الأربعة الأذكياء
يحكى أنه في قديم الزمان، عاش رجل طيب القلب في بيت ريفي جميل، وكان له أربعة أبناء وهبهم الله ذكاء حادا وفطنة نادرة، إلا أنهم كانوا يعانون من مشكلة كبيرة، فقد كانوا يميلون إلى الكسل الشديد والاعتماد الكلي على والدهم في كل صغيرة وكبيرة. كبر الأبناء وأصبحوا فتيانًا أقوياء، لكن عاداتهم في التواكل لم تتغير، فكانوا يقضون نهارهم في الراحة دون تفكير في عمل أو مهنة. شعر الأب بالقلق الشديد على مستقبلهم، فهو يعلم أن الذكاء دون عمل واجتهاد، ودون اكتساب خبرات من واقع الحياة، لا ينفع صاحبه ولا يبني مستقبلا.
وفي ذات يوم، جمع الأب أبناءه الأربعة وقال لهم بصوت يملؤه الحنان والحزم في آن واحد، إن العمر يمضي سريعا ولم يعد يرى فيهم ملامح الرجال القادرين على تحمل المسؤولية، ولذلك قرر أن يرسلهم في رحلة طويلة يطوفون فيها حول العالم، ليتعلم كل واحد منهم كيف يعتمد على نفسه ويواجه مصاعب الحياة ويبني مستقبله بذراعه وعقله. استقبل الإخوة الأذكياء اقتراح والدهم بحماس كبير، فقد كانوا يتوقون لرؤية العالم واكتشاف ما وراء حدود قريتهم الصغيرة.
انطلق الإخوة في صباح يوم مشرق، وساروا معا حتى وصلوا إلى مفترق طرق يتفرع إلى أربعة اتجاهات مختلفة في ضواحي المدينة. وهنا وقف الأخ الأكبر وقال لإخوته إنه من الأفضل أن يسلك كل واحد منهم طريقا منفصلا، ليتعلم كيف يعيش وحيدا ويدافع عن نفسه ويحصل على رزقه بمجهوده الخاص، على أن يلتقوا في هذا المكان بعد سنوات. وافق الجميع، وانطلق كل واحد منهم في اتجاه يبحث عن قدره ومهنته.
الأخ الأول التقى في رحلته برجل غريب تبين أنه لص محترف، فتعلم منه بذكائه الشديد فنون التخفي والسرقة بمهارة فائقة بحيث لا يشعر به أحد. ورغم إتقانه لهذه المهارة، إلا أنه كان يعلم تماما أن السرقة جريمة أخلاقية وقانونية، ولم يكن ينوي استخدامها في الشر أبدا. أما الأخ الثاني فقد استقر في مدينة كبيرة والتحق بمحل لتعليم الحياكة، وهناك أذهل معلمه بذكائه في تفصيل الملابس بدقة متناهية، فأهداه المعلم عند رحيله إبرة مسحورة كجائزة له على تفوقه، متمنيا له التوفيق في هذه المهنة الشريفة.
الأخ الثالث قاده طريقه إلى عالم فلكي حكيم، فعمل معه بصبر واجتهاد لسنوات طويلة، تعلم خلالها كيف يراقب النجوم والأجرام السماوية، وفي نهاية رحلته أهداه الفلكي تلسكوبا عجيبا يمكنه من رؤية أدق التفاصيل من مسافات بعيدة جدا لم تبلغها عين إنسان. أما الأخ الرابع فقد عشق الصيد والرماية، فتدرب طويلا حتى أصبح صيادا بارعا لا يخطئ هدفه مهما كان صغيرا أو بعيدا، وفاز في إحدى المسابقات الكبرى ببندقية رائعة الصنع لا تخطئ الطلقة فيها أبدا.
مرت السنوات وعاد الإخوة الأربعة للقاء والدهم، الذي استقبلهم ببهجة وسرور. وبينما هم جالسون، سأل الأب ابنه الذي يملك التلسكوب أن يخبرهم عما يراه في الأفق البعيد وراء البحر الكبير. نظر الابن في تلسكوبه وتغيرت ملامحه فجأة وقال لوالده إنه يرى مشهدا محزنا، حيث توجد ابنة الملك أسيرة في جزيرة نائية، ويحرسها وحش بحري مخيف وعملاق يهدد حياتها في كل لحظة.
لم يتردد الإخوة الأربعة لحظة واحدة، بل ركبوا قاربا سريعا وانطلقوا في عرض البحر لإنقاذ الأميرة. وعندما وصلوا إلى الجزيرة، تسلل الأخ الذي تعلم فنون التخفي ببراعة مدهشة، واستطاع الوصول إلى الأميرة واختطافها من بين مخالب الوحش النائم دون أن يصدر أي صوت. وعندما استيقظ الوحش وطاردهم في الماء، قام الأخ الصياد بتوجيه بندقيته الرائعة وأطلق رصاصة واحدة أصابت قلب الوحش فخر صريعا في الحال.
وفي طريق العودة، هبت عاصفة مدمرة حطمت القارب وقسمته إلى نصفين، وكاد الجميع أن يغرق في الأمواج العالية. وهنا بادر الأخ الخياط بإخراج إبرته المسحورة، وبدأ يخيط أخشاب القارب المحطمة بسرعة خيالية وسط الرياح، حتى أعاد القارب كما كان متينا وقويا. وبفضل هذا التعاون المذهل، وصلوا جميعا بسلام إلى شاطئ المدينة، وسلموا الأميرة لوالدها الملك الذي كان يكاد يموت من الحزن.
فرح الملك بعودة ابنته فرحا عظيما، وأدرك أن كل واحد من الإخوة الأربعة كان له دور أساسي في هذا الإنقاذ، فمن دون التلسكوب ما عرفوا مكانها، ومن دون مهارة التخفي ما خلصوها، ومن دون الصياد ما قتلوا الوحش، ومن دون الخياط لغرقوا جميعا. وتقديرا لشجاعتهم وذكائهم، منح الملك كل واحد منهم جوائز سنية وهدايا قيمة، مكنتهم من بناء حياة كريمة وسعيدة مع والدهم الطيب، الذي فخر بأبنائه بعد أن أصبحوا رجالا يعتمدون على أنفسهم وينفعون مجتمعهم بمهاراتهم التي اكتسبوها بالجد والاجتهاد.