الأرنبة الكسلانة

الأرنبة الكسلانة

في قديم الزمان، وفي غابة خضراء واسعة تسطع فيها الشمس بخيوطها الذهبية، كانت تعيش أرنبة صغيرة غريبة الأطوار.

وبينما كان جميع سكان الغابة يستيقظون مع زقزقة العصافير الأولى، كانت بطلتنا الأرنبة تغط في نوم عميق، ولا تفتح عينيها إلا وقد انتصف النهار.

في أحد الأيام، استيقظت وهي تتمطى وتتثاءب بكسل شديد، قائلة لنفسها إن الكسل والنوم هما أجمل ما في الحياة.

خرجت الأرنبة من بيتها الصغير لتجد الغابة تضج بالحيوية والنشاط.

رأت السنجاب الصغير وهو يقفز ببراعة بين الأغصان، يجمع القش والأخشاب ليبني بيتاً آمناً فوق الشجرة.

وفي مكان قريب، كان الفيل الضخم يحمل في خرطومه الطويل كميات من الماء، ويرشها برفق فوق الزروع العطشى، والابتسامة لا تفارق وجهه من السعادة والسرور.

ولم يكن القنفذ ببعيد عنهما، فقد كان يحفر الأرض بجد واجتهاد ليزرع بذوراً جديدة.

نظرت الأرنبة إليهم باستغراب، وتساءلت في نفسها عن سبب كل هذا التعب والعناء.

قالت بسخرية: لماذا يعمل هؤلاء؟ وما الفائدة من ضياع الوقت في العمل؟ فأنا أحصل على طعامي من ثمار الغابة الجاهزة دون أن أرهق نفسي.

ثم وصفت جيرانها المجتهدين بالأغبياء لأنهم لا يقدرون قيمة الراحة كما تفعل هي.

لاحظت الأرنبة أن جيرانها بدأوا يتجاهلونها، فلا أحد يلقي عليها التحية أو يتوقف ليتحدث معها بسبب كسلها الدائم.

شعرت بالعطش فتوجهت نحو البحيرة الصافية.

هناك، وجدت البطة تسبح في الماء وتدرب صغارها على العوم بمهارة. سألتها الأرنبة: لماذا ترهقين صغارك بهذه الدروس؟.

فأجابتها البطة بحزم: أنا أعلمهم العمل والسباحة منذ الصغر، حتى يعتمدوا على أنفسهم ولا يصبحوا كسالى مثلك.

شعرت الأرنبة بالغضب من كلمات البطة، فابتعدت عنها وهي تبرطم بكلمات غير مفهومة.

وأثناء سيرها، رأت شجرة كبيرة مثمرة تتدلى منها أشهى الثمار.

وقفت أمامها وقالت: وأنت أيتها الشجرة، لماذا تتعبين نفسك في إنتاج كل هذه الثمار، وفي النهاية يأتي الآخرون ويأخذونها منك ببساطة؟.

ردت الشجرة بصوت هادئ ومطمئن: هذا هو قدري ومهمتي في الحياة، فأنا أعمل وأثمر لكي أعطي الآخرين.

وأضافت وهي ترفع أغصانها للسماء: هكذا خلقني الله، وأنا أشكر الله دائماً على عطائه الكبير ونعمه الكثيرة التي لا تعد.

ازداد غضب الأرنبة لأنها لا تملك في قلبها حب الخير والعطاء مثل الشجرة.

واصلت سيرها حتى وصلت إلى ضفة النهر، فرأت الثعلب يمسك بصنارته ويحاول صيد السمك بتركيز شديد.

سألته بدهشة: حتى أنت يا ثعلب تعمل؟. فأجابها الثعلب: نعم، أنا أعمل بجد في الصيد لأحصل على طعامي بكرامة.

عادت الأرنبة وهي تفكر في حالها، فالجميع في هذه الغابة لديهم عمل وهدف، وهي الوحيدة التي لا تفعل شيئاً.

ومع ذلك، عنادها جعلها تقول: أنا لا أحب العمل ولا أريد أن أتعلم شيئاً، سأعود لبيتي وأنام.

لكن الجوع بدأ يقرص معدتها، فأرادت أن تأكل ثمرة من شجرة التفاح التي مرت بها.

وعندما مدت يدها لتأخذ الثمرة، فاجأتها الشجرة بقولها: لن أستطيع أن أعطيك من ثماري دون مقابل.

صرخت الأرنبة: لكنني جائعة جداً!.

أصرت الشجرة على موقفها وقالت: لا بد من المقابل، فالطعام لمن يعمل.

سألت الأرنبة بيأس: وما هو المقابل الذي تطلبينه؟.

أجابت الشجرة: خذي هذا الدلو، واملئيه بالماء من البحيرة واسقي جذوري العطشى. لم تجد الأرنبة مفراً من الموافقة، فأخذت الدلو وذهبت إلى البحيرة.

وبسبب عدم خبرتها وقلة مهارتها، اختل توازنها وسقطت في الماء العميق.

بدأت الأرنبة تصرخ وتتخبط، فهي لا تعرف السباحة وكادت أن تغرق.

وفي تلك اللحظة الحرجة، لم تتخل عنها البطة، بل أسرعت إليها وانتشلتها من الماء وأنقذت حياتها.

شعرت الأرنبة بخجل شديد من نفسها، وشكرت البطة بحرارة، ثم عادت بسرعة لتكمل مهمتها، فملأت الدلو وسقت الشجرة كما وعدت.

عندها، ابتسمت الشجرة وقدمت لها أشهى الثمار. أكلت الأرنبة وهي تشعر بسعادة غامرة لم تذقها من قبل، وقالت بصوت مرتفع: ما أجمل العمل!

وما أعظم أن يتعلم المرء مهارات جديدة!. وأدركت أخيراً أنه يجب على كل كائن أن يكون له عمل يؤديه، لكي يشعر بقيمته ويسعد في حياته ويخدم مجتمعه.

إرسال تعليق

أحدث أقدم