مَغَامَرَاتُ سِنْدِبَادَ: لُغْزُ الْكَنْزِ الْمَفْقُودِ
فِي قَلْبِ الصَّحْرَاءِ الْقَاحِلَةِ، حَيْثُ تَتَلَاعَبُ الرِّمَالُ بِحِكَايَاتِ الْمُسَافِرِينَ، كَانَ سِنْدِبَادُ وَرَفِيقَتُهُ الْعُصْفُورَةُ يَاسْمِينَةُ يَقْطَعَانِ الْفَيَافِيَ بَحْثًا عَنْ طَرِيقٍ يُؤَدِّي بِهِمَا إِلَى آفَاقٍ جَدِيدَةٍ. وَفَجْأَةً، اسْتَحَالَ الْأُفُقُ الذَّهَبِيُّ سَوَادًا، وَهَبَّتْ عَاصِفَةٌ رَمْلِيَّةٌ عَاتِيَةٌ غَطَّتِ السَّمَاءَ، فَشَتَّتَتْ شَمْلَ الرِّحْلَةِ، وَأَلْقَتْ بِسِنْدِبَادَ وَحِيدًا تَائِهًا، وَقَدْ فَقَدَ جَمَلَهُ وَكُلَّ مَا يَمْلِكُ. وَبَيْنَمَا كَانَ يَقِفُ حَائِرًا تَحْتَ أَشِعَّةِ الشَّمْسِ اللَّاهِبَةِ، تَرَدَّدَ صَدَى صَوْتٍ غَامِضٍ مِنْ أَعْلَى شَجَرَةِ نَخِيلٍ بَاسِقَةٍ، فَإِذَا بِشَابٍّ يُدْعَى "عَلِي بَابَا" يَرْقُبُ الْمَوْقِفَ بِابْتِسَامَةٍ مُخَادِعَةٍ، وَيَدَّعِي أَنَّهُ الْمُنْقِذُ الَّذِي انْتَشَلَ سِنْدِبَادَ مِنْ بَرَاثِنِ الْمَوْتِ، طَالِبًا مُكَافَأَةً عَاجِلَةً. وَحِينَ أَيْقَنَ أَنَّ سِنْدِبَادَ لَا يَمْلِكُ فِلْسًا، اسْتَغَلَّهُ وَأَلْزَمَهُ بِمُرَافَقَتِهِ خَادِمًا يَصُبُّ لَهُ الْمَاءَ وَيُطِيعُ أَمْرَهُ.
سَارَتْ بِهِمَا الْأَيَّامُ حَتَّى عَثَرَ سِنْدِبَادُ صُدْفَةً عَلَى جَمَلِهِ الْمَفْقُودِ، لَكِنَّ طَمَعَ عَلِي بَابَا دَفَعَهُ لِلِاسْتِحْوَاذِ عَلَيْهِ بِغَيْرِ حَقٍّ. وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ الْحَرِجَةِ، بَرَزَتْ مِنْ خَلْفِ الْكُثْبَانِ عِصَابَةٌ مِنَ اللُّصُوصِ، اتَّضَحَ أَنَّ عَلِي بَابَا لَيْسَ إِلَّا "مُوَظَّفًا" مَغْمُورًا فِي صُفُوفِهِمْ، يَحْلُمُ بِأَنْ يُطِيحَ بِزَعِيمِهِمْ وَيُصْبِحَ أُسْطُورَةً فِي عَالَمِ النَّهْبِ. كَلَّفَهُ الزَّعِيمُ بِمُهِمَّةٍ مَحْفُوفَةٍ بِالْمَخَاطِرِ: التَّسَلُّلُ إِلَى خَيْمَةِ حَاكِمِ الْبَصْرَةِ الْمُسْتَرِيحِ فِي "الْوَاحَةِ الشَّرْقِيَّةِ"، لِيَكُونَ عَيْنًا لَهُمْ عَلَى حَرَسِ الْحَاكِمِ وَكُنُوزِهِ.
انْطَلَقَ الِاثْنَانِ نَحْوَ الْوَاحَةِ، وَخِلَالَ الطَّرِيقِ، تَلَاشَتْ قَسْوَةُ عَلِي بَابَا قَلِيلًا أَمَامَ طِيبَةِ سِنْدِبَادَ، فَكَشَفَ لَهُ عَنْ قَلْبِهِ الْيَتِيمِ الَّذِي نَشَأَ بَيْنَ أَيْدِي التُّجَّارِ الْبُخَلَاءِ، وَعَنْ تَوْقِهِ لِلثَّرَاءِ الَّذِي يُوصِلُهُ إِلَى بَغْدَادَ. وَعِنْدَ بُلُوغِ الْخَيْمَةِ، حَالَ الْحُرَّاسُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الدُّخُولِ، فَتَظَاهَرَا بِأَنَّهُمَا بَهْلَوَانَانِ مُتَجَوِّلَانِ، وَمَا إِنْ رَأَتِ ابْنَةُ الْحَاكِمِ الْعُصْفُورَةَ يَاسْمِينَةَ حَتَّى أُعْجِبَتْ بِذَكَائِهَا، فَأَذِنَتْ لَهُمَا بِالدُّخُولِ. أَدْهَشَتْ يَاسْمِينَةُ الْجَمِيعَ بِقُدْرَتِهَا الْعَجِيبَةِ عَلَى التَّحَدُّثِ، فَحَظِيَا بِضِيَافَةٍ لَمْ يَشْهَدُوا مِثْلَهَا مِنْ قَبْلُ، وَأَخَذَتْهُمَا الْأَمِيرَةُ فِي جَوْلَةٍ إِلَى "عَيْنِ مَاءٍ عَجِيبَةٍ".
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، لَمَعَتْ فِي عَيْنِ عَلِي بَابَا أَطْمَاعُ اللُّصُوصِ، لَكِنَّ سِنْدِبَادَ هَمَسَ فِي أُذُنِهِ بِكَلِمَاتٍ لَامَسَتْ وِجْدَانَهُ، مُوضِحًا أَنَّ مَكَاسِبَ الْغَدْرِ لَنْ تَقُودَهُ أَبَدًا إِلَى بَغْدَادَ الَّتِي يَحْلُمُ بِهَا. تَأَثَّرَ عَلِي بَابَا بِصِدْقِ رَفِيقِهِ، فَأَمَرَهُ بِالْهَرَبِ خَوْفًا عَلَيْهِ، بَيْنَمَا عَادَ هُوَ لِيَخْتَلِقَ لِلزَّعِيمِ تَقْرِيرًا كَاذِبًا يُوهِمُهُ فِيهِ بِأَنَّ الْخَيْمَةَ مُحَصَّنَةٌ بِآلَافِ الْجُنُودِ وَلَا أَثَرَ فِيهَا لِكَنْزٍ.
لَمْ تَمُرَّ الْحِيلَةُ عَلَى الزَّعِيمِ الْمُحَنَّكِ، الَّذِي كَانَ يَتَرَقَّبُ بِذَكَاءٍ حَرَكَاتِ الْجَمِيعِ، فَكَشَفَ خِيَانَةَ عَلِي بَابَا وَأَلْقَى بِهِ فِي غَيَاهِبِ الْحَبْسِ، مُهَدِّدًا إِيَّاهُ بِالْمَوْتِ جُوعًا. لَكِنَّ سِنْدِبَادَ، الَّذِي كَانَ قَدْ كَشَفَ الْحَقِيقَةَ لِلْحَاكِمِ، اسْتَنْفَرَ الْحَرَسَ وَبَذَلَ جُهْدًا فِي وَضْعِ خُطَّةٍ مُحْكَمَةٍ صَدَّتْ هُجُومَ الْعِصَابَةِ. وَبَعْدَ انْقِشَاعِ غُبَارِ الْمَعْرَكَةِ، نَالَ سِنْدِبَادُ ثَنَاءَ الْحَاكِمِ، فِي حِينِ قَرَّرَ عَلِي بَابَا، وَقَدْ تَابَتْ نَفْسُهُ، التَّخَلِّيَ عَنْ دُرُوبِ اللُّصُوصِيَّةِ. وَمُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ، انْطَلَقَ الِاثْنَانِ مَعًا فِي رِحْلَةٍ جَدِيدَةٍ، يَجْمَعُهُمَا رِفَاقُ السَّفَرِ وَأَحْلَامُ الرِّبْحِ الْحَلَالِ، وَالْوَفَاءُ الَّذِي صَهَرَتْهُ مِحْنَةُ الصَّحْرَاءِ.