جَنّاتُ وَالْجَارَةُ الْغَرِيبَةُ

جَنّاتُ وَالْجَارَةُ الْغَرِيبَةُ

كَانَتِ الطِّفْلَةُ الذَّكِيَّةُ جَنَّاتُ تَعِيشُ فِي مَنْزِلٍ جَمِيلٍ مَعَ أُخْتِهَا الصَّغِيرَةِ وَكَلْبِهِمَا النَّشِيطِ رُوكِي، وَفِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ، اخْتَفَى رُوكِي فَجْأَةً وَلَمْ يَجِدْ لَهُ أَثَرٌ. شَعَرَتْ جَنَّاتُ بِالْقَلَقِ الشَّدِيدِ، وَأَخْبَرَتْهَا صَدِيقَتُهَا أَنَّ الْجَارَةَ الْجَدِيدَةَ الَّتِي تُدْعَى "سِيكْلَامِينَ" هِيَ السَّبَبُ، فَهِيَ امْرَأَةٌ غَرِيبَةُ الْأَطْوَارِ، تَمْتَلِكُ شَعْرًا أَصْفَرَ بِمِحْوَرٍ بُرْتُقَالِيٍّ، وَتَضَعُ أَلْوَانًا صَارِخَةً عَلَى عَيْنَيْهَا، وَيُشَاعُ أَنَّهَا سَاحِرَةٌ تَأْكُلُ حَسَاءَ الْقَرِيصِ وَتُحِبُّ الضَّفَادِعَ. خَافَتْ جَنَّاتُ كَثِيرًا وَبَدَأَتْ تَرَى كَوَابِيسَ فِي نَوْمِهَا، لَكِنَّ حُبَّهَا لِرُوكِي جَعَلَهَا تَقْرَرُ الذَّهَابَ إِلَى مَنْزِلِ تِلْكَ الْجَارَةِ لِلْبَحْثِ عَنْهُ.

فِي الْيَوْمِ التَّالِي، تَسَلَّلَتْ جَنَّاتُ مَعَ أُخْتِهَا الصَّغِيرَةِ نَحْوَ مَنْزِلِ الْجَارَةِ، وَكَانَتْ قُلُوبُهُمَا تَنْبِضُ بِشِدَّةٍ. وَجَدَتَا بَابَ الْحَدِيقَةِ مَفْتُوحًا، فَدَخَلَتَا بِحَذَرٍ وَأَخَذَتَا تَنْظُرَانِ عَبْرَ النَّوَافِذِ، ثُمَّ دَلَفَتَا إِلَى الدَّاخِلِ. كَانَ الْمَنْزِلُ مَلِيئًا بِأَشْيَاءَ مُخِيفَةٍ؛ بَبَّغَاءٌ مَحْنُوطٌ يُرَاقِبُهُمَا، وَرَائِحَةٌ غَرِيبَةٌ فِي الْمَمَرَّاتِ، وَحَتَّى فِي الْحَمَّامِ ظَنَّتَا أَنَّهُمَا رَأَتَا تِمْسَاحًا، لَكِنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ مُجَرَّدُ مِنْشَفَةٍ خَضْرَاءَ سَاقِطَةٍ. وَاصَلَتَا الْبَحْثَ حَتَّى وَصَلَتَا إِلَى الْمَطْبَخِ، وَهُنَاكَ رَأَتَا قِدْرًا كَبِيرًا مِنَ النُّحَاسِ يَغْلِي فِيهِ شَيْءٌ أَخْضَرُ مُرِيبٌ، فَظَنَّتَا أَنَّ السَّاحِرَةَ تَصْنَعُ وَصْفَةً لِتَحْوِيلِ النَّاسِ إِلَى حَشَرَاتٍ.

فَجْأَةً، ظَهَرَ ظِلٌّ طَوِيلٌ خَلْفَهُمَا، وَصَرَخَتِ الْجَارَةُ بِصَوْتٍ عَالٍ: "مَاذَا تَفْعَلَانِ هُنَا؟". ارْتَعَدَتِ الْفَتَاتَانِ مِنَ الْخَوْفِ، وَاعْتَذَرَتْ جَنَّاتُ بِأَدَبٍ قَائِلَةً إِنَّهُمَا تَبْحَثَانِ عَنْ كَلْبِهِمَا رُوكِي. أَمْسَكَتِ الْجَارَةُ بِجَنَّاتٍ وَقَدَّمَتْ لَهَا مِلْعَقَةً مِنَ السَّائِلِ الْأَخْضَرِ وَأَمَرَتْهَا بِتَذَوُّقِهِ، وَإِلَّا حَوَّلَتْهَا إِلَى ضِفْدَعَةٍ!. بَلَعَتْ جَنَّاتُ رِيقَهَا وَتَذَوَّقَتِ السَّائِلَ بِشَجَاعَةٍ، لِتَكْتَشِفَ أَنَّ طَعْمَهُ لَذِيذٌ جِدًّا مِثْلَ مُرَبَّى الْخَوْخِ.

ضَحِكَتِ الْجَارَةُ طَوِيلًا وَقَالَتْ: "هَلْ تَعْتَقِدَانِ أَنَّ سَاحِرَةً حَقِيقِيَّةً تَصْنَعُ مُرَبًّى شَهِيًّا كَهَذَا؟". ثُمَّ أَخَذَتْهُمَا إِلَى غُرْفَةٍ مُجَاوِرَةٍ وَأَرَتْهُمَا مُلْصَقًا كَبِيرًا لَهَا مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ: "سِيكْلَامِينَ، السَّاحِرَةُ الْمُفَضَّلَةُ لَدَى الْأَطْفَالِ.. عَرْضٌ مَسْرَحِيٌّ لَا يُفَوَّتُ". فَهِمَتْ جَنَّاتُ حِينَئِذٍ أَنَّ الْجَارَةَ مُمَثِّلَةٌ تَتَدَرَّبُ عَلَى دَوْرِهَا فِي الْمَسْرَحِ. اعْتَذَرَتِ الْجَارَةُ عَنْ تَصَرُّفِهَا وَأَعْطَتْ جَنَّاتَ مَرَاكِبَ مِنَ الْمُرَبَّى لَهَا وَلِأُخْتِهَا. وَعِنْدَمَا عَادَتَا إِلَى الْمَنْزِلِ، وَجَدَتَا رُوكِي يَنْتَظِرُهُمَا عِنْدَ الْبَابِ، فَقَدْ كَانَ يَلْعَبُ بَعِيدًا، وَتَعَلَّمَتْ جَنَّاتُ أَنْ لَا تَحْكُمَ عَلَى الْآخَرِينَ مِنَ الْإِشَاعَاتِ أَوْ مَظَاهِرِهِمُ الْغَرِيبَةِ.


إرسال تعليق

أحدث أقدم