حيلة الذكاء في وادي الأمان

حيلة الذكاء في وادي الأمان

كانت الغابة الخضراء تنام وتصحو على أنغام زقزقة العصافير وحفيف الأشجار، حيث تعيش الحيوانات في وئام تام، ترعى الغزلان في المروج الواسعة، وتقفز الأرانب فوق الأعشاب الندية، بينما تراقب الزرافات الأفق من بعيد.

لكن هذا السلام لم يدم طويلا، إذ اقتحم الغابة أسد ضخم لم يعرف قلبه الرحمة، فاتخذ من عرينه مركزا للرعب، وصار يطارد الصغير والكبير حتى خيم الحزن على كل بيت وشجر، وأصبحت الحيوانات تخشى الخروج من جحورها بحثا عن الطعام.

اجتمعت الحيوانات ذات ليلة تحت ضوء القمر، وكانت ترتجف من الخوف، فقالت الزرافة وهي تنظر بأسى إلى صغارها إن الغابة لم تعد آمنة وعلينا الرحيل والبحث عن موطن جديد، بينما اقترح الغزال أن يقدموا تنازلا مريرا للأسد مقابل أن يعيش البقية في هدوء، بأن يرسلوا له طريدة يومية بمحض إرادتهم.

وفي وسط ذلك الزحام، وقف أرنب صغير ذو أذنين طويلتين وعينين لامعتين بذكاء، وقال بصوت واثق إن القوة ليست في العضلات دائما، بل في العقل الذي يدبر ويفكر، ونحن نستطيع هزيمته بالحيلة، لكن الحيوانات ضحكت من كلامه، وتساءلت كيف لمخلوق ضعيف مثله أن يقف في وجه ملك الغابة المهيب؟

اتفق الجميع على قرعة يومية تختار فريسة تذهب للأسد، ومرت الأيام والقلوب تعتصر ألما على الرفاق الذين يرحلون ولا يعودون، حتى جاء اليوم الذي وقع فيه الاختيار على الأرنب الصغير.

ودع الأرنب أصدقاءه بابتسامة غامضة، وطلب منهم ألا يقلقوا، ثم انطلق يسير نحو عرين الأسد ببطء شديد، متعمدا التوقف عند كل زهرة وشجرة، حتى انتصف النهار واشتد الجوع بالأسد فصار يزأر زئيرا هز أركان الغابة من شدة الغضب.

وصل الأرنب أخيرا إلى العرين، فاستقبله الأسد بغضب عارم صائحا بكيف يجرؤون على إرسال لقمة صغيرة مثلك؟ بل وكيف تتأخر على ملكك وقد كاد الجوع يفتك بي؟ تظاهر الأرنب بالرعب الشديد، وحنى رأسه قائلا إن الحيوانات أرسلت معي أرنبا آخر سمينا ليكون وجبة تليق بمقامك العالي، لكن في الطريق خرج لنا أسد عملاق يدعي أنه الملك الحقيقي لهذه الغابة، فخطف زميلي وحبسني في مغارة، وهدد بأنه سيقتلك ويفترسك إذا اقتربت من منطقته.

اشتعلت النيران في عيني الأسد، وصاح بجهل وغرور أنه لا ملك غيره في هذه الأرض، وأمر الأرنب أن يقوده فورا إلى ذلك المعتدي ليريَه من هو الأقوى.

سار الأرنب بمكر أمام الأسد حتى وصلا إلى بئر قديمة عميقة مليئة بالماء الصافي، وأشار بيده إلى فوهتها قائلا إن الأسد المغرور يختبئ في الداخل مع فريستك السمينة وهو يراقبنا الآن.

انحنى الأسد فوق حافة البئر، فرأى انعكاس صورته في الماء، وبجانبه انعكاس الأرنب، فظن بجهله أن هذا هو خصمه اللدود ومعه الأرنب المختطف الذي كان ينتظره.

لم يفكر الأسد للحظة، بل أطلق زئيرا مدويا ردده صدى البئر بقوة، مما جعله يظن أن الخصم يتحدى زئيره، فقفز بكل ثقله داخل الماء ليصارع عدوه الوهمي.

غاص الأسد في أعماق البئر ولم يستطع الخروج منها بسبب عمقها وجدرانها الملساء، بينما وقف الأرنب في الأعلى يتنفس الصعداء ويشكر الله على نجاح خطته.

عاد الأرنب إلى الغابة بخطوات واثقة ومنتصب القامة، وما إن رآه أصدقاؤه حتى غمرتهم الدهشة، فحكى لهم كيف استدرج الغرور صاحبه إلى الهاوية، وكيف أن الحيلة غلبت القوة الصماء.

ومنذ ذلك اليوم، تعلمت حيوانات الغابة أن الشجاعة لا تقاس بحجم الجسد، بل بقدرة العقل على مواجهة الصعاب، وعاشوا جميعا في أمان وحرية بفضل حكمة الأرنب الذي صار زعيما ومستشارا لهم في كل الأمور.

إرسال تعليق

أحدث أقدم