الوفاء بالجميل

 الوفاء بالجميل

الوفاء بالجميل

شَعرتِ الحَمامَةُ ذَاتَ يَومٍ بِعَطشٍ شديدٍ، فَسَارَعَتْ إِلَى النَّهْرِ لِتَشْرَبَ مِنْ مَائِهِ العَذْبِ وَتَرَوِيَ عَطَشَهَا. وَبَيْنَمَا كَانَتْ تَشْرَبُ، رَأَتْ نَمْلَةً صَغِيرَةً تَتَخَبَّطُ فِي المَاءِ مُحَاوِلَةً الوُصُولَ إِلَى حَافَةِ النَّهْرِ لِتَنْجُوَ مِنَ الغَرَقِ. عِنْدَمَا رَأَتْ الحَمَامَةُ هَذِهِ النَّمْلَةَ المَسْكِينَةَ، نَسِيَتْ عَطَشَهَا وَأَخَذَتْ تَبْحَثُ عَنْ قَشَّةٍ لِتُسَاعِدَهَا بِهَا عَلَى النَّجَاةِ مِنَ الغَرَقِ.

مَا إِنْ وَجَدَتِ الحَمَامَةُ قَشَّةً كَبِيرَةً حَتَّى الْتَقَطَتْهَا بِمِنْقَارِهَا، وَطَارَتْ بِهَا مُسْرِعَةً لِإِنْقَاذِ النَّمْلَةِ. وَقَفَتِ الحَمَامَةُ عَلَى حَافَةِ النَّهْرِ، فَأَمَسَكَتْ بِطَرَفِ القَشَّةِ، وَمَدَّتْ طَرَفَهَا الآخَرَ إِلَى المَاءِ، فَتَمَسَّكَتِ النَّمْلَةُ بِهَا وَصَعِدَتْ عَلَيْهَا.

عِنْدَمَا خَرَجَتِ النَّمْلَةُ مِنَ النَّهْرِ وَوَقَفَتْ عَلَى اليَابِسَةِ، أَخَذَتْ تَشْكُرُ الحَمَامَةَ الَّتِي أَنْقَذَتْ حَيَاتَهَا. ثُمَّ قَالَتِ النَّمْلَةُ لِلْحَمَامَةِ: لَقَدْ أَنْقَذْتِنِي مِنْ مَوْتٍ مُحَتَّمٍ، أَشْكُرُكِ مِنْ كُلِّ قَلْبِي، وَأَتَمَنَّى أَنْ أَرُدَّ إِلَيْكِ الجَمِيلَ فِي يَوْمٍ مِنَ الأَيَّامِ. ضَحِكَتِ الحَمَامَةُ فِي سِرِّهَا قَائِلَةً: كَيْفَ تَسْتَطِيعُ هَذِهِ النَّمْلَةُ الضَّعِيفَةُ أَنْ تُسَاعِدَنِي؟. لَكِنَّهَا أَخْفَتْ ضِحْكَتَهَا كَيْ لَا تَجْرَحَ شُعُورَ النَّمْلَةِ الَّتِي بَدَتْ جِدِّيَّةً فِي كَلَامِهَا. ثُمَّ قَالَتِ الحَمَامَةُ: كَمْ أَنْتِ لَطِيفَةٌ أَيَّتُهَا النَّمْلَةُ الصَّغِيرَةُ، أَشْكُرُكِ عَلَى اهْتِمَامِكِ بِرَدِّ الجَمِيلِ.

مَرَّتْ عِدَّةُ شُهُورٍ، وَذَاتَ يَوْمٍ كَانَتِ الحَمَامَةُ وَاقِفَةً عَلَى غُصْنِ شَجَرَةٍ وَهَدِيلُهَا يَمْلأُ الغَابَةَ. فِي تِلْكَ الأَثْنَاءِ، شَاهَدَتِ الحَمَامَةُ النَّمْلَةَ الصَّغِيرَةَ عَلَى العُشْبِ تَجْمَعُ الحُبُوبَ لِتُخَزِّنَهَا لِفَصْلِ الشِّتَاءِ. لَمْ تَنْتَبِه الحَمَامَةُ لِلصَّيَّادِ الَّذِي كَانَ يَقْتَرِبُ بِهُدُوءٍ مِنَ الشَّجَرَةِ. رَأَى الصَّيَّادُ الحَمَامَةَ، فَوَقَفَ فِي مَكَانِهِ، وَمِنْ دُونِ أَنْ يُحْدِثَ ضَجَّةً، تَنَاوَلَ بُنْدُقِيَّتَهُ وَصَوَّبَهَا نَحْوَهَا لِيُطْلِقَ النَّارَ عَلَيْهَا.

لَمْ تُلاحِظ الحَمَامَةُ وُجُودَ الصَّيَّادِ، فَبَقِيَتْ وَاقِفَةً عَلَى غُصْنِ الشَّجَرَةِ غَيْرَ شَاعِرَةٍ بِالخَطَرِ الَّذِي يُحْدِقُ بِهَا. لَكِنَّ النَّمْلَةَ سَمِعَتْ وَقْعَ أَقْدَامِهِ عَلَى الأَرْضِ، وَأَسْرَعَتْ نَحْوَ الصَّيَّادِ الَّذِي رَأَتْهُ، فَعَثَرَتْ عَلَى ثَقْبٍ فِي حِذَائِهِ فَدَخَلَتْ فِيهِ.

عَضَّتِ النَّمْلَةُ الصَّيَّادَ فِي قَدَمِهِ عَضَّةً مُؤْلِمَةً، فَصَرَخَ مِنْ شِدَّةِ الوَجَعِ. عِنْدَئِذٍ الْتَفَتَتِ الحَمَامَةُ وَرَأَتِ الصَّيَّادَ، فَطَارَتْ هَارِبَةً مِنْهُ. خَرَجَتِ النَّمْلَةُ بِسُرْعَةٍ مِنَ الثَّقْبِ الَّذِي دَخَلَتْ فِيهِ، أَمَّا الصَّيَّادُ فَغَادَرَ الغَابَةَ بَعْدَ أَنْ تَعَكَّرَ مِزَاجُهُ وَسَيْطَرَ عَلَيْهِ الغَضَبُ.

بَعْدَ ذَهَابِ الصَّيَّادِ، عَادَتِ الحَمَامَةُ لِتَشْكُرَ النَّمْلَةَ الَّتِي أَنْقَذَتْ حَيَاتَهَا. قَالَتِ الحَمَامَةُ لِلنَّمْلَةِ: لَقَدْ أَنْقَذْتِ حَيَاتِي، لَوْ لَمْ تَتَدَخَّلِي فِي الوَقْتِ المُنَاسِبِ لَمَا كُنْتُ تَنَبَّهْتُ لِلْخَطَرِ. فَرَدَّتِ النَّمْلَةُ: هَلْ أَصْبَحْنَا الآنَ مُتَعَادِلَتَيْنِ؟. أَجَابَتِ الحَمَامَةُ وَهِيَ تُحَلِّقُ فِي السَّمَاءِ: طَبْعًا يَا صَدِيقَتِي.

إرسال تعليق

أحدث أقدم