سَيِّدَةُ البَحْرِ العَجُوزُ
كَانَتِ السَّفِينَةُ السِيَاحِيَّةُ الفَاخِرَةُ تَمْخُرُ عُبَابَ المُحِيطِ بِمَهَابَةٍ، حَامِلَةً عَلَى مَتْنِهَا مِئَاتِ المُسَافِرِينَ البَاحِثِينَ عَنِ الاسْتِجْمَامِ، لَكِنَّ أَحَدَ الرُّكَّابِ، وَهُوَ رَجُلٌ دَقِيقُ المُلَاحَظَةِ، اسْتَرْعَى انْتِبَاهَهُ مَشْهَدٌ يَتَكَرَّرُ كُلَّ يَوْمٍ؛ سَيِّدَةٌ طَاعِنَةٌ فِي السِّنِّ، تَمْتَازُ بِأَنَاقَةٍ هَادِئَةٍ وَوَقَارٍ مَهِيْبٍ، تَجْلِسُ بِمُفْرَدِهَا دَائِمًا، لَكِنَّهَا لَمْ تَكُنْ غَرِيبَةً قَطُّ. كَانَ الصَّمْتُ يُحِيطُ بِهَا، إِلَّا أَنَّ حَرَكَةَ الطَّاقَمِ حَوْلَهَا كَانَتْ تَنْطِقُ بِأَلْفِ حِكَايَةٍ؛ فَمِنْ ضُبَّاطِ المِلَاحَةِ بِبِزَّاتِهِمُ البَيْضَاءِ النَّاصِعَةِ، إِلَى النُّدُلِ فِي قَاعَاتِ الطَّعَامِ، وَحَتَّى عُمَّالِ النَّظَافَةِ البَسِيطِينَ، الجَمِيعُ يَنْحَنُونَ لَهَا بِتَقْدِيرٍ بَالِغٍ، وَيُبَادِرُونَهَا بِالتَّحِيَّةِ بِأَسْمَائِهِمُ المُجَرَّدَةِ، وَكَأَنَّهَا جَدَّتُهُمُ الرَّؤُومُ أَوْ صَاحِبَةُ السَّفِينَةِ الخَفِيَّةُ.
دَفَعَ الفُضُولُ ذَلِكَ الرَّجُلَ إِلَى الاقْتِرَابِ مِنْ أَحَدِ النُّدُلِ بَعْدَ أَنْ رَآهُ يُقَدِّمُ لَهَا قَهْوَتَهَا دُونَ أَنْ تَنْطِقَ بِطَلَبٍ، فَسَأَلَهُ هَامِسًا: «مَنْ هِيَ هَذِهِ السَّيِّدَةُ الوَقُورُ؟ لَقَدْ رَاقَبْتُ الجَمِيعَ هُنَا، يَبْدُو أَنَّ كُلَّ فَرْدٍ فِي طَاقَمِ السَّفِينَةِ يَعْرِفُ مَكَانَتَهَا.» ابْتَسَمَ النَّادِلُ وَأَجَابَهُ بِصَوْتٍ مَمْلُوءٍ بِالإِعْجَابِ: «صِدْقًا يَا سَيِّدِي، لَا أَعْرِفُ عَنْ حَيَاتِهَا الكَثِيرَ، لَكِنَّ كُلَّ مَا أَعْلَمُهُ هُوَ أَنَّهَا لَمْ تُغَادِرْ هَذِهِ السَّفِينَةَ مُنْذُ انْطِلَاقِ آخِرِ أَرْبَعِ رِحَلَاتٍ مُتَتَالِيَةٍ، تَنْزِلُ مَعَنَا فِي كُلِّ مِينَاءٍ وَتَعُودُ قَبْلَ الجَمِيعِ.»
فِي أَمْسِيَةٍ سَاحِرَةٍ، حَيْثُ كَانَ القَمَرُ يَعْكِسُ ضِيَاءَهُ عَلَى صَفْحَةِ المَاءِ، كَانَ الرَّجُلُ يُغَادِرُ قَاعَةَ الطَّعَامِ الكُبْرَى، فَالْتَقَتْ عَيْنَاهُ بِعَيْنَيْ السَّيِّدَةِ العَجُوزِ الَّتِي كَانَتْ تَهُمُّ بِالخُرُوجِ أَيْضًا. تَوَقَّفَ بِأَدَبٍ، وَحَيَّاهَا بِاحْتِرَامٍ قَائِلًا: «مَعْذِرَةً يَا سَيِّدَتِي، لَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّكِ قَضَيْتِ الرِّحَلَاتِ الأَرْبَعَ الأَخِيرَةَ عَلَى مَتْنِ هَذِهِ السَّفِينَةِ، وَهُوَ أَمْرٌ يَدْعُو لِلإِعْجَابِ وَالدَّهْشَةِ فِي آنٍ وَاحِدٍ.» ابْتَسَمَتِ السَّيِّدَةُ ابْتِسَامَةً غَامِضَةً وَقَالَتْ بِنَبْرَةٍ وَاثِقَةٍ: «نَعَمْ، هَذَا صَحِيحٌ تَمَامًا، وَلَا أَنْوِي الرَّحِيلَ قَرِيبًا.» فَقَالَ الرَّجُلُ مُتَعَجِّبًا: «لَكِنْ، مَا السِّرُّ وَرَاءَ هَذَا الارْتِبَاطِ الوَثِيقِ بِالبَحْرِ؟ لِمَاذَا تَقْضِينَ عُمْرَكِ هُنَا؟»
أَجَابَتِ السَّيِّدَةُ دُونَ تَرَدُّدٍ، وَكَأَنَّهَا حَسَبَتْ كُلَّ شَيْءٍ بِمِيزَانٍ مِنْ ذَهَبٍ: «بِكُلِّ بَسَاطَةٍ، يَا بُنَيَّ، لِأَنَّ هَذِهِ الرِّحْلَةَ البَحْرِيَّةَ أَرْخَصُ ثَمَنًا وَأَكْثَرُ كَرَامَةً مِنْ دَارِ المُسِنِّينَ. لَقَدْ اتَّخَذْتُ قَرَارِي؛ لَنْ يَكُونَ هُنَاكَ دَارُ رِعَايَةٍ فِي مُسْتَقْبَلِي، بَلْ سَأَظَلُّ أُبْحِرُ حَتَّى آخِرِ نَفَسٍ. لَقَدْ وَجَدْتُ أَنَّ تَكْلِفَةَ الإِقَامَةِ فِي دَارِ مُسِنِّينَ مُحْتَرَمَةٍ تَبْلُغُ مِائَتَيْ دُولَارٍ يَوْمِيًّا، بَيْنَمَا هُنَا، وَبِفَضْلِ الحَجْزِ طَوِيلِ الأَمَدِ وَخَصْمِ كِبَارِ السِّنِّ، أَدْفَعُ مِائَةً وَخَمْسَةً وَثَلَاثِينَ دُولَارًا فَقَطْ. يَتَبَقَّى لِي خَمْسَةٌ وَسِتُّونَ دُولَارًا يَوْمِيًّا، أُخَصِّصُهَا لِلبَقْشِيشِ لِلعُمَّالِ وَلِمَصَارِيفِي النَّثْرِيَّةِ، وَهَكَذَا أَعِيشُ مَلِكَةً.»
تَابَعَتْ وَعَيْنَاهَا تَلْمَعَانِ بِالذَّكَاءِ: «تَأَمَّلْ مَعِي، هُنَا أَتَنَاوَلُ مَا طَابَ لِي مِنَ الطَّعَامِ الفَاخِرِ، يُمْكِنُنِي طَلَبُ عَشْرِ وَجَبَاتٍ يَوْمِيًّا إِذَا شِئْتُ، أَوْ أَنْ يَنْحَنِيَ النَّادِلُ لِيُقَدِّمَ لِي الإِفْطَارَ فِي سَرِيرِي كُلَّ صَبَاحٍ. لَدَيَّ مَسْبَحٌ، وَصَالَةٌ رِيَاضِيَّةٌ، وَعُرُوضٌ تَرْفِيهِيَّةٌ مَسَائِيَّةٌ تُضَاهِي مَسَارِحَ العَالَمِ. كُلُّ مَا أَحْتَاجُهُ مِنَ الضَّرُورِيَّاتِ، مِنْ مَعْجُونِ الأَسْنَانِ إِلَى الشَّامْبُو وَالصَّابُونِ، يُقَدَّمُ لِي مَجَّانًا. وَالأَهَمُّ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، أَنَّهُمْ يُعَامِلُونَنِي هُنَا كَضَيْفَةٍ مُبَجَّلَةٍ لَهَا قَدْرُهَا، لَا كَمَرِيضَةٍ تَنْتَظِرُ أَجَلَهَا. بِقَلِيلٍ مِنَ البَقْشِيشِ، يَتَسَابَقُ الجَمِيعُ لِخِدْمَتِي وَالتَّوَدُّدِ إِلَيَّ. هَلْ تَعَطَّلَ التِّلْفَازُ؟ هَلِ المِصْبَاحُ بِحَاجَةٍ لِتَغْيِيرٍ؟ لَا أَحْتَاجُ لِلانْتِظَارِ أَوْ التَّوَسُّلِ، فَبِمُجَرَّدِ مَكَالَمَةٍ يَهْرَعُونَ لِيُصْلِحُوا كُلَّ شَيْءٍ وَهُمْ يَعْتَذِرُونَ عَنِ الإِزْعَاجِ. أَحْصُلُ عَلَى مَلَاءَاتٍ وَمَنَاشِفَ نَظِيفَةٍ يَوْمِيًّا دُونَ أَنْ أَنْطِقَ بِبِنْتِ شَفَةٍ. وَفِي كُلِّ مَرَّةٍ أَمَلُّ فِيهَا مِنَ الوُجُوهِ، تَتَغَيَّرُ السَّفِينَةُ وَأَلْتَقِي بِأَشْخَاصٍ جُدُدٍ كُلَّ أُسْبُوعَيْنِ. وَإِنْ تَعِبْتُ، فَهُنَاكَ طَبِيبٌ دَائِمٌ عَلَى مَتْنِ السَّفِينَةِ. هَكَذَا يَا بُنَيَّ، اخْتَرْتُ أَنْ أَكُونَ رُبَّانَةَ حَيَاتِي فِي خِتَامِ المِشْوَارِ.»
🌱 دروس مستفادة:
- الحياة لا تنتهي بالتقاعد، بل يمكن أن تبدأ من جديد.
- الكرامة والراحة أهم من الروتين والعزلة.
- التفكير خارج الصندوق قد يمنحك حياة أجمل.
🧠 أسئلة للتأمل:
- هل تعتقد أن فكرتها ذكية؟
- هل يمكن أن تكون الرحلة البحرية بديلاً حقيقياً لدور الرعاية؟
- كيف يمكننا تحسين حياة كبار السن؟
