مَازِن وَاللَّاعِبُ الخَفِيُّ في الجَبَلِ

مَازِن وَاللَّاعِبُ الخَفِيُّ في الجَبَلِ


ذَهَبَ مَازِنٌ في رِحْلَةٍ مَعَ عائِلَتِهِ إِلَى مَغَارَةٍ كَبِيرَةٍ تَقَعُ في قَلْبِ الجَبَلِ العَالِي.

وَقَفَ مَازِنٌ في وَسَطِ المَغَارَةِ وَصَرَخَ بِمَرَحٍ: "أَهْلًا!"، فَسَمِعَ صَوْتًا يَرُدُّ عَلَيْهِ: "أَهْلًا!".

تَعَجَّبَ مَازِنٌ وَنَظَرَ حَوْلَهُ، لَكِنَّهُ لَمْ يَجِدْ أَحَدًا يَخْتَبِئُ خَلْفَ الصُّخُورِ المَنْحُوتَةِ.

صَرَخَ مَرَّةً أُخْرَى: "مَنْ أَنْتَ؟"، فَعَادَ إِلَيْهِ الصَّوْتُ نَفْسُهُ قَائِلًا: "مَنْ أَنْتَ؟".

ضَحِكَ مَازِنٌ وَأَدْرَكَ أَنَّ هَذَا هُوَ "الصَّدَى"، وَهُوَ تَكْرَارُ الصَّوْتِ بَعْدَ اصْطِدَامِهِ بِحَاجِزٍ.

شَرَحَ لَهُ وَالِدُهُ أَنَّ الصَّوْتَ يَنْتَقِلُ في الهَوَاءِ عَلَى شَكْلِ مَوْجَاتٍ لَا نَرَاهَا بِأَعْيُنِنَا.

عِنْدَمَا تَصْطَدِمُ هَذِهِ المَوْجَاتُ بِجِدَارٍ صَلْبٍ وَبَعِيدٍ، فَإِنَّهَا تَرْتَدُّ رَاجِعَةً إِلَى آذَانِنَا.

يُشْبِهُ الصَّدَى كُرَةَ "المِضْرَبِ" الَّتِي تَرْمِيهَا نَحْوَ الحَائِطِ فَتَعُودُ إِلَيْكَ بِسُرْعَةٍ كَبِيرَةٍ.

تَعَلَّمَ مَازِنٌ أَنَّ الصَّدَى يَحْتَاجُ إِلَى مَسَافَةٍ كَافِيَةٍ كَيْ نَسْمَعَهُ بوضوحٍ، وَإِلَّا اخْتَفَى.

اكْتَشَفَ أَنَّ الخَفَافِيشَ تَسْتَخْدِمُ الصَّدَى لِتَعْرِفَ طَرِيقَهَا في الظَّلَامِ وَتَصْطَادَ حَشَرَاتِهَا.

كَانَ مَازِنٌ يَسْتَمْتِعُ بِتَلْحِينِ جُمَلٍ قَصِيرَةٍ لِيَسْمَعَ كَيْفَ يُعِيدُهَا الجَبَلُ بِنَفْسِ النَّغَمِ.

عَرَفَ أَنَّ المَغَارَاتِ وَالأَوْدِيَةَ هِيَ أَفْضَلُ المَأَمَاكِنِ لِسَمَاعِ هَذَا اللَّاعِبِ الصَّوْتِيِّ الخَفِيِّ.

عِنْدَمَا خَرَجَ مِنَ المَغَارَةِ إِلَى المَسَاحَةِ المَفْتُوحَةِ، حَاوَلَ مَرَّةً أُخْرَى لَكِنَّ الصَّدَى لَمْ يَعُدْ.

أَدْرَكَ مَازِنٌ أَنَّ المَوْجَاتِ الصَّوْتِيَّةَ هَرَبَتْ بَعِيدًا في الهَوَاءِ لِعَدَمِ وُجُودِ جِدَارٍ يَرُدُّهَا.

مَا أَعْجَبَ قَوَانِينَ العِلْمِ! فَهِيَ تَجْعَلُ مِنْ أَصْوَاتِنَا لُعْبَةً مُسَلِّيَةً وَسِرًّا يَسْتَحِقُّ الِاكْتِشَافَ.

إرسال تعليق

أحدث أقدم