مَنْ يَخَافُ سَمِيرًا؟
كَانَ سَمِيرٌ فَتًى ضَخْمَ الْجُثَّةِ، غَلِيظَ الطِّبَاعِ، مُزْعِجًا إِلَى أَبْعَدِ الْحُدُودِ، وَكَانَ الْجَمِيعُ بِلَا اسْتِثْنَاءٍ يَهَابُونَ جَانِبَهُ وَيَتَّقُونَ شَرَّهُ. أَجَلْ، فَقَدْ كَانَ جَمِيعُ الصِّبْيَةِ الصِّغَارِ يَرْتَعِدُونَ خَوْفًا مِمَّا قَدْ يَفْعَلُهُ سَمِيرٌ، وَكَذَلِكَ الْبَنَاتُ الصَّغِيرَاتُ كُنَّ يَتَوَارَيْنَ عَنْ أَنْظَارِهِ، بَلْ حَتَّى بَعْضُ الْفِتْيَةِ الْكِبَارِ كَانُوا يَخْشَوْنَهُ؛ لِأَنَّ بِنْيَتَهُ كَانَتْ أَشَدَّ ضَخَامَةً وَأَكْثَرَ قُوَّةً مِنْ أَيِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ. إِذَا صَاحَ سَمِيرٌ بِصَوْتِهِ الْجَهْوَرِيِّ «قِفُوا!»، تَجَمَّدَ الْأَوْلَادُ جَمِيعُهُمْ فِي مَكَانِهِمْ بَيْنَ عَشِيَّةٍ وَضُحَاهَا، وَإِذَا أَمَرَهُمْ قَائِلًا: «هَاتُوا مَا مَعَكُمْ مِنَ الْحَلْوَى!»، سَارَعَ الْجَمِيعُ مَذْعُورِينَ لِتَسْلِيمِهِ كُلَّ مَا يَمْلِكُونَ دُونَ تَرَدُّدٍ. لَقَدْ كَانَ الْكُلُّ يَخَافُ سَمِيرًا الضَّخْمَ، ذَلِكَ الْمُؤْذِيَ الشِّرِّيرَ الَّذِي لَا يَرْقُبُ فِي صَغِيرٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً.
وَمِنْ بَيْنِ كُلِّ هَؤُلَاءِ، كَانَ جَمَالٌ هُوَ أَكْثَرَهُمْ فَزَعًا وَتَحَاشِيًا لَهُ؛ فَقَدْ قَضَى جَمَالٌ شَطْرًا كَبِيرًا مِنْ وَقْتِهِ وَهُوَ يُحَاوِلُ جَاهِدًا أَلَّا يَلْتَقِيَ بِسَمِيرٍ أَبَدًا. كَانَ يَسْلُكُ طُرُقًا مُلْتَوِيَةً وَطَوِيلَةً لِلْوُصُولِ إِلَى مَدْرَسَتِهِ، وَيَعُودُ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ أَكْثَرَ طُولًا لِلرُّجُوعِ إِلَى مَنْزِلِهِ، مُتَجَنِّبًا دَوْمًا الْمُرُورَ فِي «شَارِعِ بَيْرُوتَ» حَيْثُ يَقْطُنُ سَمِيرٌ. وَلَكِنْ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ كُلِّ هَذِهِ الِاحْتِيَاطَاتِ، كَانَ سَمِيرٌ يَنْبَعِثُ أَمَامَهُ فَجْأَةً كَالْقَدَرِ الْمَحْتُومِ أَيْنَمَا ذَهَبَ؛ فَمَرَّةً كَمَنَ لَهُ خَلْفَ شَجَرَةٍ فِي حَدِيقَةِ مَنْزِلِهِ وَتَوَعَّدَهُ صَارِخًا: «سَوْفَ أَنَالُ مِنْكَ!»، وَمَرَّةً أُخْرَى بَرَزَ لَهُ مِنْ خَلْفِ سَيَّارَةِ وَالِدِهِ وَهُوَ يَهْتِفُ بِتَهْدِيدٍ: «لَقَدِ اقْتَرَبَتْ نِهَايَتُكَ!».
أَمَامَ هَذَا الْوَضْعِ، حَاوَلَ وَالِدُ جَمَالٍ أَنْ يَبُثَّ فِيهِ الشَّجَاعَةَ فَقَالَ لَهُ: «يَا بُنَيَّ، لَا بُدَّ لَكَ أَنْ تَتَعَلَّمَ كَيْفَ تَدْفَعُ عَنْ نَفْسِكَ الْأَذَى وَتَرْعَى شُؤُونَكَ بِنَفْسِكَ»، ثُمَّ شَجَّعَهُ عَلَى الِانْتِسَابِ إِلَى نَادِي «الْكَرَاتِيهِ». اسْتَمْتَعَ جَمَالٌ كَثِيرًا بِالتَّدَرُّبِ، وَتَعَلَّمَ فُنُونَ الرَّكَلَاتِ وَاللَّكَمَاتِ الْهُجُومِيَّةِ، وَبَرَعَ فِي الْحَرَكَاتِ الدِّفَاعِيَّةِ حَتَّى ظَنَّ أَنَّهُ أَصْبَحَ جَاهِزًا. وَلَكِنْ، مَعَ أَوَّلِ لِقَاءٍ جَمَعَهُ بِسَمِيرٍ الضَّخْمِ، نَسِيَ كُلَّ مَا تَعَلَّمَهُ وَفَعَلَ مَا اعْتَادَ فِعْلَهُ دَوْمًا؛ لَقَدْ وَلَّى الْأَدْبَارَ وَهَرَبَ بَعِيدًا!
حِينَئِذٍ، قَالَ لَهُ شَقِيقُهُ سَمِيرٌ (وَيُصَادِفُ أَنَّ لَهُ أَخًا بِالنَّفْسِ الِاسْمِ): «أَمَا مَلَلْتَ هَذَا الْفِرَارَ يَا جَمَالُ؟ عَلَيْكَ أَنْ تَكُونَ جَسُورًا وَتُجَابِهَهُ، قُلْ لَهُ بِكُلِّ ثِقَةٍ أَنْ يَتْرُكَكَ بِمَعْزِلٍ عَنْ أذاه». لَمْ يَقْتَنِعْ جَمَالٌ بِقَوْلِ أَخِيهِ، بَلْ ذَهَبَ إِلَى وَالِدَتِهِ قَائِلًا: «أَنَا مُوقِنٌ يَا أُمِّي أَنَّ سَمِيرًا لَنْ يَقْرَبَنِي بَعْدَ الْيَوْمِ لَوْ كَانَ لَدَيَّ كَلْبٌ ضَخْمٌ يَحْمِينِي!». وَلَمَّا كَانَتْ أُخْتُهُ تَخَافُ الْكِلَابَ الضَّخْمَةَ، اضْطُرَّ جَمَالٌ لِلرِّضَا بِكَلْبٍ صَغِيرٍ لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ.
أَطْلَقَ جَمَالٌ اسْمَ «عِمْلَاقٍ» عَلَى كَلْبِهِ الصَّغِيرِ، رَغْمَ عِلْمِهِ الْيَقِينِ أَنَّ الِاسْمَ يُنَاقِضُ الْحَقِيقَةَ تَمَامًا. كَانَ يَصْطَحِبُهُ يَوْمِيًّا فِي نُزْهَةٍ، مُخْتَارًا الطُّرُقَ الْمُحِيطَةَ بِالْمَنْزِلِ أَوْ حَدِيقَةَ الْحَيِّ، لَكِنَّهُ لَمْ يَجْرُؤْ قَطُّ عَلَى الِاقْتِرَابِ مِنْ «شَارِعِ بَيْرُوتَ». وَفِي ذَاتِ عَصْرٍ، بَيْنَمَا كَانَ جَمَالٌ مَعَ كَلْبِهِ فِي الْمَلْعَبِ حَيْثُ يَجْتَمِعُ الصِّبْيَةُ، اقْتَرَبَ مِنْهُ «زِيَادٌ» وَ«هِبَةُ» لِيُشَاهِدَا الْكَلْبَ، وَأَبْدَيَا إِعْجَابَهُمَا بِصِغَرِ حَجْمِهِ وَلَطَافَتِهِ. وَعِنْدَمَا سَأَلَهُ زِيَادٌ عَنِ اسْمِهِ، أَجَابَ جَمَالٌ بِتَرَدُّدٍ: «عِمْلَاقٌ.. إِنَّهُ..». وَقَبْلَ أَنْ يُكْمِلَ، ارْتَفَعَ صَوْتٌ هَادِرٌ وَسَاخِرٌ يَقُولُ: «إِنَّهُ يَبْدُو لِي قَزَمًا لَا عِمْلَاقًا!».
تَسَارَعَتْ دَقَّاتُ قَلْبِ جَمَالٍ حِينَ سَمِعَ ذَلِكَ الصَّوْتَ الْمُزْعِجَ، وَالْتَفَتَ بِبُطْءٍ لِيَجِدَ سَمِيرًا الشِّرِّيرَ وَاقِفًا خَلْفَهُ تَمَامًا. قَالَ جَمَالٌ فِي نَفْسِهِ: «يَا إِلَهِي، لَقَدْ وَقَعْتُ فِي وَرْطَةٍ حَقِيقِيَّةٍ!». لَمْ يَلْتَفِتْ سَمِيرٌ إِلَيْهِ بَدَاءَةً، بَلْ أَمَرَ زِيَادًا بِغِلْظَةٍ أَنْ يُعْطِيَهُ الْكُرَةَ، فَسَارَعَ زِيَادٌ لِتَلْبِيَةِ طَلَبِهِ. ثُمَّ انْتَحَى سَمِيرٌ نَحْوَ جَمَالٍ وَقَالَ بِتَهَكُّمٍ: «أَعْطِنِي هَذَا الْكَلْبَ الْقَزَمَ؛ لِأَرَى إِنْ كَانَ بِمَقْدُورِهِ الْإِمْسَاكُ بِالْكُرَةِ!».
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، رَاوَدَتْ جَمَالًا رَغْبَةٌ عِارِمَةٌ فِي أَنْ يُسَدِّدَ لِسَمِيرٍ رَكْلَةً أَوْ لَكْمَةً مِمَّا تَعَلَّمَهُ فِي النَّادِي، لَكِنَّ الرُّعْبَ كَانَ يُكَبِّلُهُ. تَقَدَّمَ سَمِيرٌ وَأَمْسَكَ بِرَسَنِ الْكَلْبِ عَنْوَةً، وَصَرَخَ: «أَلَمْ تَسْمَعْ؟ أَعْطِنِي الْكَلْبَ!». تَمَنَّى جَمَالٌ أَنْ تَنْشَقَّ الْأَرْضُ وَتَبْلَعَهُ، لَكِنَّ حُبَّهُ لِكَلْبِهِ «عِمْلَاقٍ» مَنَعَهُ مِنَ الْفِرَارِ وَتَرْكِهِ بَيْنَ يَدَيْ سَمِيرٍ. سَادَ صَمْتٌ رَهيبٌ، ثُمَّ اسْتَجْمَعَ جَمَالٌ كُلَّ قُوَاهُ، وَأَخَذَ نَفَسًا عَمِيقًا، وَجَذَبَ رَسَنَ كَلْبِهِ بِقُوَّةٍ مِنْ يَدِ سَمِيرٍ هَاتِفًا بِحَزْمٍ لَمْ يَعْهَدْهُ فِي نَفْسِهِ: «لَا!».
صُدِمَ سَمِيرٌ وَلَمْ يُصَدِّقْ أَنَّ هَذَا الْفَتَى الصَّغِيرَ يَتَجَرَّأُ عَلَى مُعَارَضَتِهِ، فَأَصَابَهُ الذُّهُولُ وَتَجَمَّدَ فِي مَكَانِهِ. حَاوَلَ سَمِيرٌ اسْتِعَادَةَ هَيْبَتِهِ بِتَحَدِّي «عَبِيرَ» لِتُعْطِيَهُ رِيشَتَهَا، لَكِنَّ عَبِيرَ حِينَ رَأَتْ ثَبَاتَ جَمَالٍ وَفَخْرَهُ، اسْتَمَدَّتْ مِنْهُ الشَّجَاعَةَ وَرَفَضَتْ هِيَ الْأُخْرَى. بَعْدَهَا، تَوَجَّهَ سَمِيرٌ إِلَى «هِبَةَ» طَالِبًا مِضْرَبَهَا، فَمَا كَانَ مِنْهَا إِلَّا أَنْ تَجَاهَلَتْهُ تَمَامًا.
نَظَرَ سَمِيرٌ حَوْلَهُ، فَوَجَدَ أَنَّ سِحْرَ خَوْفِهِمْ قَدْ بَطَلَ، وَأَنَّ أَحَدًا لَمْ يَعُدْ يَهَابُهُ. وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، انْبَرَى الْكَلْبُ «عِمْلَاقٌ» لِيُوَاجِهَهُ بِنَظْرَةٍ حَادَّةٍ وَنُبَاحٍ قَوِيٍّ، فَمَا كَانَ مِنْ سَمِيرٍ إِلَّا أَنْ هَمَسَ بِيَأْسٍ: «لَا أَكَادُ أُصَدِّقُ!»، ثُمَّ انْسَحَبَ مِنَ الْمَكَانِ مَكْسُورَ الْخَاطِرِ، خَائِبًا وَحَزِينًا. وَمُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ، لَمْ يَعُدْ جَمَالٌ وَرِفَاقُهُ يَخْشَوْنَ سَمِيرًا، بَلْ إِنَّ سَمِيرًا نَفْسَهُ لَمْ يَعُدْ يَبْدُو ضَخْمًا فِي أَعْيُنِهِمْ بَعْدَ أَنْ كَسَرُوا قَيْدَ الْخَوْفِ مِنْ قُلُوبِهِمْ.