مَنْ يَخَافُ سَمِيرًا؟
كَانَ سَمِيرٌ فَتًى ضَخْمَ الْجُثَّةِ، غَلِيظَ الطِّبَاعِ، مُزْعِجًا إِلَى أَبْعَدِ الْحُدُودِ، يَعِيشُ فِي مَدِينَةِ بَنْسْلِيمَانَ الْهَادِئَةِ بِالْمَغْرِبِ. وَكَانَ الْجَمِيعُ بِلَا اسْتِثْنَاءٍ يَهَابُونَ جَانِبَهُ وَيَتَّقُونَ شَرَّهُ. أَجَلْ، فَقَدْ كَانَ جَمِيعُ الصِّبْيَةِ الصِّغَارِ يَرْتَعِدُونَ خَوْفًا مِمَّا قَدْ يَفْعَلُهُ سَمِيرٌ، وَكَذَلِكَ الْبَنَاتُ الصَّغِيرَاتُ كُنَّ يَتَوَارَيْنَ عَنْ أَنْظَارِهِ، بَلْ حَتَّى بَعْضُ الْفِتْيَةِ الْكِبَارِ كَانُوا يَخْشَوْنَهُ؛ لِأَنَّ بِنْيَتَهُ كَانَتْ أَشَدَّ ضَخَامَةً وَأَكْثَرَ قُوَّةً مِنْ أَيِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ. إِذَا صَاحَ سَمِيرٌ بِصَوْتِهِ الْجَهْوَرِيِّ «قِفُوا!»، تَجَمَّدَ الْأَوْلَادُ جَمِيعُهُمْ فِي مَكَانِهِمْ فِي ثَوَانٍ مَعْدُودَةٍ، وَإِذا أَمَرَهُمْ قَائِلًا: «هَاتُوا مَا مَعَكُمْ مِنَ الْحَلْوَى!»، سَارَعَ الْجَمِيعُ مَذْعُورِينَ لِتَسْلِيمِهِ كُلَّ مَا يَمْلِكُونَ دُونَ تَرَدُّدٍ. لَقَدْ كَانَ الْكُلُّ يَخَافُ سَمِيرًا الضَّخْمَ، ذَلِكَ الْمُؤْذِيَ الشِّرِّيرَ.
وَمِنْ بَيْنِ كُلِّ هَؤُلَاءِ، كَانَ جَمَالٌ هُوَ أَكْثَرَهُمْ فَزَعًا وَتَحَاشِيًا لَهُ؛ فَقَدْ قَضَى جَمَالٌ شَطْرًا كَبِيرًا مِنْ وَقْتِهِ وَهُوَ يُحَاوِلُ جَاهِدًا أَلَّا يَلْتَقِيَ بِسَمِيرٍ أَبَدًا. كَانَ يَسْلُكُ طُرُقًا مُلْتَوِيَةً وَطَوِيلَةً لِلْوُصُولِ إِلَى مَدْرَسَتِهِ فِي مَدِينَةِ بَنْسْلِيمَانَ، وَيَعُودُ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ أَكْثَرَ طُولًا لِلرُّجُوعِ إِلَى مَنْزِلِهِ، مُتَجَنِّبًا دَوْمًا الْمُرُورَ فِي «شَارِعِ الْحَسَنِ الثَّانِي» حَيْثُ يَقْطُنُ سَمِيرٌ. وَلَكِنْ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ كُلِّ هَذِهِ الِاحْتِيَاطَاتِ، كَانَ سَمِيرٌ يَنْبَعِثُ أَمَامَهُ فَجْأَةً أَيْنَمَا ذَهَبَ؛ فَمَرَّةً كَمَنَ لَهُ خَلْفَ شَجَرَةٍ فِي حَدِيقَةِ مَنْزِلِهِ وَتَوَعَّدَهُ صَارِخًا: «سَوْفَ أَنَالُ مِنْكَ!»، وَمَرَّةً أُخْرَى بَرَزَ لَهُ مِنْ خَلْفِ سَيَّارَةِ وَالِدِهِ وَهُوَ يَهْتِفُ بِتَهْدِيدٍ: «لَقَدِ اقْتَرَبَتْ نِهَايَتُكَ!».
نَصَحَهُ وَالِدُهُ بِأَنْ يَتَعَلَّمَ كَيْفَ يَحْمِي نَفْسَهُ، فَانْتَسَبَ جَمَالٌ إِلَى نَادِي «الْكَرَاتِيهِ»، وَأَتْقَنَ فُنُونَ الدِّفَاعِ وَالْهُجُومِ. وَلَكِنْ، فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ صَادَفَ فِيهَا سَمِيرًا، هَرَبَ جَمَالٌ بَعِيدًا كَعَادَتِهِ! حِينَئِذٍ، قَالَ لَهُ شَقِيقُهُ جَوَادٌ: «أَمَا مَلَلْتَ الْهَرَبَ يَا جَمَالُ؟ عَلَيْكَ أَنْ تُجَابِهَهُ وَتَطْلُبَ مِنْهُ أَنْ يَتْرُكَكَ بِسَلَامٍ». لَمْ يَقْتَنِعْ جَمَالٌ، وَقَالَ لِوَالِدَتِهِ: «أَنَا مُوقِنٌ أَنَّ سَمِيرًا سَيَتْرُكُنِي وَشَأْنِي لَوْ كَانَ لَدَيَّ كَلْبٌ ضَخْمٌ». وَلَكِنَّ عَتِيقَةَ، أُخْتَ جَمَالٍ، كَانَتْ تَخْشَى الْكِلَابَ الضَّخْمَةَ، فَاضْطُرَّ جَمَالٌ لِلرِّضَا بِكَلْبٍ صَغِيرٍ جِدًّا.
أَطْلَقَ جَمَالٌ اسْمَ «عِمْلَاقٍ» عَلَى كَلْبِهِ الصَّغِيرِ، وَكَانَ يَصْطَحِبُهُ يَوْمِيًّا فِي نُزْهَةٍ حَوْلَ أَحْيَاءِ بَنْسْلِيمَانَ، لَكِنَّهُ لَمْ يَجْرُؤْ قَطُّ عَلَى دُخُولِ «شَارِعِ الْحَسَنِ الثَّانِي». وَفِي ذَاتِ عَصْرٍ، بَيْنَمَا كَانَ جَمَالٌ فِي الْمَلْعَبِ مَعَ كَلْبِهِ، اقْتَرَبَ مِنْهُ يُوسُفُ وَحَنَانُ لِيُشَاهِدَا الْكَلْبَ، وَأَبْدَيَا إِعْجَابَهُمَا بِلَطَافَتِهِ. وَعِنْدَمَا سَأَلَهُ يُوسُفُ عَنِ اسْمِهِ، أَجَابَ جَمَالٌ بِتَرَدُّدٍ: «عِمْلَاقٌ». وَفَجْأَةً، ارْتَفَعَ صَوْتٌ سَاخِرٌ يَقُولُ: «إِنَّهُ يَبْدُو لِي قَزَمًا!».
تَسَارَعَتْ دَقَّاتُ قَلْبِ جَمَالٍ؛ فَقَدْ كَانَ سَمِيرٌ الشِّرِّيرُ وَاقِفًا خَلْفَهُ تَمَامًا. أَمَرَ سَمِيرٌ يُوسُفَ بِإِعْطَائِهِ الْكُرَةَ، فَفَعَلَ يُوسُفُ ذَلِكَ مَذْعُورًا. ثُمَّ الْتَفَتَ سَمِيرٌ نَحْوَ جَمَالٍ وَصَرَخَ: «أَعْطِنِي هَذَا الْكَلْبَ الْقَزَمَ!». تَقَدَّمَ سَمِيرٌ وَأَمْسَكَ بِرَسَنِ الْكَلْبِ عَنْوَةً. سَادَ صَمْتٌ طَوِيلٌ، ثُمَّ اسْتَجْمَعَ جَمَالٌ شَجَاعَتَهُ، وَجَذَبَ الرَّسَنَ بِقُوَّةٍ مِنْ يَدِ سَمِيرٍ قَائِلًا بِحَزْمٍ: «لَا!».
انْدَهَشَ سَمِيرٌ مِنْ جُرْأَةِ جَمَالٍ وَتَجَمَّدَ فِي مَكَانِهِ. حَاوَلَ سَمِيرٌ أَنْ يَسْتَعِيدَ سَيْطَرَتَهُ فَأَمَرَ عَفَافَ أَنْ تُعْطِيَهُ رِيشَتَهَا الطَّائِرَةَ، لَكِنَّ عَفَافَ حِينَ رَأَتْ ثَبَاتَ جَمَالٍ، رَفَضَتْ هِيَ الْأُخْرَى. بَعْدَهَا، طَلَبَ سَمِيرٌ مِنَ حَنَانَ مِضْرَبَهَا، فَتَجَاهَلَتْهُ تَمَامًا. نَظَرَ سَمِيرٌ حَوْلَهُ، فَوَجَدَ أَنَّ أَحَدًا لَمْ يَعُدْ يَهَابُهُ، وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ نَبَحَ «عِمْلَاقٌ» نُبَاحًا قَوِيًّا فِي وَجْهِهِ. هَمَسَ سَمِيرٌ: «لَا أُصَدِّقُ!»، ثُمَّ غَادَرَ الْمَكَانَ خَائِبًا. وَمُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ، لَمْ يَعُدْ جَمَالٌ وَرِفَاقُهُ فِي بَنْسْلِيمَانَ يَخَافُونَ سَمِيرًا، وَلَمْ يَعُدْ سَمِيرٌ نَفْسُهُ يَبْدُو ضَخْمًا فِي أَعْيُنِهِمْ بَعْدَ أَنْ كَسَرُوا حَاجِزَ الْخَوْفِ.
