جَنَّات تَحْتَفِلُ بِعِيدِ مِيلَادِهَا

جَنَّات تَحْتَفِلُ بِعِيدِ مِيلَادِهَا

فِي هَذَا الصَّبَاحِ الْمُشْرِقِ، اسْتَيْقَظَتْ جَنَّات وَقَلْبُهَا يَخْفِقُ فَرَحًا، فَالْيَوْمُ لَيْسَ كَأَيِّ يَوْمٍ آخَرَ؛ إِنَّهُ يَوْمُ عِيدِ مِيلَادِهَا الثَّامِنِ! قَفَزَتْ مِنْ سَرِيرِهَا بِرَشَاقَةٍ وَهِيَ تُرَدِّدُ بَهْجَةً: "لَقَدْ أَصْبَحْتُ الآنَ كَبِيرَةً، لَقَدْ تَمَمْتُ ثَمَانِيَ سَنَوَاتٍ!". كَانَ كُلُّ شَيْءٍ فِي الْبَيْتِ يَنْطِقُ بِالِاحْتِفَالِ، حَيْثُ انْهَمَكَتْ جَنَّات مُنْذُ اللَّحَظَاتِ الْأُولَى فِي مُسَاعَدَةِ وَالِدَتِهَا لِتَحْضِيرِ كُلِّ مَا يَلْزَمُ لِلْحَفْلَةِ الْمُنْتَظَرَةِ.

دَخَلَتْ جَنَّات إِلَى الْمَطْبَخِ، فَاسْتَقْبَلَتْهَا رَائِحَةُ الشُّوكُولَاتَةِ الذَّكِيَّةِ الَّتِي تَنْبَعِثُ مِنَ الْفُرْنِ، حَيْثُ كَانَتْ أُمُّهَا تَخْبِزُ كَعْكَةً عِمْلَاقَةً. قَالَتْ جَنَّات بِحَمَاسٍ: "يَا لَهَا مِنْ رَائِحَةٍ طَيِّبَةٍ يَا أُمِّي!". أَجَابَتْهَا الْأُمُّ بِابْتِسَامَةٍ حَنُونَةٍ: "هَذِهِ الْكَعْكَةُ خِصِّيصًا لَكِ وَلِصَدِيقَاتِكِ، وَلَكِنْ عَلَيْنَا أَوَّلًا أَنْ نُرَتِّبَ الطَّاوِلَةَ". بَدَأَتْ جَنَّات بِرَصِّ الْأَطْبَاقِ الْمُلَوَّنَةِ، وَوَضَعَتْ بَاقَاتٍ مِنَ الزُّهُورِ الْعَطِرَةِ الَّتِي قَطَفَتْهَا مِنَ الْحَدِيقَةِ فِي مَزْهَرِيَّاتٍ زُجَاجِيَّةٍ لَامِعَةٍ، ثُمَّ قَامَتْ بِتَوْزِيعِ الْمَنَادِيلِ الْمُزَيَّنَةِ بِرُسُومِ الْفَرَاشَاتِ.

لَمْ يَكُنِ الْجَمِيعُ هَادِئًا فِي الْبَيْتِ، فَالْكَلْبُ الصَّغِيرُ "رُوكِي" وَالْقِطَّةُ "مِشْمِشَة" كَانَا يُرَاقِبَانِ جَنَّات بِفُضُولٍ شَدِيدٍ. كَانَ "رُوكِي" يَهْزُّ ذَيْلَهُ مُتَحَمِّسًا، بَيْنَمَا كَانَتْ "مِشْمِشَة" تَتَمَطَّى بَيْنَ الْأَزْهَارِ، وَكَأَنَّهُمَا يَعْرِفَانِ أَنَّ خَطْبًا سَعِيدًا يَقْتَرِبُ. ذَهَبَتْ جَنَّات إِلَى غُرْفَتِهَا لِتَرْتَدِيَ فُسْتَانَهَا الْجَدِيدَ الْمُزَيَّنَ بِالْأَزْهَارِ الصَّغِيرَةِ، وَسَرَّحَتْ شَعْرَهَا بِنَعُومَةٍ أَمَامَ الْمِرْآةِ، فَأَصْبَحَتْ تَبْدُو كَأَمِيرَةٍ صَغِيرَةٍ.

وَفَجْأَةً، تَرَدَّدَ صَوْتُ جَرَسِ الْبَابِ: "دِينْغْ دُونْغْ!". رَكَضَتْ جَنَّات لِتَفْتَحَ، فَإِذَا بِصَدِيقَتَيْهَا "نُور" وَ"ثَوَابَة" تَقِفَانِ عِنْدَ الْعَتَبَةِ وَهُمَا تَحْمِلَانِ عُلْبَةً كَبِيرَةً مُغَلَّفَةً بِوَرَقٍ زَاهٍ وَشَرِيطٍ وَرْدِيٍّ. قَالَتَا بِصَوْتٍ وَاحِدٍ: "عِيدُ مِيلَادٍ سَعِيدٍ يَا جَنَّات!". عَانَقَتْهُمَا جَنَّات بِفَرَحٍ، ثُمَّ بَدَأَتْ بَقِيَّةُ الرِّفَاقِ يَتَوَافَدُونَ؛ وَصَلَتْ "هِنْد" وَ"عَفَاف" وَبَقِيَّةُ زَمِيلَاتِ الْمَدْرَسَةِ، لِتَمْتَلِئَ الصَّالَةُ بِأَصْوَاتِ الضَّحِكَاتِ وَصَيْحَاتِ الْمَرَحِ.

قَالَتْ جَنَّات لِصَدِيقَاتِهَا: "هَيَّا بِنَا إِلَى الْحَدِيقَةِ لِنَلْعَبَ!". انْطَلَقَتِ الْفَتَيَاتُ كَالْعَصَافِيرِ بَيْنَ الْأَشْجَارِ، وَلَعِبْنَ لُعْبَةَ "الِاغْتِمَاءَةِ". اخْتَبَأَتْ جَنَّات خَلْفَ جِذْعِ شَجَرَةِ بَلُّوطٍ ضَخْمَةٍ، بَيْنَمَا كَانَتْ "هِنْد" تُحَاوِلُ الْبَحْثَ عَنْهُنَّ. وَمَا زَادَ مِنَ الْبَهْجَةِ هُوَ انْضِمَامُ الْكَلْبِ "رُوكِي" لِلُّعْبَةِ، حَيْثُ كَانَ يَرْكُضُ خَلْفَ الْفَرَاشَاتِ وَيَنْبَحُ بِسَعَادَةٍ كُلَّمَا وَجَدَ طِفْلَةً مُخْتَبِئَةً.

بَعْدَ وَقْتٍ مِنَ اللَّعِبِ وَالرَّكْضِ، حَانَتِ اللَّحْظَةُ الَّتِي يَنْتَظِرُهَا الْجَمِيعُ. نَادَتِ الْأُمُّ: "يَا بَنَاتُ، مَوْعِدُ الْحَلْوَى قَدْ حَانَ!". اجْتَمَعَتِ الصَّدِيقَاتُ حَوْلَ الطَّاوِلَةِ، وَأَحْضَرَتِ الْأُمُّ كَعْكَةَ الشُّوكُولَاتَةِ الَّتِي تُزَيِّنُهَا ثَمَانِي شَمَعَاتٍ مُضِيئَةٍ. خَفَتَتِ الْأَنْوَارُ قَلِيلًا، وَبَدَأَتِ الْفَتَيَاتُ يُغَنِّينَ بِلَحْنٍ جَمِيلٍ: "سَنَةً حُلْوَةً يَا جَنَّات.. سَنَةً حُلْوَةً يَا جَمِيلَةُ". نَظَرَتْ جَنَّات إِلَى الشُّمُوعِ، وَأَغْمَضَتْ عَيْنَيْهَا لِتَتَمَنَّى أُمْنِيَةً سِرِّيَّةً فِي قَلْبِهَا، ثُمَّ اسْتَجْمَعَتْ نَفَسَهَا وَنَفَخَتْ بِقُوَّةٍ، فَانْطَفَأَتِ الشُّمُوعُ الثَّمَانِيَةُ دُفْعَةً وَاحِدَةً، وَتَعَالَى تَصْفِيقُ الصِّغَارِ.

بَعْدَ تَنَاوُلِ قِطَعِ الْكَعْكِ اللَّذِيذَةِ، بَدَأَتْ جَنَّات بِفَتْحِ الْهَدَايَا. كَانَتْ مُفَاجَآتٍ رَائِعَةً؛ لَقَدْ حَصَلَتْ عَلَى عُلْبَةِ أَلْوَانٍ مَائِيَّةٍ جَمِيلَةٍ، وَكِتَابٍ مَلِيءٍ بِالْقِصَصِ الْخَيَالِيَّةِ، وَدُمْيَةٍ جَدِيدَةٍ ذَاتِ شَعْرٍ أَشْقَرَ، قَرَّرَتْ جَنَّات تَسْمِيَتَهَا "بِيبِي". كَانَتْ جَنَّات تَشْكُرُ كُلَّ صَدِيقَةٍ بِقُبْلَةٍ وَابْتِسَامَةٍ، وَقَدْ غَمَرَتْهَا السَّعَادَةُ لِأَنَّ صَدِيقَاتِهَا يَعْرِفْنَ تَمَامًا مَا تُحِبُّهُ.

مَرَّ الْوَقْتُ سَرِيعًا دُونَ أَنْ يَشْعُرُوا، وَبَدَأَتِ الشَّمْسُ تَمِيلُ نَحْوَ الْغُرُوبِ، حَامِلَةً مَعَهَا نِهَايَةَ هَذَا الْيَوْمِ السَّاحِرِ. بَدَأَ الْآبَاءُ يَصِلُونَ لِاصْطِحَابِ بَنَاتِهِمْ، فَمَشَتِ الصَّدِيقَاتُ نَحْوَ الْبَابِ وَهُنَّ يَقُلْنَ: "شُكْرًا لَكِ يَا جَنَّات، لَقَدْ كَانَتْ حَفْلَةً مُذْهِلَةً!". لَوَّحَتْ لَهُنَّ جَنَّات بِيَدِهَا قَائِلَةً: "إِلَى اللِّقَاءِ غَدًا فِي الْمَدْرَسَةِ!".

عِنْدَمَا حَلَّ الْمَسَاءُ وَعَادَ الْهُدُوءُ إِلَى أَرْجَاءِ الْمَنْزِلِ، جَلَسَتْ جَنَّات فِي غُرْفَتِهَا تَتَأَمَّلُ هَدَايَاهَا وَتَسْتَعِيدُ ذِكْرَيَاتِ الْيَوْمِ. رَغْمَ أَنَّهَا شَعَرَتْ بِتَعَبٍ بَسِيطٍ جَرَّاءَ الرَّكْضِ وَاللَّعِبِ، إِلَّا أَنَّ قَلْبَهَا كَانَ مَلِيئًا بِالرِّضَا. نَظَرَتْ إِلَى نَفْسِهَا فِي الْمِرْآةِ وَهَمَسَتْ: "ثَمَانِي سَنَوَاتٍ.. إِنَّهُ حَقًّا عُمْرٌ رَائِعٌ!". ثُمَّ اسْتَسْلَمَتْ لِنَوْمٍ عَمِيقٍ وَهِيَ تَحْلُمُ بِمُغَامَرَاتٍ جَدِيدَةٍ تَنْتَظِرُهَا فِي عَامِهَا الْجَدِيدِ.

إرسال تعليق

أحدث أقدم