جُمَانَةُ تُحِبُّ أَنْ تَكُونَ طَبِيبَةً
فِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ، شَعَرَتِ الطِّفْلَةُ الصَّغِيرَةُ جُمَانَةُ بِتَعَبٍ شَدِيدٍ، فَحَمَلَتْهَا أُمُّهَا الحَنُونُ إِلَى طَبِيبِ الْأَطْفَالِ. انْتَظَرَتْ جُمَانَةُ مَعَ أُمِّهَا فِي الْعِيَادَةِ بِصَبْرٍ، وَرَاقَبَتِ المَكَانَ مِنْ حَوْلِهَا حَتَّى حَانَ دَوْرُهُمَا لِمُقَابَلَةِ الطَّبِيبِ.
دَخَلَتْ جُمَانَةُ وَأُمُّهَا إِلَى مَكْتَبِ الطَّبِيبِ، فَاسْتَقْبَلَهُمَا بِوَجْهٍ مُبْتَسِمٍ وَرَحَّبَ بِهِمَا أَجْمَلَ تَرْحِيبٍ. اسْتَمَعَ الطَّبِيبُ بِرِفْقٍ إِلَى شَكْوَى جُمَانَةَ، ثُمَّ أَرْقَدَهَا عَلَى فِرَاشٍ خَاصٍّ وَبَدَأَ يَفْحَصُهَا بِدِقَّةٍ. بَعْدَ ذَلِكَ، كَتَبَ لَهَا وَصْفَةَ الدَّوَاءِ الَّتِي سَتُسَاعِدُهَا، وَتَمَنَّى لَهَا الشِّفَاءَ العَاجِلَ.
خِلَالَ عَمَلِيَّةِ الْفَحْصِ، كَانَتْ جُمَانَةُ تُتَابِعُ كُلَّ حَرَكَةٍ يَقُومُ بِهَا الطَّبِيبُ بِنَظَرَاتٍ مَلِيئَةٍ بِالْإِعْجَابِ وَالتَّقْدِيرِ. وَعِنْدَمَا عَادَتْ إِلَى المَنْزِلِ، ظَلَّتْ تَتَحَدَّثُ بِحَمَاسٍ مَعَ أَبِيهَا وَأُمِّهَا عَنِ الطَّبِيبِ وَعَنْ كُلِّ مَا فَعَلَهُ لِتَحْسُنَ صِحَّتُهَا.
تَنَاوَلَتْ جُمَانَةُ الدَّوَاءَ الَّذِي وَصَفَهُ لَهَا الطَّبِيبُ بِانْتِظَامٍ، وَبَعْدَ مُرُورِ أُسْبُوعٍ وَاحِدٍ، مَنَّ اللهُ عَلَيْهَا بِالشِّفَاءِ. عَادَتْ جُمَانَةُ كَمَا كَانَتْ، طِفْلَةً سَلِيمَةً، قَوِيَّةً، وَنَشِيطَةً تُحِبُّ اللَّعِبَ وَالْمَرَحَ.
وَفِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ، بَيْنَمَا كَانَتْ عَائِلَتُهَا تَجْلِسُ فِي هُدُوءٍ دَاخِلَ قَاعَةِ الِاسْتِقْبَالِ، فَاجَأَتْهُمْ جُمَانَةُ بِخُرُوجِهَا مِنْ غُرْفَتِهَا وَهِيَ تَرْتَدِي مَلَابِسَ مُتَنَكِّرَةً. لَقَدْ كَانَتْ تَلْبَسُ مِيدَعَةَ أُمِّهَا الْبَيْضَاءَ الَّتِي كَانَتْ طَوِيلَةً جِدًّا عَلَيْهَا، وَتَضَعُ نَظَّارَةَ أَبِيهِ الذَّهَبِيَّةَ عَلَى وَجْهِهَا الصَّغِيرِ. كَمَا حَمَلَتْ فِي يَدِهَا مِحْفَظَةَ أُخْتِهَا جَنَّاتَ، وَأَخَذَتْ تَمْشِي بِتَمَهُّلٍ وَهِيَ تَتَعَثَّرُ قَلِيلًا فِي تِلْكَ المِيدَعَةِ الَّتِي كَانَتْ تَنْجَرُّ وَرَاءَهَا عَلَى الْأَرْضِ.
وَقَفَتْ جُمَانَةُ أَمَامَ أَهْلِهَا بِكُلِّ جِدِّيَّةٍ وَقَالَتْ: "لَقَدْ جِئْتُ لِأَفْحَصَ مَرِيضًا عِنْدَكُمْ، فَأَيُّكُمُ الْمَرِيضُ؟". مَا إِنْ سَمِعَتِ الْعَائِلَةُ قَوْلَهَا وَرَأَوْا مَنْظَرَهَا اللَّطِيفَ حَتَّى ضَحِكُوا جَمِيعًا مِنْ أَعْمَاقِ قُلُوبِهِمْ.
سَأَلَتِ الْأُمُّ بِلُطْفٍ: "لِمَاذَا فَعَلْتِ هَذَا بِنَفْسِكِ يَا جُمَانَةُ؟". فَأَجَابَتِ الصَّغِيرَةُ بِكُلِّ ثِقَةٍ: "أُرِيدُ أَنْ أَكُونَ طَبِيبَةً مِثْلَ الطَّبِيبِ الَّذِي عَالَجَنِي". لَقَدْ كَانَ حُلْمًا جَمِيلًا بَدَأَ يَنْبُتُ فِي قَلْبِهَا الصَّغِيرِ لِتُصْبِحَ يَوْمًا مَا طَبِيبَةً تُدَاوِي النَّاسَ.