مُغَامَرَاتُ جَنَّات فِي المَسْرَحِ

مُغَامَرَاتُ جَنَّات فِي المَسْرَحِ

كَانَ الجَوُّ فِي الخَارِجِ بَارِدًا جِدًّا، وَالرِّيَاحُ تَصْفِرُ بَيْنَ أَغْصَانِ الأَشْجَارِ العَارِيَةِ، بَيْنَمَا تَتَطَايَرُ أَوْرَاقُ الخَرِيفِ المَيِّتَةُ فِي كُلِّ مَكَانٍ. لَقَدْ كَانَ يَوْمًا عَاصِفًا جَعَلَ المَارَّةَ يُسْرِعُونَ لِلْعَوْدَةِ إِلَى مَنَازِلِهِمْ، وَحَتَّى ذَلِكَ الكَلْبُ الصَّغِيرُ عَلَى الطَّرِيقِ بَدَا حَزِينًا وَوَحِيدًا. لَكِنْ، أَيْنَ جَنَّات وَأَصْدِقَاؤُهَا؟. لَقَدْ لَجَأَتْ جَنَّات مَعَ جَاسِر وَبَقِيَّةِ الرِّفَاقِ إِلَى العِلِّيَّةِ، ذَلِكَ المَكَانِ السِّحْرِيِّ المَلِيءِ بِالأَشْيَاءِ القَدِيمَةِ وَالمُمْتِعَةِ الَّتِي تَصْلُحُ لِلَّعِبِ عِنْدَمَا يَكُونُ الطَّقْسُ سَيِّئًا. فِيهَا تَجِدُ دُمْيَةً نَائِمَةً، وَحِصَانًا خَشَبِيًّا يَرْتَدِي قُبَّعَةً مِنْ قَشٍّ، وَبِيَانُو قَدِيمًا، وَسَيَّارَةً صَغِيرَةً تَعْمَلُ بِالدَّوَّاسَاتِ.

بَيْنَمَا كَانُوا يَمْرَحُونَ، صَاحَتْ جَنَّات بِحَمَاسٍ: "تَعَالَوْا يَا أَصْدِقَائِي! لَقَدْ وَجَدْتُ صُنْدُوقًا ضَخْمًا وَثَقِيلًا فِي هَذَا الرُّكْنِ". لَمْ تَكُنْ تَمْلِكُ المِفْتَاحَ فِي البِدَايَةِ، فَرَاحُوا يَنْظُرُونَ مِنْ ثُقْبِ القُفْلِ يَتَسَاءَلُونَ عَمَّا بِدَاخِلِهِ: هَلْ هُوَ كَنْزٌ أَمْ أَلْعَابٌ أَمْ قِصَصٌ مُصَوَّرَةٌ؟. وَبَعْدَ قَلِيلٍ، وَجَدَ جَاسِر المِفْتَاحَ وَفَتَحَ الصُّنْدُوقَ، لِيَكْتَشِفُوا بَدَاخِلِهِ عَالَمًا مِنَ الأَلْوَانِ: شَرَائِطَ جَمِيلَةً، وَقُبَّعَاتِ قَشٍّ، وَأَزْيَاءً زَاهِيَةً، وَفَسَاتِينَ وَأَوْشِحَةً مُتَعَدِّدَةَ الأَلْوَانِ. هُنَا خَطَرَتْ لِجَنَّات فِكْرَةٌ رَائِعَةٌ، فَقَالَتْ: "مَا رَأْيُكُمْ أَنْ نُمَثِّلَ مَسْرَحِيَّةً؟".

بَدَأَ الجَمِيعُ بِالعَمَلِ بِنَشَاطٍ؛ ارْتَدَتْ جَنَّات فُسْتَانًا طَوِيلًا فَانْتَظَرَتْ كَأَمِيرَةٍ حَقِيقِيَّةٍ بِمِرْوَحَتِهَا وَأَقْرَاطِهَا الجَمِيلَةِ. قَامَ مُحْسِن بِإِعْدَادِ الدِّيكُورِ، وَأَحْضَرَ جَاسِر الحِصَانَ الخَشَبِيَّ وَالمَقْعَدَ الكَبِيرَ، حَتَّى صَارَتِ العِلِّيَّةُ تُشْبِهُ مَسْرَحًا حَقِيقِيًّا. بَدَأَ العَرْضُ، وَكَانَتِ القِصَّةُ تَدُورُ فِي قَلْعَةٍ قَدِيمَةٍ، حَيْثُ تَلْعَبُ جَنَّات دَوْرَ الأَمِيرَةِ النَّائِمَةِ، وَكَلْبُهَا الوَفِيُّ "رُوكِي" مُسْتَلْقٍ عِنْدَ قَدَمَيْهَا، وَالجَمِيعُ يَنْتَظِرُ عَوْدَةَ "الأَمِيرِ السَّعِيدِ" مِنَ المَعْرَكَةِ عَلَى حِصَانِهِ القَوِيِّ.

وَصَلَ الأَمِيرُ أَخِيرًا وَأَيْقَظَ الأَمِيرَةَ، فَعَمَّ الفَرَحُ فِي القَلْعَةِ وَقَرَّرَ الأَمِيرُ تَتْوِيجَهَا بِتَاجٍ مِنَ المَاسِ وَسَطَ هُتَافَاتِ الأَصْدِقَاءِ: "عَاشَ الأَمِيرُ! عَاشَتِ الأَمِيرَةُ!". ثُمَّ أُمِرَ بِتَحْضِيرِ حَفْلِ رَقْصٍ كَبِيرٍ، فَعَلَّقُوا الزِّينَةَ وَالأَعْلَامَ وَالفَوَانِيسَ المُلَوَّنَةَ الَّتِي تُشْبِهُ البَالُونَاتِ. بَحَثَتْ جَنَّات وَهَنَاء عَنْ أَجْمَلِ القُبَّعَاتِ المُرَصَّعَةِ بِالزُّهُورِ وَالرِّيشِ لِلْحَفْلِ، بَيْنَمَا اخْتَارَ جَاسِر شَارِبًا مُضْحِكًا، وَأَلْبَسُوا الكَلْبَ "رُوكِي" نَظَّارَاتٍ وَرَبْطَةَ عُنُقٍ مِخْمَلِيَّةً لِيُصْبِحَ شَخْصِيَّةً مُهِمَّةً فِي العَرْضِ.

بَدَأَ الحَفْلُ بِالمُوسِيقَى وَالرَّقْصِ، وَانْطَلَقَتِ الأَلْوَانُ وَالشَّرَائِطُ الوَرَقِيَّةُ فِي الهَوَاءِ، وَعَزَفَ مُحْسِن لَحْنًا جَمِيلًا عَلَى البِيَانُو، وَالْجَمِيعُ كَانُوا فِي غَايَةِ السَّعَادَةِ. وَفِي نِهَايَةِ المَسْرَحِيَّةِ، رَكِبَ الأَصْدِقَاءُ العَرَبَةَ الخَشَبِيَّةَ لِلْعَوْدَةِ إِلَى القَصْرِ، ثُمَّ أُسْدِلَ السِّتَارُ. خَلَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مَلَابِسَهُ التَّنَكُّرِيَّةَ، وَأَثْنَوْا جَمِيعًا عَلَى تَمْثِيلِ جَنَّات قَائِلِينَ: "لَقَدْ كُنْتِ أَمِيرَةً رَائِعَةً!"، وَاتَّفَقُوا عَلَى العَوْدَةِ لِلَّعِبِ مَرَّةً أُخْرَى فِي تِلْكَ العِلِّيَّةِ المَلِيئَةِ بِالذِّكْرَيَاتِ.


إرسال تعليق

أحدث أقدم