها الأحمق! كيف تطلب هذه المهمة المستحيلة؟ وكيف وافقت على شرط الوالي المرعب؟ هل جننت؟". ضحك جحا طويلاً وطمأنه قائلاً: "يا صديقي، في هذه السنوات الثلاث سأبذل قصارى جهدي. فإذا لم يتعلم الحمار —وهذا مؤكد— فربما يتعلم الوالي نفسه خلال حضور الدروس، وعندها سيعرف الخطأ من الصواب ويدرك حماقة طلبه".

وتابع جحا وهو يبتسم: "أما إذا لم يتعلم أي منهما، فسوف أطلب تمديد المهلة بحجة أن ذهن الحمار غليظ ويحتاج وقتاً أطول. وخلال هذه السنوات الطويلة، إما أن يدركني الموت، أو يموت الوالي، أو يرحل الحمار، أو تقوم الساعة فنرتاح جميعاً!". ضحك الوزير من أعماق قلبه وأدرك مدى ذكاء وحكمة صديقه، بينما غمز جحا بعينه وقال له: "قل لي الآن يا صديقي، من منا هو الأحمق الحقيقي؟".

إرسال تعليق

أحدث أقدم