جحا والتاجر والصفعة الذكية
كان جحا كعادته يحب الذهاب إلى السوق ليقضي وقته في التجول بين الحوانيت.
ولم تكن غايته الشراء، بل كانت هوايته المحببة هي تأمل السلع الجديدة وكثرة السؤال عنها، مما كان يسبب الضيق لبعض التجار الذين يضيع وقتهم في الإجابة على أسئلته دون أن يبيعوا له شيئاً.
وفي أحد الأيام، قرر رجل من الموجودين في السوق أن يلقن جحا درساً يجعله أضحوكة بين الناس، فاتفق مع مجموعة من التجار على رهان عجيب، وهو أن يضرب جحا كفاً على وجهه أمام الجميع دون أن يستطيع جحا مقاضاته أو أخذ حقه منه، فأعجب التجار بهذه الفكرة الخبيثة وانتظروا تنفيذها.
وقف الرجل يترقب جحا، وحين اقترب جحا من أحد المحلات وانحنى قليلاً ليعاين بضاعة موضوعة على الأرض، أدار ظهره للطريق، فانتهز الرجل الفرصة وجاءه من الخلف وبكل قوته ضربه كفاً قوياً على خده.
ترنح جحا من شدة الضربة وكاد يسقط على الأرض من المفاجأة والألم.
لكنه تمالك نفسه والتف غاضباً ليتعارك مع الرجل، فبادر الرجل بالاعتذار متظاهراً بالخطأ وقال: "آسف يا جحا، فقد ظننتك رجلاً آخر سرق مني بضاعة منذ مدة".
لم يقبل جحا هذا العذر الواهي وهجم عليه لينتقم منه، إلا أن التجار المحتالين تدخلوا فوراً وشهدوا زوراً بأن الرجل محق في خطئه.
شعر جحا أن هناك مؤامرة تدبر ضده. فطلب أن يتحاكموا عند شخص عدل، فاقترح عليه التجار أن يختار واحداً من كبارهم ليحكم بينهما.
فاختار جحا تاجراً، ولم يكن يعلم أن هذا التاجر هو أكثرهم غيظاً منه.
تظاهر التاجر بالنزاهة واستمع للشكوى، ثم سأل الرجل عن سبب ضربه لجحا فأعاد نفس العذر، فسأل التاجر جحا إن كان يقبل الاعتذار، لكن جحا رفض بشدة وأصر على رد اعتباره.
حينها سألهم التاجر إن كانوا يقبلون حكمه، فوافق الجميع بشهادة تجار السوق.
أصدر التاجر حكماً يقضي بأن يدفع الرجل لجحا عشرين ديناراً عقوبة له.
فادعى الرجل أنه لا يملك المال الآن، فغمز التاجر للرجل بعينه دون أن يلحظ جحا وقال له: "اذهب وأحضرها حالاً وسينتظرك جحا عندي حتى تعود".
جلس جحا ينتظر بصبر، لكن الوقت طال ومرت ساعات طويلة دون أن يعود الرجل.
هنا أدرك جحا الخديعة، وتذكر تلك الغمزة التي وجهها التاجر لغريمه.
فجأة، نهض جحا بكل ثقة وصفع التاجر الذي كان يحكم بينهما كفاً قوياً طارت منه عمامته عن رأسه.
ونظر إليه قائلاً بكل هدوء: "إذا أحضر غريمي العشرين ديناراً، فخذها لنفسك حلالاً طيباً بدلاً من الصفعة التي أخذتها مني الآن".
ثم انصرف جحا وقد ترك التجار في حالة من الذهول والدهشة من ذكائه وسرعة بديهته.