جلد الحمار
كان ياما كان في قديم الزمان، ملك عظيم يحكم دولة متسعة الأرجاء، يعيش في قصر مشيد ويحيط به الخدم والحراس من كل جانب.
وكانت زوجته الملكة سيدة في غاية الرقة والطيبة، تفتح قلبها قبل أبواب قصرها للفقراء والمحتاجين، فبادلها الشعب حبا بحب وطاعة بإخلاص.
ومن كثرة نبلها، قررت ملائكة الغابة أن تقدم لها مكافأة تليق بصفاتها الطيبة، وبعد مشاورات طويلة، استقر رأيهم على إهدائها حمارا سحريا عجيبا.
لم يكن هذا الحمار كغيره من الدواب، بل كان يترك لصاحبه في كل صباح كمية وفيرة من النقود الذهبية اللامعة في قاع الصندوق الذي يتناول فيه طعامه.
حين وصل رسول الملائكة بالهدية، غمرت الفرحة قلب الملك، وأصبح يذهب بنفسه كل فجر ليجمع الذهب الذي ينثره الحمار العجيب فوق أرض الحظيرة، حتى صار الملك بفضل هذا الحمار أغنى ملوك الأرض على الإطلاق.
مرت السنوات، وكبرت ابنة الملك الوحيدة لتصبح أميرة ساحرة الجمال، ذائعة الصيت بحسنها.
وعندما حان وقت زواجها، بدأ الملك يفكر في اختيار زوج يناسب مكانتها، فوقع اختياره على صديقه الأمير شحتوت، ليس لذكائه أو وسامته، فهو كان محروما من كل ميزات الجمال والفطنة، بل لأنه كان من أغنى أغنياء الأمراء.
صدمت الأميرة بهذا الاختيار، ورفضت الزواج من شحتوت، ولجأت باكية إلى ملاكها الحارس الذي يسمى ملاك الزواج لتشكو له ضيق حالها.
طمأنتها الملاك ووضعت لها حيلة ذكية قائلة: لكي لا يجبرك والدك على هذا الزواج، اطلبي منه جلد الحمار الذي يمنحه الذهب كهدية لزفافك، وبما أن والدك يعشق المال، فإنه سيتمسك بحماره السحري ويرفض طلبك، وبذلك تتخلصين من الأمير شحتوت.
لكن المفاجأة كانت في شدة حب الملك لابنته، إذ لم يتردد في التضحية بمصدر ثروته، فذبح الحمار وسلم جلدها للأميرة.
حينها تدخلت الملاك مرة أخرى وقالت للأميرة: الآن لم يعد أمامك إلا الهرب، تغطي بهذا الجلد حتى لا يعرفك أحد، واخرجي من هذه المملكة بعيدا، وسأكون معك دائما في الوقت المناسب.
غادرت الأميرة القصر متنكرة بجلد الحمار القذر، وظلت تمشي أياما طويلة حتى وصلت إلى مزرعة نائية.
طلبت من صاحبة المزرعة عملا، فوافقت السيدة على مضض وسمحت لها بالعمل في رعاية الحيوانات والنوم في الحظيرة، وعندما سألتها عن اسمها، أجابت الأميرة بحزن: اسمي جلد الحمار.
صارت الأميرة تقضي أيامها في الأعمال الشاقة وتنظيف الحظائر، حتى بات الجميع يظنونها فتاة بسيطة وفقيرة.
لكنها في كل صباح باكر، كانت تذهب إلى الجبل بجوار النهر، فتخلع ذلك الجلد القبيح وتغتسل، ثم تسرح شعرها الذهبي الطويل الذي ينسدل على كتفيها كخيوط الشمس.
وفي أحد الأيام، رآها أمير شاب من بعيد وهي على تلك الحالة من الجمال الفائق، فانبهر بحسنها وسأل صاحبة المزرعة عنها، فأخبرته أنها مجرد فتاة تعمل في رعاية الماشية وتدعى جلد الحمار.
لم يصدق الأمير قلبه، وظل يراقبها حتى أيقن أنها ليست مجرد راعية.
اقترب الأمير منها وحادثها بطلف، ودعاها لزيارة قصر والده الملك.
وفي تلك اللحظة، ظهرت ملاك الزواج لتساعد الأميرة، فحول لباسها القديم إلى ثوب رائع من الحرير المرصع بالأحجار الكريمة، وأخبرتها أن والدها لم يعد مصرا على زواجها من شحتوت، وأنه سيفرح بزواجها من هذا الأمير الشاب الذي يستحقها.
غمرت السعادة قلب الأميرة والأمير، وعادت معه إلى قصر والدها الذي استقبلها بالأحضان معلنا موافقته على زفافهما.
أقيمت الأفراح والاحتفالات لمدة سبعة أيام بلياليها في أرجاء المملكتين، وعاش الزوجان في هناء ووفاء، يحكمان بالعدل والمحبة، ويضرب بهما المثل في السعادة والوفاء بالعهود.