السعادة في الحرية

 السعادة في الحرية

السعادة في الحرية

في أحد الأيامِ، وقفت الطفلةُ الجميلةُ (جنات) مع أختِها الصغيرةِ (جمانة) أمام نافذةِ غرفتِهما، تراقبانِ أسرابَ الطيورِ وهي تُحلقُ عالياً في السماءِ الزرقاء. كانت (جنات) و (جمانة) تتمنيانِ من كلِ قلبِهما أن يكونَ لديهما عصفورٌ صغيرٌ يعيشُ معهما في البيتِ، ليغردَ لهما أجملَ الألحانِ ويملأَ حياتَهما بالبهجةِ والسرورِ، فقد كانتا تحبانِ هذا الطائرَ الرقيقَ حباً كبيراً.

وبعد لحظاتٍ قليلةٍ، سمعتا صوتَ طرقٍ خفيفٍ على البابِ، فهرعتا لتفتحا وترى من القادم. وعندما فتحتا البابَ، وجدتا أمامَهما سيدةً عجوزاً طيبة الملامحِ، ابتسمت لهما وقالت: "يا صغيرتيّ، عندي لكما هديةٌ غاليةٌ وقيمةٌ جداً، وهي عبارةٌ عن جوهرةٍ سحريةٍ لامعةٍ، تستطيعُ أن تُحققَ لكما حلماً واحداً فقط من أحلامِكما الكثيرة".

فرحت (جنات) و (جمانة) كثيراً بهذه الجوهرةِ العجيبةِ التي كانت تتلألأُ بين أيديهما. وبدأت (جنات) تفكرُ بصوتٍ عالٍ: "ما هو الحلمُ الذي نتمناهُ ونطلبهُ من هذه الجوهرةِ؟ هل نطلبُ أموالاً كثيرةً نشتري بها كلَ ما نريد؟ أم نطلبُ ألعاباً جميلةً وجديدة؟ أم نطلبُ أشهى وأطيبَ الطعامِ والحلوياتِ؟".

ولكي تقررا بذكاءٍ، راحتا تسألانِ كلَ من في المنزلِ عن أحلامِهم، فسألت (جمانة) جدتَها الغالية، وسألت (جنات) جدَها الحنون عن أيِّ حلمٍ يتمنيانِ تحقيقهُ. فقالت الجدةُ وهي تبتسمُ لهما: "يا بنيتيّ، نحن الكبارُ ليس لنا أمنياتٌ خاصة، ولكننا نعلمُ أنكما كنتما ترغبانِ بشدةٍ في امتلاكِ عصفورٍ صغيرٍ ليكونَ صديقكما ويحققَ لكما السعادةَ التي تحلمانِ بها".

هنا نظرت (جنات) إلى (جمانة) واتفقتا على الفور، فطلبت الأختانِ من الجوهرةِ السحريةِ أن تُحققَ حلمَهما الوحيدَ وهو أن يكونَ لهما عصفورٌ صغيرٌ. وفي لمحِ البصرِ، وجدتا لديهما عصفوراً رائعَ الجمالِ، ألوانُ ريشهِ زاهيةٌ ومنظرهُ يسرُّ الناظرين. ففرحت الأختانِ به كثيراً، وقالت لهما الجدةُ بحنانٍ: "يجبُ عليكما المحافظةُ جيداً على هذا المخلوقِ الصغيرِ والرقيق".

قضت (جنات) و (جمانة) ليلةً مليئةً بالسعادةِ بوجودِ العصفورِ معهما، وكانتا تراقبانِ حركاتهِ وتسمعانِ زقزقتهُ. وحين جاءَ وقتُ النومِ، أصرتا على أن يوضعَ قفصُ العصفورِ بجوارهما تماماً، حتى يستيقظا على صوتهِ العذبِ الجميلِ. ولكن، رغمَ كلِ هذا الفرحِ، كانتا تلمحانِ مسحةً من الحزنِ الهادئ تظهرُ على وجهِ العصفورِ الصغيرِ وهو خلفَ القضبان.

وأثناءَ النومِ، حلمت (جنات) بحلمٍ غريبٍ، رأت نفسَها وهي تطيرُ في الهواءِ الطلقِ والحريةِ التامةِ، ورأت العصفورَ قد خرجَ من قفصهِ الحديديِّ وهو يطيرُ بجانبِها بجناحيهِ القويين، وكان يبدو في الحلمِ سعيداً جداً ومنطلقاً بلا قيود.

ولما استيقظت (جنات) من نومِها، حكت لأختِها (جمانة) عن حلمِها الجميلِ، فصمتت (جمانة) قليلاً ثم قالت بذكاءٍ وفهمٍ: "يا (جنات)، إن هذا العصفورَ يحققُ لنا السعادةَ بجمالهِ وصوتهِ بالفعلِ، ولكننا في الحقيقةِ لا نحققُ له أيَّ سعادةٍ، فنحن نحبسهُ في قفصٍ ضيقٍ من حديدٍ ونمنعهُ من الطيرانِ في الفضاءِ الواسع".

فكرت الأختانِ طويلاً في كلامِهما وفي حالِ العصفورِ الحزين، ثم قررت (جنات) و (جمانة) بكلِ شجاعةٍ إطلاقَ سراحِ العصفورِ ليطيرَ حراً. فقد أدركتا أن السعادةَ الحقيقيةَ لا تكتملُ بأن يكونَ لديهما عصفورٌ سجينٌ وحزين، بل السعادةُ هي أن يريا العصفورَ حراً طليقاً يتمتعُ بالحريةِ في السماءِ تماماً كما تحبُ كلُ واحدةٍ منهما أن تكونَ حرةً. وفورَ فتحِ بابِ القفصِ، طارَ العصفورُ فرحاً، وفي تلك اللحظةِ، شعرَ الجميعُ بسعادةٍ حقيقيةٍ لا توصف.


إرسال تعليق

أحدث أقدم