رُوكِي وَجَمِيلَة
كَانَتِ الْكَلْبَةُ الرَّقِيقَةُ «جَمِيلَة» تَعِيشُ فِي مَنْزِلٍ جَمِيلٍ وَسَطَ أُسْرَةٍ تَمْلَؤُهَا الْمَحَبَّةُ، وَكَانَتْ هَذِهِ الْأُسْرَةُ مُكَوَّنَةً مِنَ السَّيِّدِ «جَمَال» وَزَوْجَتِهِ الطَّيِّبَةِ السَّيِّدَةِ «مَرْيَم»، وَمَعَهُمَا ابْنَتُهُمَا الْمَرِحَةُ «جَنَّات» الَّتِي تَبْلُغُ مِنَ الْعُمْرِ خَمْسَ سَنَوَاتٍ. كَانَتْ «جَنَّاتُ» تُحِبُّ «جَمِيلَةَ» كَثِيرًا، وَتَقْضِي مَعَهَا أَوْقَاتًا طَوِيلَةً فِي اللَّعِبِ. وَفِي أَغْلَبِ الْأَمْسِيَاتِ الْبَارِدَةِ، كَانَتْ «جَمِيلَةُ» تُفَضِّلُ الْبَقَاءَ دَاخِلَ الْمَنْزِلِ، حَيْثُ تَسْتَلْقِي بِهُدُوءٍ بِجَانِبِ الْمِدْفَئَةِ الدَّافِئَةِ، تُرَاقِبُ «جَنَّات» وَهِيَ تَرْسُمُ وَتَلْعَبُ.
لَمْ تَكُنْ «جَمِيلَةُ» وَحِيدَةً، فَقَدْ كَانَ لَهَا صَدِيقَانِ مُقَرَّبَانِ هُمَا «كُوكِي» وَ«لَاكِي»، وَكَانُوا يَقْضُونَ أَوْقَاتًا سَعِيدَةً فِي الرَّكْضِ وَالْمَرَحِ خَارِجَ الْبَيْتِ، خَاصَّةً فِي الْأَيَّامِ الَّتِي كَانَ السَّيِّدُ «جَمَال» يَبْقَى فِيهَا فِي الْمَنْزِلِ لِيَعْتَنِيَ بِالْحَدِيقَةِ.
وَفِي أَحَدِ الْأَيَّامِ، ظَهَرَ فِي الْبَلْدَةِ كَلْبٌ جَدِيدٌ قَوِيٌّ وَشُجَاعٌ اسْمُهُ «رُوكِي». كَانَ «رُوكِي» مَعْرُوفًا بِأَنَّهُ مُشَاكِسٌ جِدًّا، وَكَانَتْ شَقَاوَتُهُ تُوقِعُهُ دَائِمًا فِي الْمَتَاعِبِ، لَكِنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ كَانَ صَدِيقًا وَفِيًّا لَا يَتَرَدَّدُ فِي حِمَايَةِ أَصْدِقَائِهِ. وَسُرْعَانَ مَا انْضَمَّ «رُوكِي» إِلَى مَجْمُوعَةِ الْأَصْدِقَاءِ، فَأَصْبَحُوا أَرْبَعَةً يَتَنَاقَلُونَ الْأَخْبَارَ وَالْمُغَامَرَاتِ.
ذَاتَ صَبَاحٍ، زَفَّتْ «جَمِيلَةُ» خَبَرًا لِأَصْدِقَائِهَا، قَالَتْ: «إِنَّ السَّيِّدَةَ مَرْيَم سَوْفَ تُرْزَقُ بِمَوْلُودَةٍ جَدِيدَةٍ، وَسَتُصْبِحُ لِـ جَنَّات أُخْتٌ صَغِيرَةٌ!». هُنَا صَاحَ «رُوكِي» بِقَلَقٍ: «انْتَبِهِي يَا جَمِيلَةُ، هَذَا سَيُسَبِّبُ لَكِ الْمَتَاعِبَ! الْأَطْفَالُ الصِّغَارُ قَدْ يَشُدُّونَ أُذُنَيْكِ، وَالْأَهْلُ سَيَنْشَغِلُونَ بِالْمَوْلُودَةِ الْجَدِيدَةِ وَيَنْسَوْنَكِ». لَكِنَّ «جَمِيلَةَ» الطَّيِّبَةَ لَمْ تُصَدِّقْ كَلَامَهُ، وَظَلَّتْ تَنْتَظِرُ الضَّيْفَةَ الْجَدِيدَةَ بِشَوْقٍ.
وَصَلَتِ الصَّغِيرَةُ «جُمَانَة» إِلَى الدُّنْيَا، وَعَمَّتِ الْأَفْرَاحُ الْمَنْزِلَ. وَلِأَنَّ السَّيِّدَ «جَمَال» كَانَ مَشْغُولًا بِسَفَرٍ ضَرُورِيٍّ، حَضَرَتِ الْعَمَّةُ «عَتِيقَةُ» لِتُسَاعِدَ السَّيِّدَةَ «مَرْيَم» فِي شُؤُونِ الْمَنْزِلِ وَرِعَايَةِ «جَنَّات» وَ«جُمَانَة». أَحْضَرَتِ الْعَمَّةُ «عَتِيقَةُ» مَعَهَا قِطَّتَهَا «مِشْمِشَة»، وَكَانَتْ هَذِهِ الْقِطَّةُ مَكَّارَةً لِلْغَايَةِ، فَقَدْ كَانَتْ تُكَسِّرُ الْأَوَانِي وَتُبَعْثِرُ الْأَشْيَاءَ، ثُمَّ تَهْرُبُ لِيَقَعَ اللَّوْمُ عَلَى «جَمِيلَة».
بِسَبَبِ أَفْعَالِ الْقِطَّةِ «مِشْمِشَة»، غَضِبَتِ الْعَمَّةُ «عَتِيقَةُ» مِنْ «جَمِيلَة» وَقَرَّرَتْ وَضْعَ كِمَامَةٍ جِلْدِيَّةٍ عَلَى فَمِهَا. شَعَرَتْ «جَمِيلَةُ» بِحُزْنٍ شَدِيدٍ وَبِالْمَهَانَةِ، فَهَرَبَتْ مِنَ الْمَنْزِلِ وَهِيَ تَبْكِي، وَلَمْ تَعُدْ تَسْمَعُ نِدَاءَ الْعَمَّةِ وَلَا صِيَاحَ «جَنَّات» الَّتِي افْتَقَدَتْ كَلْبَتَهَا الْغَالِيَةَ. وَجَدَتْ «جَمِيلَةُ» نَفْسَهَا وَحِيدَةً فِي أَمَاكِنَ لَمْ تَزُرْهَا مِنْ قَبْلُ، وَبَيْنَمَا كَانَتْ جَالِسَةً بَاكِيَةً، ظَهَرَ «رُوكِي» فَجْأَةً! فَرِحَتْ «جَمِيلَةُ» بِرُؤْيَتِهِ، وَأَخَذَهَا إِلَى صَدِيقِهِ «الْقُنْدُسِ» الَّذِي اسْتَطَاعَ بَأَسْنَانِهِ الْقَوِيَّةِ تَمْزِيقَ الْكِمَامَةِ وَتَحْرِيرَهَا.
بَدَأَ «رُوكِي» وَ«جَمِيلَةُ» يَتَجَوَّلَانِ مَعًا، لَكِنَّ «جَمِيلَةَ» قُبِضَ عَلَيْهَا بِسَبَبِ شَقَاوَتِهَا فِي بَعْضِ الْمَزَارِعِ، وَأُعِيدَتْ إِلَى مَنْزِلِ السَّيِّدِ «جَمَال». هُنَاكَ، قَامَتِ الْعَمَّةُ «عَتِيقَةُ» بِرَبْطِهَا بِسِلْسِلَةٍ فِي الْحَدِيقَةِ حَتَّى لَا تَهْرُبَ مَرَّةً أُخْرَى. فِي هَذِهِ الْأَثْنَاءِ، ظَهَرَ فَأْرٌ شِرِّيرٌ اسْمُهُ «فَرْفَر»، وَجَدَ «فَرْفَر» أَنَّ «جَمِيلَةَ» مُقَيَّدَةٌ، فَتَسَلَّلَ جَرِيئًا إِلَى دَاخِلِ الْمَنْزِلِ لَيْلًا، مُتَّجِهًا نَحْوَ غُرْفَةِ الصَّغِيرَةِ «جُمَانَة».
رَأَتْ «جَمِيلَةُ» الْفَأْرَ وَهُوَ يَدْخُلُ، فَجُنَّ جُنُونُهَا خَوْفًا عَلَى الطِّفْلَةِ، وَأَخَذَتْ تَنْبَحُ بِأَعْلَى صَوْتِهَا. وَبِقُوَّةِ الْحُبِّ، اسْتَطَاعَتْ فَكَّ قَيْدِهَا، وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ وَصَلَ «رُوكِي» مُسْرِعًا، وَانْطَلَقَا مَعًا إِلَى غُرْفَةِ «جُمَانَة». هُنَاكَ، وَجَدَ «رُوكِي» الْفَأْرَ «فَرْفَر» يَقْتَرِبُ مِنَ السَّرِيرِ، فَقَفَزَ عَلَيْهِ وَقَضَى عَلَيْهِ فِي الْحَالِ.
سَمِعَتِ الْعَمَّةُ «عَتِيقَةُ» الضَّجِيجَ، فَأَقْبَلَتْ مُسْرِعَةً مَعَ «جَنَّات» الَّتِي اسْتَيْقَظَتْ مَذْعُورَةً. عِنْدَمَا رَأَتِ الْعَمَّةُ «رُوكِي» وَ«جَمِيلَة» بِجَانِبِ السَّرِيرِ، صَرَخَتْ ظَنًّا مِنْهَا أَنَّهُمَا كَانَا يُهَاجِمَانِ الطِّفْلَةَ، وَبِالرَّغْمِ مِنْ مُحَاوَلَةِ «جَنَّات» إِقْنَاعَهَا بِأَنَّهُمَا كَانَا يَحْمِيَانِ أُخْتَهَا، إِلَّا أَنَّ الْعَمَّةَ أَرْسَلَتْ «رُوكِي» لِلْمَزْرَعَةِ وَقَيَّدَتْ «جَمِيلَةَ» مَرَّةً أُخْرَى.
فِي الْيَوْمِ التَّالِي، عَادَ السَّيِّدُ «جَمَال» مِنْ سَفَرِهِ، وَأَخْبَرَتْهُ الْعَمَّةُ «عَتِيقَةُ» بِمَا حَدَثَ. لَمْ يُصَدِّقْ «جَمَال» هَذِهِ الْقِصَّةَ، فَهوَ يَعْرِفُ وَفَاءَ كِلَابِهِ. مَسَحَ عَلَى رَأْسِ «جَمِيلَة» وَسَأَلَهَا: «مَاذَا حَدَثَ يَا صَدِيقَتِي؟». قَادَتْهُ «جَمِيلَةُ» إِلَى غُرْفَةِ الْأَطْفَالِ، وَأَزَاحَتْ بِقَدَمِهَا طَرَفَ السَّجَّادِ لِيَرَى السَّيِّدُ «جَمَال» الْفَأْرَ الْمَيِّتَ، كَمَا رَوَتْ لَهُ «جَنَّاتُ» الشُّجَاعَةُ كَيْفَ كَانَتِ الْكِلَابُ تُدَافِعُ عَنِ الْغُرْفَةِ.
حِينَهَا فَهِمَ الْجَمِيعُ الْحَقِيقَةَ، وَأَمَرَ السَّيِّدُ «جَمَال» بِإِحْضَارِ «رُوكِي» فَوْرًا وَأَعَادَهُ بَطَلًا إِلَى الْمَنْزِلِ. أَمَّا الْعَمَّةُ «عَتِيقَةُ»، فَقَدْ شَعَرَتْ بِالْأَسَفِ لِأَنَّهَا لَمْ تَثِقْ بِهِمَا، وَقَرَّرَتِ الرَّحِيلَ مَعَ قِطَّتِهَا «مِشْمِشَة».
مَرَّتِ الْأَيَّامُ، وَتَزَوَّجَ «رُوكِي» مِنْ «جَمِيلَة»، وَأَنْجَبَا جِرَاءً صَغِيرَةً كَثِيرَةً. وَهَكَذَا كَبِرَتِ الطِّفْلَتَانِ «جَنَّاتُ» وَ«جُمَانَةُ» وَهُمَا تَلْعَبَانِ مَعَ مَجْمُوعَةٍ مِنَ الْكِلَابِ الْوَفِيَّةِ فِي حَدِيقَةِ الْمَنْزِلِ، وَعَاشَ الْجَمِيعُ فِي سَعَادَةٍ وَأَمَانٍ تَحْتَ رِعَايَةِ السَّيِّدِ «جَمَال» وَالسَّيِّدَةِ «مَرْيَم».
