قردون مجنون

قردون مجنون

في قلب غابة خضراء شاسعة، حيث تتشابك أغصان الأشجار العملاقة وتنساب الجداول الرقراقة، كان يعيش قرد صغير يدعى قردون.

لم يكن قردون مجرد قرد عادي، بل كان شعلة من النشاط والفضول الذي لا يهدأ، يقضي نهاره في الركض والقفز بين الأغصان المرتفعة تحت أنظار أمه التي كانت تحبه وترعاه بعطف وحنان.

وفي صباح يوم مشرق، صعد قردون إلى قمة شجرة شاهقة تطل على ضفاف النهر، وبينما كان يستمتع بمنظر المياه المتلألئة تحت أشعة الشمس، لمح سلحفاة صغيرة تزحف ببطء وثبات فوق الرمال الناعمة على الشاطئ.

اشتعل فضول قردون وقرر أن يقلدها في كل حركاتها، فنزل من الشجرة مسرعا وبدأ يمشي خلفها بزهو حتى غمرت قدماه مياه النهر.

لم يدرك قردون الخطر إلا عندما بدأ مستوى الماء يرتفع ويغمر جسده الصغير، حينها اكتشف بمرارة أنه لا يتقن فن السباحة كما تفعل السلحفاة، فبدأ يتخبط ويصارع الأمواج بذعر شديد وهو يصرخ بأعلى صوته طالبا النجدة.

سمعت الأم صراخ ابنها المذعور، فهبت لإنقاذه كالسهم، تقفز من غصن إلى غصن ببراعة حتى وصلت إلى حافة النهر، وبسرعة بديهة ألقت إليه جذع شجرة قويا ليتمسك به، فسحبه التيار برفق حتى وصل إلى اليابسة وهو يرتجف من الخوف.

هناك، جلست الأم بجانب قردون ونظرت إليه بعتاب ممزوج بالحب، وسألته عن سبب مخاطرته بنفسه وهو لا يجيد السباحة، فأطرق قردون برأسه خجلا واعترف بأنه أراد تقليد السلحفاة.

تنهدت الأم وقالت له بحكمة إن الله سبحانه وتعالى خلق الحيوانات مختلفة في أشكالها وطباعها وقدراتها، فلكل كائن طريقة في الحياة تناسبه وتختلف عن غيره، وحذرته بشدة من أن تقليد الآخرين دون تفكير قد يعرضه لأذى كبير.

لم تمر سوى أيام قليلة حتى عاد قردون إلى طبعه القديم، فبينما كان يجلس على فرع شجرة يتناول موزة شهية، رأى طائرا جميلا يحط على غصن مقابل. راقب قردون الطائر وهو يغرد ثم يفرد جناحيه الملونين ويحلق في الفضاء الواسع بكل خفة ورشاقة، فاشتعلت في قلبه رغبة التقليد مرة أخرى.

فرد قردون ذراعيه الصغيرتين وقفز من فوق الشجرة العالية ظنا منه أنه سيطير، لكنه سقط بقوة على الأرض الصلبة، مما أدى إلى إصابة يديه ورجليه بجروح وكدمات مؤلمة.

جاءت الأم لتجده يتألم، فذكرته بنصيحتها السابقة وأوضحت له أن الطيور تملك أجنحة قوية وأجساما خفيفة مهيأة للطيران، وهو ما لا يملكه القرد الذي خلقه الله ليتسلق الأشجار.

استمر قردون لفترة من الزمن يتذكر آلامه كلما فكر في تقليد أحد، فكان يتراجع خوفا من الإصابة، ولكن ما إن شفي تماما وعادت إليه قوته، حتى بدأ ينسى نصائح أمه من جديد. وفي أحد الأيام، دخل الغابة نجار يحمل معه أدوات كثيرة، وبدأ يقطع بعض الأشجار لصناعة الأخشاب.

كان قردون يراقب النجار من فوق شجرة قريبة وهو في غاية الدهشة، يتابعه وهو يستخدم المنشار الحاد بمهارة لشق جذع ضخم إلى ألواح طويلة، وشاهده وهو يضع وتدا خشبيا صغيرا في وسط الشق ليفصل بين قطعتي الخشب ويسهل عملية النشر.

عندما نال التعب من النجار، ترك المنشار واللوح الذي كان مشقوقا من المنتصف والوتد في مكانه، وذهب ليرتاح تحت ظل شجرة بعيدة.

استغل قردون غياب النجار ونزل مسرعا ليجرب هذه اللعبة الجديدة، فأمسك المنشار وبدأ يحركه يمنة ويسرة مقلدا حركات النجار بدقة، ولكنه في زحمة حماسه وطيشه لم ينتبه إلى أن ذيله الطويل قد تدلى داخل ذلك الشق المفتوح في الخشب.

وفي لحظة من عدم المبالاة، قام قردون بنزع الوتد الذي كان يباعد بين طرفي اللوح، فانطبق الخشب بقوة هائلة على ذيله الصغير.

صرخ قردون صرخة مدوية هزت أركان الغابة من شدة الألم، فقد تسبب هذا التصرف المتهور بقطع جزء كبير من ذيله الجميل.

ومنذ ذلك الحين، عاش قردون بنصف ذيل فقط، وأصبح هذا النقص علامة دائمة تذكره بثمن التقليد الأعمى، فصار كلما هم بتقليد فعل لا يناسبه، نظر إلى ذيله المبتور وتذكر ما جرى له، فامتنع عن ذلك ولم يعد يقلد أحدا أبدا.

إرسال تعليق

أحدث أقدم