جَنَّاتَ وَالغِذاءِ المُفيدِ
كانَ يا ما كانَ، في قَديمِ الزَّمانِ، طِفْلَةٌ صَغيرَةٌ تُدْعى جَنَّات. كانَتْ جَنَّاتُ طِفْلَةً ذَكِيَّةً، لَكِنَّها كانَتْ تَمْلِكُ عادَةً غَريبَةً جِدّاً، فَقَدْ كانَتْ في مُعْظَمِ أَيَّامِها لا تَأْكُلُ إِلَّا الحَلْوى المُلَوَّنَةَ وَالبَطاطا المَقْلِيَّةَ. كُلَّما قَدَّمَتْ لَها أُمُّها صَحْناً مِنَ الخَضْراواتِ الطَّازَجَةِ، كانَتْ تَهـُزُّ رَأْسَها بِالرَّفْضِ، فَهِيَ لا تَتَناوَلُ أَبَداً أَيَّ نَوْعٍ مِنَ الخَضْراواتِ، مَهْما حاوَلَ الجَميعُ إِقْناعَها.
وفي أَحَدِ الأَيَّامِ، قُدِّمَ لَها صَحْنٌ مِنَ القُنَّبيطِ المُغَذِّي، فَمَا كانَ مِنْ جَنَّاتَ إِلَّا أَنْ رَمَتِ القُنَّبيطَ في المَغْسَلَةِ بَعيداً عَنِ الأَنْظارِ. وَلَمْ تَتَوَقَّفْ عِنْدَ هَذا الحَدِّ، بَلْ أَبَتْ أَنْ تَشْرَبَ الحَليبَ الأَبْيَضَ الَّذي يَبْني العِظامَ. كانَتْ جَنَّاتُ تَكْرَهُ البازِلاءَ الخَضْراءَ، وَالتُّفَّاحَ الأَحْمَرَ اللَّذيذَ، وَاللَّحْمَ، وَتُصِرُّ إِصْراراً عَجيباً عَلى أَنْ لا تَأْكُلَ إِلَّا الحَلْوى. وَالأَسْوَأُ مِنْ ذَلِكَ، أَنَّها كانَتْ غالِباً ما تُلْقي طَعامَها المُفيدَ في سَلَّةِ القُمامَةِ دُونَ أَنْ تَتَذَوَّقَهُ.
مَرَّتِ الأَيَّامُ، وَبَدأَ جِسْمُ جَنَّاتَ يَتَغَيَّرُ، فَقَدْ جَعَلَها هَذا الغِذاءُ غَيْرُ الصِّحِّيِّ نَحيفَةً جِدّاً، وَشاحِبَةَ اللَّوْنِ كَأَنَّها ذابِلَةٌ، وَالأَمْرُ المُحْزِنُ أَنَّ أَسْنانَها الصَّغيرَةَ راحَتْ تَتَساقَطُ واحِدَةً تِلْوَ الأُخْرى. وَفي لَيْلَةٍ مِنَ اللَّيالي، أَصابَها المَرَضُ الشَّديدُ، فَلَزِمَتْ سَريرَها وَهِيَ تَتَأَلَّمُ، وَلَمْ تَعُدْ قادِرَةً عَلى مُغادَرَةِ المَنْزِلِ لِتَلْعَبَ مَعَ صَديقاتِها كَما كانَتْ تَفْعَلُ.
وَمِنْ شِدَّةِ هُزالِ جَنَّاتَ وَضَعْفِها، أَصْبَحَتْ نَحيفَةً كَالعَصا، وَجَفَّ لِسانُها مِنَ التَّعَبِ، وَأُصيبَتْ بِالرَّشْحِ الدَّائِمِ، بَلْ وَضَعُفَ بَصَرُها أَيْضاً حَتَّى بَدَتْ عَيْناها مُتْعَبَتَيْنِ. شَعَرَتْ جَنَّاتُ بِحُزْنٍ عَميقٍ، وَراحَتْ تَأْسَفُ كَثيراً لأَنَّها لَمْ تَأْكُلِ اللَّحْمَ وَالخُبْزَ الَّذي يَمْنَحُ الطَّاقَةَ. وفي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، اتَّخَذَتْ جَنَّاتُ قَراراً شُجاعاً، فَعاهَدَتْ نَفْسَها أَنْ تَتَغَيَّرَ، وَأَنْ تَبْدَأَ بِأَكْلِ مُخْتَلِفِ أَنْواعِ الفاكِهَةِ اللَّذيذَةِ وَالخَضْراواتِ المُنَوَّعَةِ.
وَبِالفِعْلِ، بَدَأَتْ جَنَّاتُ تَأْكُلُ كَسائِرِ الطَّفَلاتِ السَّوِيَّاتِ، تَتَناوَلُ الجَزَرَ، وَالبُرْتُقالَ، وَاللَّحْمَ، وَتَشْرَبُ الحَليبَ كُلَّ صَباحٍ. وَبَعْدَ وَقْتٍ قَصيرٍ، عادَتْ إِلَيْها صِحَّتُها، وَجَعَلَها هَذا النِّظامُ الجَديدُ ذاتَ بُنْيَةٍ مَتينَةٍ، صَحيحَةً سَليمَةً، مَليئَةً بِالفَرَحِ وَالنَّشاطِ، وَعادَتْ تَجْري وَتَلْعَبُ مَعَ صَديقاتِها وَهِيَ في غايَةِ السَّعادَةِ.