الببغاء الوفي
فِي يَوْمٍ مِنَ الأَيَّامِ، كَانَ هُنَاكَ حَطَّابٌ فَقِيرٌ يَعِيشُ فِي كُوخٍ مَعَ زَوْجَتِهِ، وَكَانَ يَخْرُجُ كُلَّ صَبَاحٍ إِلَى الغَابَةِ لِيَقْطَعَ الأَشْجَارَ وَيَجْمَعَ الأَخْشَابَ ثُمَّ يَبِيعَهَا لِلنَّاسِ لِيَكْسِبَ قُوتَ يَوْمِهِ. وَفِي أَحَدِ الأَيَّامِ، بَعْدَ أَنْ انْتَهَى مِنَ العَمَلِ الشَّاقِ وَبَيْنَمَا كَانَ يَسْتَعِدُّ لِلرَّحِيلِ، حَطَّ بَبَّغَاءٌ جَمِيلٌ فَوْقَ يَدِهِ بَغْتَةً. فَرِحَ الحَطَّابُ بِهَذَا الطَّائِرِ المُلَوَّنِ وَحَمَلَهُ مَعَهُ بِرِفْقٍ إِلَى بَيْتِهِ الصَّغِيرِ.
لَمْ يَكُنْ لِلْحَطَّابِ أَوْلَادٌ، فَصَارَ يَعْتَنِي بِالبَبَّغَاءِ عِنَايَةً كَبِيرَةً كَأَنَّهُ طِفْلُهُ الصَّغِيرُ، يُقَدِّمُ لَهُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ وَيُعَامِلُهُ بِكُلِّ عَطْفٍ وَحَنَانٍ. وَمَعَ مُرُورِ الوَقْتِ، نَشَأَتْ بَيْنَهُمَا صَدَاقَةٌ قَوِيَّةٌ وَحَمِيمَةٌ جِدّاً، حَتَّى صَارَ مِنَ الصَّعْبِ أَنْ يَفْتَرِقَا. وَكَانَ البَبَّغاءُ يَحْمِلُ لِصَاحِبِهِ مَشَاعِرَ الوَفَاءِ، فَيَنْتَظِرُ عَوْدَتَهُ مِنَ الغَابَةِ كُلَّ يَوْمٍ بِفَارِغِ الصَّبْرِ، وَيَسْتَقْبِلُهُ بِفَرَحٍ وَلَهْفَةٍ شَدِيدَةٍ.
لَكِنَّ زَوْجَةَ الحَطَّابِ لَمْ تَكُنْ طَيِّبَةً مِثْلَهُ، بَلْ كَانَتْ اِمْرَأَةً شِرِّيرَةً وَقَبِيحَةَ المَنْظَرِ، وَكَانَ قَلْبُهَا مَلِيئاً بِالحِقْدِ وَالجَشَعِ. كَانَ هَمُّهَا الوَحِيدُ هُوَ كَيْفِيَّةُ الِاسْتِيلاءِ عَلَى مَالِ زَوْجِهَا لِتُعْطِيَهُ لِأَهْلِهَا وَأَقَارِبِهَا. وَبَعْدَ تَفْكِيرٍ طَوِيلٍ وَمَاكِرٍ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، قَرَّرَتْ أَنَّ الوَسِيلَةَ الوَحِيدَةَ لِتَحْقِيقِ ذَلِكَ هِيَ التَّخَلُّصُ مِنْ زَوْجِهَا الحَطَّابِ نِهَائِيّاً. فَقَامَتْ بِالِاتِّفَاقِ مَعَ أَخِيهَا عَلَى قَتْلِ الحَطَّابِ المِسْكِينِ وَهُوَ نَائِمٌ.
لِحُسْنِ الحَظِّ، كَانَ البَبَّغَاءُ الذَّكِيُّ مَوْجُوداً فِي المَنْزِلِ حِينَهَا، فَسَمِعَ الحِوَارَ الشِّرِّيرَ الَّذِي دَارَ بَيْنَ الزَّوْجَةِ وَأَخِيهَا، وَحَفِظَ الجُمْلَةَ الَّتِي كَانَتْ الزَّوْجَةُ تُرَدِّدُهَا بِاسْتِمْرَارٍ. وَبِمُجَرَّدِ أَنْ دَخَلَ الحَطَّابُ إِلَى بَيْتِهِ، طَارَ البَبَّغَاءُ نَحْوَهُ وَوَقَفَ عَلَى كَتِفِهِ، وَبَدَأَ يَصْرُخُ بِأَعْلَى صَوْتِهِ مُحَذِّراً: "سَيُقْتَلُ الحَطَّابُ اليَوْمَ فِي سَرِيرِهِ.. سَيُقْتَلُ الحَطَّابُ اليَوْمَ فِي سَرِيرِهِ".
دُهِشَ الحَطَّابُ مِنْ كَلَامِ البَبَّغَاءِ، وَبَدَأَ يَشْعُرُ بِالخَوْفِ وَالقَلَقِ عَلَى حَيَاتِهِ. وَبَعْدَ تَفْكِيرٍ عَمِيقٍ، فَهِمَ أَنَّ صَدِيقَهُ الطَّائِرَ يُحَذِّرُهُ مِنْ مُؤَامَرَةٍ حَقِيقِيَّةٍ. فَقَرَّرَ أَنْ يَخْتَبِئَ خَلْفَ السِّتَارَةِ لِيُرَاقِبَ مَا سَيَحْدُثُ. وَفِي مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ، تَسَلَّلَ شَقِيقُ الزَّوْجَةِ إِلَى الغُرْفَةِ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّ الحَطَّابَ نَائِمٌ فِي فِرَاشِهِ، فَانْهَالَ عَلَى السَّرِيرِ ضَرْباً بِسَيْفِهِ.
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، ظَهَرَ الحَطَّابُ وَأَحْبَطَ المُؤَامَرَةَ الدَّنِيئَةَ، ثُمَّ قَامَ بِتَسْلِيمِ زَوْجَتِهِ وَأَخِيهَا إِلَى الشُّرْطَةِ لِيَنَالَا جَزَاءَهُمَا. وَهَكَذَا، تَخَلَّصَ الحَطَّابُ مِنَ الشَّرِّ وَالطَّمَعِ، وَعَاشَ بَقِيَّةَ حَيَاتِهِ فِي سَعَادَةٍ وَأَمَانٍ مَعَ صَدِيقِهِ البَبَّغَاءِ الوَفِيِّ الَّذِي أَنْقَذَ حَيَاتَهُ مِنَ المَوْتِ.
