التفاحة الكاذبة وعاقبة الغرور
فِي حَقْلِ البُسْتَانِيِّ الطَّيِّبِ العَمِّ مَكِيّ، كَانَتْ هُنَاكَ تُفَّاحَةٌ حَمْرَاءُ جَمِيلَةٌ تَلْمَعُ بَيْنَ الأَغْصَانِ. وَفِي يَوْمٍ مِنَ الأَيَّامِ، بَيْنَمَا كَانَتِ التُّفَّاحَةُ تَتَمَايَلُ مَعَ النَّسِيمِ، سَمِعَتِ الفَلَّاحَ يَتَحَدَّثُ وَهُوَ جَالِسٌ يَسْتَرِيحُ تَحْتَ ظِلِّ الشَّجَرَةِ. قَالَ العَمُّ مَكِيّ: "كُلَّمَا بَقِيَتِ الفَوَاكِهُ فِي المَخْزَنِ، سَتَنْضَجُ وَتَحْلُو أَكْثَرَ، وَسَيَأْكُلُهَا النَّاسُ بِنَهَمٍ وَوَلَعٍ شَدِيدَيْنِ".
عِنْدَمَا أَدْرَكَتِ التُّفَّاحَةُ هَذَا الأَمْرَ، مَلأَ الغُرُورُ قَلْبَهَا الصَّغِيرَ، وَقَرَّرَتْ أَنْ تَبْقَى لِمُدَّةٍ أَطْوَلَ فِي المَخْزَنِ، حَتَّى تُصْبِحَ أَحْلَى تُفَّاحَةٍ فِي العَالَمِ وَيَتَهَافَتَ النَّاسُ عَلَى أَكْلِهَا. وَحَانَ مَوْعِدُ اقْتِطَافِ الثِّمَارِ، فَوَدَّعَتْ كُلُّ التُّفَّاحَاتِ الشَّجَرَةَ الأُمَّ بِحُزْنٍ وَأَمَلٍ. جَمَعَ العَمُّ مَكِيّ التُّفَّاحَاتِ بِرِفْقٍ وَوَضَعَهُنَّ فِي سَلَّةٍ كَبِيرَةٍ، ثُمَّ اتَّجَهَ بِهِنَّ نَحْوَ مَخْزَنِ الأَحْلَامِ.
بَدَأَ العَمُّ مَكِيّ يَعْمَلُ لَيْلًا وَنَهَارًا، كَانَ يَخْتَارُ الثِّمَارَ بِعِنَايَةٍ فَائِقَةٍ، فَيَضَعُ بَعْضَهَا فِي سَلَّةٍ مُمَيَّزَةٍ، وَبَعْضَهَا الآخَرَ فِي سَلَّةٍ ثَانِيَةٍ، أَمَّا الثِّمَارُ الذَّابِلَةُ فَقَدْ كَانَ يَرْمِيهَا فِي حَاوِيَةِ القُمَامَةِ. وَكُلَّمَا كَانَ العَمُّ مَكِيّ يَقْتَرِبُ مِنَ التُّفَّاحَةِ الحَمْرَاءِ، كَانَتْ تُخْفِي نَفْسَهَا وَتَتَدَحْرَجُ إِلَى جَانِبٍ آخَرَ حَتَّى لَا يَرَاهَا.
وَفِي أَحَدِ الأَيَّامِ، رَأَتِ التُّفَّاحَةُ القِطَّةَ مُشْمِشَة تَدْخُلُ المَخْزَنَ لِتَلْعَبَ وَتَبْحَثَ عَنْ طَعَامٍ بَيْنَ الفَوَاكِهِ. فَكَرَّتِ التُّفَّاحَةُ فِي حِيلَةٍ لِتَبْتَعِدَ أَكْثَرَ عَنْ أَنْظَارِ الفَلَّاحِ، وَقَرَّرَتْ أَنْ تَكْذِبَ عَلَى القِطَّةِ مُشْمِشَة لِتُقْنِعَهَا بِمُسَاعَدَتِهَا. نَادَتِ التُّفَّاحَةُ: "أَيَّتُهَا القِطَّةُ الجَمِيلَةُ، اقْتَرِبِي". سَمِعَتْهَا مُشْمِشَة وَقَالَتْ: "مِيَاو مِيَاو! مَنِ الَّتِي نَادَتْنِي؟".
اقْتَرَبَتْ مُشْمِشَة مِنَ التُّفَّاحَةِ، فَادَّعَتِ التُّفَّاحَةُ بِمَكْرٍ أَنَّهَا لَا تُحِبُّ البَشَرَ وَلَا تُرِيدُ أَنْ يَأْكُلُوهَا لِأَنَّهُمْ مُزْعِجُونَ. انْدَهَشَتِ القِطَّةُ لِأَنَّهَا لَمْ تَسْمَعْ قَطُّ عَنْ فَاكِهَةٍ تَكْرَهُ البَشَرَ. لَكِنَّهَا صَدَّقَتِ الكِذْبَةَ وَقَالَتْ: "إِذَنْ فَلَدَيْنَا أَفْكَارٌ مُتَشَابِهَةٌ". طَلَبَتِ التُّفَّاحَةُ مِنَ القِطَّةِ أَنْ تُخْفِيَهَا عَنْ أَنْظَارِهِمْ، فَمَسَكَتْهَا مُشْمِشَة بِرِجْلِهَا وَدَحْرَجَتْهَا خَلْفَ السَّلَّةِ الكَبِيرَةِ جِدًّا حَيْثُ لَا يَرَاهَا أَحَدٌ.
مَرَّتْ أَيَّامٌ كَثِيرَةٌ، وَالتُّفَّاحَةُ الحَمْرَاءُ مُخْتَبِئَةٌ فِي الظَّلَامِ، وَبَدَأَتْ تَشْعُرُ بِحَلَاوَةٍ تَزْدَادُ فِي دَاخِلِهَا، وَرَأَتْ لَوْنَهَا يَتَحَوَّلُ إِلَى احْمِرَارٍ شَدِيدٍ. لَكِنَّ الفَرَحَةَ لَمْ تَدُمْ؛ فَمَعَ مُرُورِ مَزِيدٍ مِنَ الوَقْتِ، بَدَأَتْ دُودَةٌ صَغِيرَةٌ تَنْقُرُ قِشْرَتَهَا، فَتَغَيَّرَ لَوْنُهَا إِلَى السَّوَادِ وَفَاحَتْ مِنْهَا رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ. رَأَتْهَا بَقِيَّةُ التُّفَّاحَاتِ وَقَالَتْ: "يَا لَهَا مِنْ رَائِحَةٍ سَيِّئَةٍ، دَعُونَا نَبْتَعِدْ عَنْهَا".
حَزِنَتِ التُّفَّاحَةُ الكَاذِبَةُ وَحَاوَلَتِ التَّدَحْرُجَ بَعِيدًا عَنْهُنَّ خَجَلًا. وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، مَرَّ العَمُّ مَكِيّ وَقَالَ: "مَاذَا تَفْعَلُ هَذِهِ التُّفَّاحَةُ الذَّابِلَةُ هُنَا؟". أَمْسَكَهَا بِرِفْقٍ وَرَمَاهَا فِي حَاوِيَةِ القُمَامَةِ. سَقَطَتِ التُّفَّاحَةُ وَهِيَ تَتَذَكَّرُ كُلَّ مَا كَذَبَتْ بِهِ عَلَى القِطَّةِ مُشْمِشَة، وَرَنَّتْ فِي أُذُنِهَا حِكْمَةُ البُومَةِ الحَكِيمَةِ: "الكَذِبُ شَيْنٌ وَلَا عَاقِبَةَ خَيْرٍ لِلكَاذِبِينَ".