جَنَّاتُ فِي الْمُنْتَزَه

جَنَّاتُ فِي الْمُنْتَزَه

​فِي يَوْمٍ مُشْرِقٍ بَدَتْ فِيهِ الشَّمْسُ دَافِئَةً وَالسَّمَاءُ صَافِيَةً، قَرَّرَتْ جَنَّاتُ أَنْ تَقْضِيَ وَقْتًا مُمْتِعًا فِي الْمُنْتَزَه بَصُحْبَةِ أَصْدِقَائِهَا الصِّغَار. عِنْدَ بَوَّابَةِ الْمُنْتَزَه، أَلْقَتْ جَنَّاتُ التَّحِيَّةَ عَلَى الْحَارِسِ السَّيِّدِ خَالِد بِلُطْفٍ قَائِلَةً: «صَبَاحُ الْخَيْرِ يَا سَيِّد خَالِد!»، فَأَجَابَهَا بِمَوَدَّةٍ: «أَهْلًا بِكُم يَا أَطْفَال، اسْتَمْتِعُوا بِوَقْتِكُم، وَلَكِنْ إِيَّاكُم أَنْ تَقْطِفُوا الْأَزْهَارَ أَوْ تُؤْذُوهَا». وَعَدَتْهُ جَنَّاتُ بِذَلِكَ، ثُمَّ انْطَلَقَ الْأَطْفَالُ يَرْكُضُونَ بَيْنَ الْمَسَاحَاتِ الْخَضْرَاءِ الشَّاسِعَةِ حَيْثُ لَا صَخَبَ لِلْمِتْرُو وَلَا ضَجِيجَ لِلسَّيَّارَاتِ، بَلْ هُدُوءٌ يَجْعَلُ الْمَكَانَ يَبْدُو كَأَنَّهُ فِي الرِّيفِ الْجَمِيل.

​كَانَ الْمُنْتَزَه يَنْبِضُ بِالْحَيَاةِ؛ هُنَاكَ رِجَالٌ يَقْرَؤُونَ الصُّحُفَ عَلَى الْمَقَاعِدِ الْخَشَبِيَّةِ، وَنِسَاءٌ يَتَبَادَلْنَ أَطْرَافَ الْحَدِيثِ تَحْتَ مِظَلَّاتِهِنَّ، بَيْنَمَا كَانَ الْبُسْتَانِيُّ يَعْتَنِي بِالنَّبَاتَاتِ، وَالرَّسَّامُ يَنْقُلُ جَمَالَ الطَّبِيعَةِ عَلَى لَوْحَتِهِ. فَجْأَةً، سَمِعَ الْأطْفَالُ خَرِيرَ الْمِيَاهِ، فَهَرَعُوا نَحْوَ الشَّلَّالِ الصَّغِيرِ حَيْثُ تَرْتَطِمُ الْمِيَاهُ بِالصُّخُورِ. اقْتَرَحَتْ جَنَّاتُ أَنْ يَخْلَعُوا أَحْذِيَتَهُم لِيَبْتَلَّتْ أَقْدَامُهُم بِمَائِهِ الْبَارِد، وَبَدَأَ الْأَوْلَادُ يَتَسَلَّقُونَ الصُّخُورَ وَيَتَصَايَحُونَ فَرَحًا: «انْظُرُوا! نَحْنُ الْآنَ بِارْتِفَاعِ الْأَشْجَارِ!».

​وَبَيْنَمَا كَانَتْ جَنَّاتُ تَتَأَمَّلُ الشَّلَّالَ، سَمِعَتْ صَوْتَ «دِرِن، دِرِن...»؛ لَقَدْ كَانَ بَقِيَّةُ الْأَصْدِقَاءِ يَتَسَابَقُونَ بِدَرَّاجَاتِهِمْ ثُلَاثِيَّةِ الْعَجَلَاتِ حَوْلَ مَنَصَّةِ الْمُوسِيقَى. تَنَافَسَتْ نُورُ وَثَوَابَةُ بِقُوَّةٍ لِلْوُصُولِ إِلَى خَطِّ النِّهَايَةِ وَسْطَ تَشْجِيعِ الْفَتَيَاتِ. ثُمَّ اتَّجَهُوا جَمِيعًا نَحْوَ الْبُحَيْرَةِ لِمُشَاهَدَةِ الْأَسْمَاكِ الذَّهَبِيَّةِ وَهِيَ تَمْرَحُ وَتَخْتَبِئُ بَيْنَ الْأَعْشَابِ الْمَائِيَّةِ، حَتَّى أَنَّ جَنَّاتُ أَلْقَتْ لَهَا بَعْضَ قِطَعِ الْبَسْكُوتِ، لَكِنَّ صَوْتَ آلَةِ قَصِّ الْعُشْبِ أَخَافَ الْأَسْمَاكَ فَجَعَلَهَا تَغُوصُ بَعِيدًا.

​جَلَسَتْ جَنَّاتُ بَعْدَ ذَلِكَ مَعَ صَدِيقَاتِهَا عَلَى مَقْعَدٍ طَوِيلٍ؛ إِحْدَاهُنَّ كَانَتْ تَغْزِلُ الصُّوفَ، وَالْأُخْرَى تَلْعَبُ بِدُمْيَتِهَا الْجَمِيلَةِ «بِيبِي» الَّتِي تُغْمِضُ عَيْنَيْهَا عِنْدَ النَّوْمِ. فِي تِلْكَ الْأَثْنَاءِ، كَانَ الْأَطْفَالُ عِنْدَ الْحَوْضِ الْكَبِيرِ يُطْلِقُونَ سُفُنَهُمُ الشِّرَاعِيَّةَ وَقَوَارِبَهُمُ السَّرِيعَةَ، وَهُمْ يَحْلُمُونَ بِمُغَامَرَاتٍ بَحْرِيَّةٍ كَبِيرَةٍ. لَمْ يَغِبِ الْبَجَعُ الْأَبْيَضُ الْوَقُورُ عَنِ الْمَشْهَدِ، فَقَدْ كَانَ يَسْبَحُ بِكِبْرِيَاءٍ، بَيْنَمَا كَانَ كَلْبُ جَنَّاتُ الصَّغِيرُ «رُوكِي» يَنْظُرُ إِلَيْهِ بِتَعَجُّبٍ، وَالْحَمَامُ يَمْلأُ الْجَوَّ بِهَدِيلِهِ وَيَحُطُّ عَلَى الْأَرْضِ كَأَنَّهُ نَدِيفُ الثَّلْجِ.

​لَمْ تَنْتَهِ الْمُغَامَرَةُ عِنْدَ هَذَا الْحَدِّ، بَلْ رَكِبَ الْأطْفَالُ فِي مَرْكَبٍ صَغِيرٍ لِيَجْدِفُوا فِي مِيَاهِ الْبُحَيْرَةِ الْهَادِئَةِ، ثُمَّ قَامُوا بِجَوْلَةٍ رَائِعَةٍ فِي عَرَبَةٍ يَجُرُّهَا حِمَارٌ وَمُهْرٌ صَغِيرٌ تُزَيِّنُ عُنُقَهُ أَجْرَاسٌ تُرِنُّ بِنَغَمٍ شَجِيٍّ. وَبَعْدَ ذَلِكَ، انْطَلَقُوا إِلَى مَنْطِقَةِ الرِّمَالِ لِيَبْنُوا الْقِلَاعَ وَيَحْفِرُوا الْخَنَادِقَ، ثُمَّ تَسَابَقُوا نَحْوَ الْأُرْجُوحَةِ وَالْمُنْزَلَقِ حَيْثُ تَعَالَتْ ضِحْكَاتُهُم وَهُمْ يَنْدَفِعُونَ لِلْأَسْفَلِ بِسُرْعَةٍ مَرِحَةٍ.

​وَمَعَ اقْتِرَابِ السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ، هَرَعَ الْجَمِيعُ لِحُضُورِ عَرْضِ مَسْرَحِ الْعَرَائِسِ، فَجَلَسُوا بِحَمَاسٍ أَمَامَ السِّتَارِ بَعْدَ سَمَاعِ دَقَّاتِهِ الثَّلَاثِ. وَفِي نِهَايَةِ هَذَا الْيَوْمِ الطَّوِيلِ، وَمَعَ بِدَايَةِ غُرُوبِ الشَّمْسِ، جَاءَ وَالِدَا جَنَّاتُ لِيَفْرَحَا مَعَهَا، فَجَلَسُوا جَمِيعًا فِي مَقْهَى الْمُنْتَزَه تَحْتَ الْمِظَلَّاتِ الْمُلَوَّنَةِ يَتَنَاوَلُونَ الْمُرَطَّبَاتِ وَالْمُثَلَّجَاتِ بِنَكْهَةِ الْفَانِيلْيَا، لِيَخْتَتِمُوا هَذَا الْيَوْمَ السَّعِيدَ بِذِكْرَيَاتٍ لَا تُنْسَى.

إرسال تعليق

أحدث أقدم