جَنَّاتُ فِي المِهْرَجَانِ
فِي كُلِّ عَامٍ، تَزْدَانُ مَدِينَةُ جَنَّاتُ بِأَلْوَانِ البَهْجَةِ حِينَمَا يَأْتِي المِهْرَجَانُ لِيَسْتَقِرَّ فِي سَاحَةِ السُّوقِ الكَبِيرَةِ. تَصِلُ الشَّاحِنَاتُ الضَّخْمَةُ مُحَمَّلَةً بِأَنْوَاعٍ شَتَّى مِنَ الآلَاتِ العَجِيبَةِ؛ فَهِيَ تَنْقُلُ السَّيَّارَاتِ الصَّغِيرَةَ، وَالطَّائِرَاتِ، وَالأَرَاجِيحَ المُلَوَّنَةَ، لِيَكُونَ ذَلِكَ اليَوْمُ أَجْمَلَ أَيَّامِ السَّنَةِ عَلَى الإِطْلَاقِ. وَفِي صَبَاحِ يَوْمِ الأَحَدِ، انْطَلَقَتْ جَنَّاتُ مَعَ صَدِيقَتِهَا نُور وَكَلْبِهَا الوَفِيِّ "رُوكِي" إِلَى أَرْضِ المِهْرَجَانِ، وَقَدْ غَمَرَتْهُمْ سَعَادَةٌ لَا تُوصَفُ. كَانَتِ الأَلْعَابُ تَدُورُ فِي كُلِّ مَكَانٍ؛ فَخُيُولُ المُرَجِيحِ الخَشَبِيَّةِ تَرْتَفِعُ وَتَنْخَفِضُ بِأَعْرَافِهَا البَيْضَاءِ النَّاصِعَةِ وَسُرُوجِهَا الجَدِيدَةِ، بَيْنَمَا تَبْدُو الخَنَازِيرُ الخَشَبِيَّةُ بِذُيُولِهَا المَلْتَوِيَةِ فَخُورَةً بِنَفْسِهَا وَهِيَ تُطَارِدُ البَطَّ فِي دَوَرَانٍ مُسْتَمِرٍّ لَا يَنْقَطِعُ.
جَرَّبَتْ جَنَّاتُ رُكُوبَ الأَرَاجِيحِ العَالِيَةِ، فَشَعَرَتْ كَأَنَّهَا فَرَاشَةٌ خَفِيفَةٌ تُحَلِّقُ فِي الفَضَاءِ. كَانَ النَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهَا وَهِيَ تَرْتَفِعُ عَالِيًا، بَيْنَمَا فَتَحَ الكَلْبُ "رُوكِي" عَيْنَيْهِ بِدَهْشَةٍ كَبِيرَةٍ، ظَانًّا أَنَّهُ سَيَطِيرُ فَوْقَ العَرَبَاتِ المُتَنَقِّلَةِ. ثُمَّ انْتَقَلُوا إِلَى "قَصْرِ الضَّحِكِ"، حَيْثُ الدُّخُولُ مَجَّانِيٌّ لِلأَطْفَالِ. هُنَاكَ، وَقَفَ الجَمِيعُ يَضْحَكُونَ أَمَامَ المَرَايَا العَجِيبَةِ؛ فَقَدْ رأى "رُوكِي" نَفْسَهُ فِي المِرْآةِ بَدِينًا كَالكُرَةِ، حَتَّى خُيِّلَ إِلَيْهِمْ أَنَّهُ سَيَنْفَجِرُ مِنَ السِّمْنَةِ، مِمَّا جَعَلَ المَشْهَدَ مُضْحِكًا لِلْغَايَةِ.
وَلَمْ تَنْتَهِ المُفَاجَآتُ عِنْدَ هَذَا الحَدِّ، بَلْ قَدَّمَ لَهُمْ السَّيِّدُ "أَحْمَد" عَرْضًا فَرِيدًا لِفِئْرَانِهِ البَيْضَاءِ الثَّلَاثَةِ المُطِيعَةِ. دَعَا السَّيِّدُ جَنَّاتُ لِلِاقْتِرَابِ وَوَضَعَ الفِئْرَانَ فِي قُبَّعَتِهِ، مُحَذِّرًا إِيَّاهَا بِمَزَاحٍ أَنْ يَنْقَضَّ عَلَيْهَا كَلْبُهَا. بَعْدَ ذَلِكَ، تَجَوَّلَتِ الصَّدِيقَتَانِ فِي مَمَرَّاتِ المِهْرَجَانِ، حَيْثُ انْتَشَرَتْ رَائِحَةُ الشَّهِيَّاتِ؛ مِنْ فَطَائِرِ التُّفَّاحِ وَاللَّوْزِ المُحَمَّصِ الَّذِي يُعِدُّهُ السَّيِّدُ "حَسَن". اشْتَرَتْ جَنَّاتُ بَعْضَ الفَطَائِرِ وَحَلْوَى "غَزْلِ البَنَاتِ" الهَشَّةِ المَلْفُوفَةِ عَلَى عُودٍ خَشَبِيٍّ.
تَابَعُوا رِحْلَتَهُمْ لِيَجِدُوا أَلْعَابَ المَهَارَةِ، حَيْثُ تَعَلَّمَتْ جَنَّاتُ "لُعْبَةَ التَّصْوِيبِ" بِكُرَاتِ نِشَارَةِ الخَشَبِ عَلَى رُؤُوسِ المُهَرِّجِينَ. أَمَّا نُور، فَقَدْ جَرَّبَتْ حَظَّهَا فِي مَيْدَانِ الرِّمَايَةِ بِبُنْدُقِيَّةٍ صَغِيرَةٍ، وَنَجَحَتْ فِي إِصَابَةِ الأَهْدَافِ بَيْنَمَا كَانَ يُشَجِّعُهَا صَاحِبُ اللَّعْبَةِ. وَلَا تِكْتَمِلُ الرِّحْلَةُ دُونَ قِيَادَةِ السَّيَّارَاتِ الِاصْطِدَامِيَّةِ؛ فَقَدْ رَكِبَتْ جَنَّاتُ وَنُور سَيَّارَةً حَمْرَاءَ، وَانْطَلَقَتَا بِسُرْعَةٍ وَهُمَا تُمَازِحَانِ بَعْضَهُمَا حَوْلَ مَسَافَةِ الطَّرِيقِ وَكَمِّيَّةِ الوَقُودِ.
وَمِنْ بَيْنِ كُلِّ الأَلْعَابِ، كَانَ رُكُوبُ الطَّائِرَةِ الصَّغِيرَةِ مُمَيَّزًا جِدًّا لِجَنَّاتُ وَكَلْبِهَا، فَقَدْ كَانَتْ مُنَاسِبَةً لِحَجْمِهِمَا وَآمِنَةً تَمَامًا. تَخَيَّلَ "رُوكِي" نَفْسَهُ طَيَّارًا شُجَاعًا يَعْبُرُ المُحِيطَاتِ وَيُحَلِّقُ بَيْنَ النُّجُومِ الَّتِي تَخْتَبِئُ نَهَارًا. كَمَا كَانَ لِجَنَّاتُ نَصِيبٌ مِنَ الحَظِّ السَّعِيدِ حِينَ اشْتَرَتْ تِذْكَرَةَ يَانَصِيبٍ، فَفَازَتْ بِدُمْيَةِ فِيلٍ ضَخْمٍ ذِي أُذُنَيْنِ كَبِيرَتَيْنِ. وَرَغْمَ أَنَّ قِرْدًا شَقِيًّا فِي حَدِيقَةِ الحَيَوَانِ المُصَغَّرَةِ خَطَفَ قُبَّعَتَهَا وَوَضَعَهَا عَلَى رَأْسِهِ، إِلَّا أَنَّ المَوْقِفَ كَانَ مُسَلِّيًا جَعَلَ الجَمِيعَ يَضْحَكُونَ.
قَبْلَ النِّهَايَةِ، رَكِبَتْ جَنَّاتُ "سْكُوتَر" جَمِيلًا فِي دَوَّارَةٍ جَدِيدَةٍ، ثُمَّ تَوَجَّهُوا لِاسْتِمَاعِ عَزْفِ الفِرْقَةِ المُوسِيقِيَّةِ الَّتِي مَلَأَتِ الأَجْوَاءَ بِأَلْحَانِ السَّاكْسِفُونِ وَالطُّبُولِ. اشْتَرَتْ جَنَّاتُ بَالُونَاتٍ مُلَوَّنَةً، وَحَرَصَتْ أَلَّا تَطِيرَ مِنْ يَدِهَا. وَمَعَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، حَانَ وَقْتُ العَوْدَةِ، فَالْتَقَطُوا صُورَةً تِذْكَارِيَّةً لِتَكُونَ شَاهِدًا عَلَى هَذَا اليَوْمِ الرَّائِعِ الَّذِي كَانَ أَجْمَلَ بِكَثِيرٍ مِنْ رِحْلَةِ العَامِ المَاضِي. عَادَ الأَصْدِقَاءُ إِلَى دِيَارِهِمْ وَفِي جُعْبَتِهِمْ قِصَصٌ كَثِيرَةٌ لِيَحْكُوهَا لِرِفَاقِهِمْ فِي المَدْرَسَةِ.