جَنَاتُ وَالأُخْتُ الصُّغْرَى جُمَانَةُ

جَنَاتُ وَالأُخْتُ الصُّغْرَى جُمَانَةُ

فِي صَبَاحِ يَوْمِ عُطْلَةٍ جَمِيلٍ، فَتَحَتِ الطِّفْلَةُ الصَّغِيرَةُ "جَنَاتُ" نَافِذَةَ غُرْفَتِهَا، فَاسْتَقْبَلَتْهَا أَشِعَّةُ الشَّمْسِ الذَّهَبِيَّةِ الْمُشْرِقَةِ وَنَسَمَاتُ الْهَوَاءِ الدَّافِئَةِ. غَمَرَتِ السَّعَادَةُ قَلْبَهَا وَهِيَ تُرَتِّبُ سَرِيرَهَا بِحَمَاسٍ، فَقَدْ تَعَوَّدَتْ أَنْ تَصْطَحِبَهَا أُمُّهَا فِي مِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ إِلَى الْحَدِيقَةِ الْعَامَّةِ لِلَّعِبِ، أَوْ لِزِيَارَةِ بَيْتِ جَدِّهَا وَجَدَّتِهَا الْغَالِيَيْنِ.

أَسْرَعَتْ جَنَاتُ إِلَى أُمِّهَا، وَقَبَّلَتْهَا قَائِلَةً: "صَبَاحُ الْخَيْرِ يَا أُمِّي! إِلَى أَيْنَ سَنَذْهَبُ الْيَوْمَ؟ هَلْ سَنَمْرَحُ فِي الْحَدِيقَةِ أَمْ نَزُورُ جَدِّي وَجَدَّتِي؟". لَكِنَّ الْأُمَّ ابْتَسَمَتْ بِرِقَّةٍ وَبَدَا عَلَيْهَا الْإِعْيَاءُ، ثُمَّ قَالَتْ بَصَوْتٍ هَادِئٍ: "أَنَا مُتْعَبَةٌ الْيَوْمَ يَا جَنَاتُ، وَلَنْ أَسْتَطِيعَ الْخُرُوجَ مِنَ الْمَنْزِلِ".

شَعَرَتْ جَنَاتُ بِقَلِيلٍ مِنَ الْحُزْنِ فِي الْبِدَايَةِ، لَكِنَّهَا سُرْعَانَ مَا بَدَأَتْ تُفَكِّرُ فِي كَلَامِ أُمِّهَا. لَاحَظَتْ أَنَّ أُمَّهَا تَنَامُ كَثِيرًا وَتَشْعُرُ بِالثِّقَلِ، فَأَدْرَكَتْ أَنَّ تَعَبَ الْحَمْلِ هُوَ السَّبَبُ. قَالَتْ فِي نَفْسِهَا بِنُضْجٍ: "لَا بُدَّ أَنْ أُسَاعِدَهَا وَأَلَّا أَكُونَ عِبْئًا عَلَيْهَا"، تَعْمَلُ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا).

عِنْدَمَا جَاءَ الْمَسَاءُ، ذَهَبَتْ جَنَاتُ إِلَى أَبِيهَا وَعَلَامَاتُ الْقَلَقِ تَبْدُو عَلَى وَجْهِهَا، وَقَالَتْ لَهُ: "يَا أَبِي، أَنَا حَزِينَةٌ جِدًّا لِأَجْلِ أُمِّي، فَهِيَ تَبْدُو مَرِيضَةً وَأَظُنُّ أَنَّهَا تَحْتَاجُ إِلَى طَبِيبٍ؟". ضَحِكَ الْأَبُ بِحَنَانٍ وَطَمْأَنَهَا قَائِلًا: "لَا يَا حَبِيبَتِي، وَلَكِنَّ الْحَمْلَ يُسَبِّبُ لِلْمَرْأَةِ التَّعَبَ وَبَعْضَ الآلَامِ". ثُمَّ ذَكَّرَهَا بِالآيَةِ الْكَرِيمَةِ: (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ)، وَشَرَحَ لَهَا أَنَّ ذَلِكَ يَعْنِي أَنَّ الأُمَّ تُعَانِي مِنَ الضَّعْفِ أَثْناءَ الْحَمْلِ، وَتَتَحَمَّلُ مِنَ الآلَامِ الشَّيْءَ الْكَثِيرَ، لِذَلِكَ عَلَيْهَا مُسَاعَدَتُهَا وَالْوُقُوفُ بِجَانِبِهَا دَوْمًا.

انْطَلَقَتْ جَنَاتُ نَحْوَ أُمِّهَا وَعَانَقَتْهَا بِقُوَّةٍ وَهِيَ تُقَبِّلُهَا وَتَقُولُ: "أُحِبُّكِ يَا أُمِّي كَثِيرًا! مَتَى سَتُولَدُ أُخْتِي جُمَانَةُ؟". "إِنَّنِي مُشْتَاقَةٌ لِرُؤْيَتِهَا وَحَمْلِهَا بَيْنَ يَدَيَّ، وَأَعِدُكِ أَنْ أُحِبَّهَا كَثِيرًا وَأَنْ أُسَاعِدَكِ فِي الْعِنَايَةِ بِهَا". رَدَّتِ الْأُمُّ بِسَعَادَةٍ: "أَنَا مُتَأَكِّدَةٌ أَنَّهَا سَتَكُونُ جَمِيلَةً وَلَطِيفَةً مِثْلَكِ".

مَرَّتِ الأَيَّامُ وَجَنَاتُ تَنْتَظِرُ بِفَارِغِ الصَّبْرِ، وَتَحْلُمُ بِالْيَوْمِ الَّذِي سَتَرَى فِيهِ وَجْهَ أُخْتِهَا. كَانَتْ تُفَكِّرُ دَائِمًا: "هَلْ سَتُشْبِهُنِي؟ هَلْ سَتُحِبُّنِي كَمَا أُحِبُّهَا؟". وَقَرَّرَتْ أَنَّهُمَا سَتَكُونَانِ أَفْضَلَ أُخْتَيْنِ فِي الْعَالَمِ. وَفِي يَوْمٍ مِنَ الأَيَّامِ، عَادَتْ جَنَاتُ مِنَ الْمَدْرَسَةِ لِتَجِدَ جَدَّهَا فِي انْتِظَارِهَا، فَسَأَلَتْهُ: "أَيْنَ أُمِّي يَا جَدِّي؟". أَخْبَرَهَا الْجَدُّ بِبُشْرَى سَارَّةٍ: "سَتَعُودُ أُمُّكِ فِي الْمَسَاءِ وَمَعَهَا أُخْتُكِ الصَّغِيرَةُ، فَتَعَالَيْ نَنْتَظِرُهُمْ وَنَدْعُو لَهُمْ بِالسَّلَامَةِ".

حِينَ حَلَّ الْمَسَاءُ، قُرِعَ الْبَابُ، فَهَبَّتْ جَنَاتُ لِتَفْتَحَهُ وَفِي قَلْبِهَا سَعَادَةٌ غَامِرَةٌ. رَأَتْ وَالِدَهَا يَحْمِلُ لُفَافَةً صَغِيرَةً بَيْنَ يَدَيْهِ، فَتَطَاوَلَتْ لِتَنْظُرَ مَا بِدَاخِلِهَا وَقَلْبُهَا يَخْفِقُ فَرَحًا. وَإِذَا بِوَجْهِ صَغِيرِ الْمَلَامِحِ، وَرْدِيِّ اللَّوْنِ، مُغْمَضِ الْعَيْنَيْنِ. قَالَتْ جَنَاتُ: "سُبْحَانَ اللهِ! اسْمَحْ لِي بِحَمْلِهَا يَا أَبِي، أُرِيدُ أَنْ أُخْبِرَهَا كَمْ أَنَا مُتَلَهِّفَةٌ لِلِقَائِهَا وَكَمْ أُحِبُّهَا".

قَبَّلَتْ جَنَاتُ وَالِدَتَهَا بِحَرَارَةٍ وَهَنَّأَتْهَا بِالسَّلَامَةِ، ثُمَّ قَالَتْ بِحَمَاسٍ: "الآنَ أَصْبَحَ لَدَيَّ مَنْ يُشَارِكُنِي مُغَامَرَاتِي وَأَلْعَابِي! كَمْ هِيَ حُلْوَةٌ وَصَغِيرَةٌ جُمَانَةُ الْحَبِيبَةُ". وَهَكَذَا، تَعَلَّمَتْ جَنَاتُ أَنَّ أَعْظَمَ الْبِرِّ هُوَ طَاعَةُ الْوَالِدَيْنِ وَمَحَبَّةُ الإِخْوَةِ الصِّغَارِ وَرِعَايَتُهُمْ.


إرسال تعليق

أحدث أقدم