ظَرِيفٌ وَالصَّيَّادُ

ظَرِيفٌ وَالصَّيَّادُ


فِي أَعْمَاقِ غَابَةٍ بَعِيدَةٍ كَثِيفَةِ الأَشْجَارِ، كَانَ يَعِيشُ قِرْدٌ صَغِيرٌ نَشِيطٌ يُدْعَى «ظَرِيف»، وَكَانَ ظَرِيفٌ يَمْتَازُ بِمَرَحِهِ الشَّدِيدِ وَعَلاقَاتِهِ الطَّيِّبَةِ مَعَ جَمِيعِ حَيَوَانَاتِ الغَابَةِ، فَقَدْ كَانَتْ لَهُ مَعَهُمْ قِصَصٌ وَحِكَايَاتٌ طَرِيفَةٌ، وَمُغَامَرَاتٌ عَجِيبَةٌ لَا تَنْتَهِي. وَلَكِنَّ ظَرِيفاً كَانَتْ لَهُ صِفَةٌ غَرِيبَةٌ، فَقَدْ كَانَ يُحِبُّ الطَّعَامَ حُبّاً جَمّاً، وَيَهْوَى أَنْ يَلْتَهِمَ كَمِّيَّاتٍ ضَخْمَةً مِنْهُ دَفْعَةً وَاحِدَةً دُونَ تَمَهُّلٍ، وَفِي كُلِّ مَرَّةٍ لَا يَجِدُ فِيهَا مَا يَأْكُلُهُ، كَانَ يَنْزَوِي وَيَجْلِسُ وَحِيداً حَزِيناً، يُغْمِضُ عَيْنَيْهِ وَيَسْرَحُ بِخَيَالِهِ لِيَتَصَوَّرَ أَمَامَهُ أَنْوَاعاً وَأَصْنَافاً شَهِيَّةً مِنَ المَأْكُولَاتِ الَّتِي يَتَمَنَّى الحُصُولَ عَلَيْهَا.

وَفِي أَحَدِ الأَيَّامِ، اسْتَيْقَظَ ظَرِيفٌ وَهُوَ يَشْعُرُ بِجُوعٍ قَارِصٍ يَعْتَصِرُ أَمْعَاءَهُ، فَبَحَثَ فِي زَوَايَا بَيْتِهِ الصَّغِيرِ فَلَمْ يَجِدْ فِيهِ شَيْئاً يُؤْكَلُ، فَقَرَّرَ أَنْ يَخْرُجَ لِيَتَمَشَّى فِي أَرْجَاءِ الغَابَةِ، لَعَلَّهُ يَعْثُرُ عَلَى مَا يَسُدُّ بِهِ رَمَقَهُ. مَشَى ظَرِيفٌ طَوِيلاً وَتَجَوَّلَ بَيْنَ الأَغْصَانِ وَالأَشْجَارِ، لَكِنَّ الحَظَّ لَمْ يُحَالِفْهُ هَذِهِ المَرَّةَ، فَلَمْ يَجِدْ ثِمَاراً نَاضِجَةً وَلَا بَقَايَا طَعَامٍ، فَشَعَرَ بِالتَّعَبِ وَقَرَّرَ أَنْ يَسْتَرِيحَ قَلِيلاً فِي ظِلِّ إِحْدَى الأَشْجَارِ العَالِيَةِ.

وَفِيمَا هُوَ جَالِسٌ، لَمَحَ مِنْ بَعِيدٍ صَيَّاداً يَقْتَرِبُ بِخُطىً ثَابِتَةٍ، وَكَانَ هَذَا الصَّيَّادُ يَحْمِلُ عَلَى كَتِفِهِ بُنْدُقِيَّةً كَبِيرَةً، وَيَمْسِكُ بِيَدِهِ حَقِيبَةً ضَخْمَةً يَبْدُو أَنَّهَا ثَقِيلَةٌ. لَمْ يَضِعْ ظَرِيفٌ الوَقْتَ، بَلْ تَسَلَّقَ الشَّجَرَةَ بِخِفَّةٍ وَسُرْعَةٍ وَاخْتَبَأَ بَيْنَ فُرُوعِهَا الكَثِيفَةِ وَأَوْرَاقِهَا العَرِيضَةِ، وَرَاحَ يَرْقُبُ الصَّيَّادَ بِحَذَرٍ وَهُوَ يَقْتَرِبُ أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ، حَتَّى وَصَلَ الصَّيَّادُ إِلَى نَفْسِ الشَّجَرَةِ الَّتِي يَخْتَبِئُ فَوْقَهَا ظَرِيفٌ ثُمَّ جَلَسَ لِيَسْتَرِيحَ فِي ظِلِّهَا.

كَانَ ظَرِيفٌ يُرَاقِبُ كُلَّ حَرَكَةٍ يَصْنَعُهَا الصَّيَّادُ، وَفَجْأَةً، فَتَحَ الصَّيَّادُ حَقِيبَتَهُ المَرْمِيَّةَ بِجَانِبِهِ، فَإِذَا بِهَا كَمِّيَّةٌ وَفِيرَةٌ مِنْ ثِمَارِ المَوْزِ الصَّفْرَاءِ الجَمِيلَةِ. بَدَأَ الصَّيَّادُ يَقْشِرُ المَوْزَ وَاحِدَةً تِلْوَ الأُخْرَى وَيَأْكُلُهَا بِتَلَذُّذٍ، وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، ازْدَادَ جُوعُ ظَرِيفٍ بِشَكْلٍ لَا يُوصَفُ، وَلَمْ يَعُدْ قَادِراً عَلَى الصَّبْرِ، فَالْمَوْزُ هُوَ طَعَامُهُ المُفَضَّلُ الَّذِي يَعْشَقُهُ. لَكِنَّهُ رَغْمَ ذَلِكَ بَقِيَ سَاكِناً فِي مَكَانِهِ لَا يَجْرُؤُ عَلَى الحَرَاكِ؛ خَوْفاً مِنْ أَنْ يَكْتَشِفَ الصَّيَّادُ أَمْرَهُ فَيُصَوِّبَ نَحْوَهُ بُنْدُقِيَّتَهُ الَّتِي لَا تُفَارِقُهُ.

بَعْدَ فَتْرَةٍ وَجِيزَةٍ، أَنْهَى الصَّيَّادُ اسْتِرَاحَتَهُ، فَقَامَ بِإِغْلَاقِ الحَقِيبَةِ بِإِحْكَامٍ، ثُمَّ بَحَثَ عَنْ مَكَانٍ لِيَضَعَهَا فِيهِ، فَوَجَدَ تَجْوِيفاً كَبِيراً فِي جِذْعِ الشَّجَرَةِ، فَأَخْفَى الحَقِيبَةَ دَاخِلَهُ، ثُمَّ حَمَلَ سِلَاحَهُ وَمَشَى مُبْتَعِداً حَتَّى اخْتَفَى عَنِ الأَنْظَارِ. بِمُجَرَّدِ أَنْ تَأَكَّدَ ظَرِيفٌ أَنَّ الصَّيَّادَ قَدْ غَادَرَ المَنْطِقَةَ تَمَاماً، هَبَطَ مِنَ الشَّجَرَةِ كَالسَّهْمِ، وَتَوَجَّهَ مُبَاشَرَةً إِلَى التَّجْوِيفِ، وَسَحَبَ الحَقِيبَةَ بِكُلِّ قُوَّتِهِ. جَلَسَ ظَرِيفٌ تَحْتَ الشَّجَرَةِ وَفَتَحَ الحَقِيبَةَ، لِيَجِدَهَا مَلِيئَةً بِمَوْزٍ كَثِيرٍ، فَغَمَرَتْهُ سَعَادَةٌ لَا تُوصَفُ، وَصَاحَ فِي نَفْسِهِ: "يَا لَكَ مِنْ مَحْظُوظٍ يَا ظَرِيفُ! لَقَدْ جَاءَكَ رِزْقُكَ المَحْبُوبُ إِلَى عِنْدِكَ دُونَ عَنَاءٍ".

رَاحَ ظَرِيفٌ يَلْتَهِمُ المَوْزَ بِنَهَمٍ شَدِيدٍ، وَيَأْكُلُ وَيَأْكُلُ حَتَّى شَعَرَ بِامْتِلَاءِ مَعِدَتِهِ وَالشَّبَعِ، وَرَغْمَ ذَلِكَ بَقِيَ فِي الحَقِيبَةِ مَوْزٌ كَثِيرٌ. هُنَا بَدَأَ ظَرِيفٌ يُفَكِّرُ: "مَاذَا أَفْعَلُ بِهَذَا المَوْزِ المُتَبَقِّي؟ هَلْ آخُذُهُ إِلَى بَيْتِي؟" لَكِنَّهُ سُرْعَانَ مَا رَفَضَ هَذِهِ الفِكْرَةَ؛ لأَنَّهُ خَافَ أَنْ يَرَاهُ إِخْوَتُهُ وَجِيرَانُهُ مِنَ القُرُودِ الجَائِعَةِ، فَيُقَاسِمُوهُ الطَّعَامَ وَلَا يَتْرُكُوا لَهُ شَيْئاً لِلْمُسْتَقْبَلِ. وَخَوفاً مِنَ الصَّيَّادِ أَيْضاً، قَرَّرَ أَنْ يَنْقُلَ الحَقِيبَةَ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ بَعِيدٍ عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ.

حَمَلَ ظَرِيفٌ الحَقِيبَةَ وَسَارَ بِهَا مَسَافَةً طَوِيلَةً فِي الغَابَةِ، حَتَّى وَجَدَ شَجَرَةً ضَخْمَةً أُخْرَى بِهَا تَجْوِيفٌ خَفِيٌّ، فَوَضَعَ فِيهِ كَنْزَهُ مِنَ المَوْزِ، وَعَادَ إِلَى بَيْتِهِ مُتَظَاهِراً بِالهُدُوءِ. وَعِنْدَمَا وَصَلَ، وَجَدَ إِخْوَتَهُ يَتَأَلَّمُونَ وَيَشْكُونَ مِنَ الجُوعِ، لَكِنَّ الأَنَانِيَّةَ عَمَتْ بَصِيرَتَهُ فَلَمْ يَهْتَمَّ لِحَالِهِمْ وَلَمْ يُخْبِرْهُمْ عَمَّا وَجَدَ. وَفِي صَبَاحِ اليَوْمِ التَّالِي، ذَهَبَ ظَرِيفٌ مُسْرِعاً إِلَى خَبِيئَتِهِ، وَأَخْرَجَ الحَقِيبَةَ، وَبَدَأَ يَأْكُلُ المَوْزَ بِكَمِّيَّاتٍ هَائِلَةٍ حَتَّى أَنْهَى عَلَى آخِرِ ثَمَرَةٍ فِيهَا.

وَلَمْ تَمْضِ سِوَى دَقَائِقَ مَعْدُودَةٍ، حَتَّى بَدَأَ ظَرِيفٌ يَشْعُرُ بِمَغَصٍ شَدِيدٍ وَآلَامٍ مُبَرِّحَةٍ فِي مَعِدَتِهِ بِسَبَبِ الإِفْرَاطِ فِي الأَكْلِ، فَزَحَفَ عَائِداً إِلَى بَيْتِهِ بِصُعُوبَةٍ بَالِغَةٍ. وَمَا إِنْ رَآهُ إِخْوَتُهُ وَجِيرَانُهُ فِي تِلْكَ الحَالَةِ، حَتَّى نَسُوا جُوعَهُمْ وَالْتَفُّوا حَوْلَهُ قَلِقِينَ، وَقَدَّمُوا لَهُ الأَدْوِيَةَ وَالأَعْشَابَ الطِّبِّيَّةَ، وَظَلُّوا بِجَانِبِهِ يَرْعَوْنَهُ حَتَّى زَالَ عَنْهُ الأَلَمُ وَتَحَسَّنَتْ صِحَّتُهُ. حِينَهَا، شَعَرَ ظَرِيفٌ بِخَجَلٍ شَدِيدٍ مِنْ نَفْسِهِ، وَأَدْرَكَ عِظَمَ خَطَئِهِ، فَقَالَ مُعَاهِداً نَفْسَهُ: "لَنْ أَعُودَ لِمِثْلِ هَذَا الفِعْلِ أَبَداً، فَلَنْ أَبْخَلَ عَلَى أَهْلِي وَجِيرَانِي بِمَا أَمْلِكُ، وَلَنْ أَكُونَ طَمَّاعاً آكُلُ فَوْقَ حَاجَتِي مَرَّةً أُخْرَى".

إرسال تعليق

أحدث أقدم