لَنْ أُخْفِيَ شَيْئًا عَنْ أُمِّي

لَنْ أُخْفِيَ شَيْئًا عَنْ أُمِّي

كَانَ هُنَاكَ طِفْلٌ صَغِيرٌ وَذَكِيٌّ يُدْعَى جَمَالًا، يَبْلُغُ مِنَ العُمْرِ سِتَّ سَنَوَاتٍ. يَعِيشُ جَمَالٌ مَعَ أُمِّهِ الحَنُونَةِ فِي مَنْزِلٍ صَغِيرٍ جَمِيلٍ يُحِيطُ بِهِ الدِّفْءُ وَالأَمَانُ. وَفِي كُلِّ يَوْمٍ، كَانَ جَمَالٌ يَقْضِي أَوْقَاتًا مُمْتِعَةً فِي حَدِيقَةِ المَنْزِلِ الَّتِي تَمْتَلِئُ بِالزُّهُورِ المُلَوَّنَةِ وَالفَوَّاحَةِ، حَيْثُ يَرْكُضُ وَيَقْفِزُ مُدَاعِبًا هِرَّتَهُ الصَّغِيرَةَ "وَرْدَةَ"، وَتُشَارِكُهُ أُمُّهُ تِلْكَ اللَّحَظَاتِ السَّعِيدَةَ.

وفِي لَيْلَةٍ سَاحِرَةٍ مِنْ لَيَالِي الرَّبِيعِ، بَيْنَمَا كَانَ ضَوْءُ القَمَرِ الفِضِّيُّ يَنْسَكِبُ فَوْقَ أَشْجَارِ الحَدِيقَةِ وَأَزْهَارِهَا، جَلَسَتِ الأُمُّ وَضَمَّتْ طِفْلَهَا جَمَالًا إِلَى حِضْنِهَا الدَّافِئِ. هَمَسَتْ فِي أُذُنِهِ بِحُبٍّ: "مَا رَأَيْكَ يَا جَمَالُ أَنْ نَتَشَارَكَ مَعًا فِي سِرٍّ صَغِيرٍ؟". لَمَعَتْ عَيْنَا جَمَالٍ مِنَ الفَرَحِ وَالتَّشْوِيقِ وَسَأَلَهَا مُتَلَهِّفًا: "مَا هُوَ هَذَا السِّرُّ يَا أُمِّي؟".

أَشَارَتِ الأُمُّ إِلَى نَجْمَةٍ ذَهَبِيَّةٍ تَتَلأْلأُ بَعِيدًا فِي السَّمَاءِ الصَّافِيَةِ، وَقَالَتْ لَهُ: "مَا رَأَيْكَ أَنْ نَخْتَارَ تِلْكَ النَّجْمَةَ لِنَجْعَلَهَا صَدِيقَتَنَا؟ نُخْبِرُهَا بِكُلِّ مَا يُفْرِحُ قُلُوبَنَا وَبِكُلِّ مَا يُزْعِجُنَا أَيْضًا". ثُمَّ أَكَّدَتْ عَلَيْهِ قَائِلَةً: "وَلَكِنْ يَا بَطَلِي، يَجِبُ أَنْ يَبْقَى هَذَا السِّرُّ بَيْنَنَا فَقَطْ، أَنَا وَأَنْتَ وَتِلْكَ النَّجْمَةُ، وَلَا نُخْبِرَ بِهِ أَحَدًا أَبَدًا". فَرِحَ جَمَالٌ بِهَذَا الِاتِّفَاقِ، وَوَضَعَتِ الأُمُّ يَدَهَا فِي يَدِهِ الصَّغِيرَةِ تَعْبِيرًا عَنِ العَهْدِ بَيْنَنَا.

مَضَتْ أَيَّامٌ قَلِيلَةٌ، وَبَيْنَمَا كَانَ جَمَالٌ فِي المَدْرَسَةِ، اقْتَرَبَ مِنْهُ صَبِيٌّ كَبِيرٌ يَبْلُغُ مِنَ العُمْرِ تِسْعَ سَنَوَاتٍ. قَالَ الصَّبِيُّ لِـجَمَالٍ بِصَوْتٍ خَافِتٍ: "مَا رَأَيْكَ أَنْ يَكُونَ لَدَيْنَا سِرٌّ صَغِيرٌ خَاصٌّ بِنَا نَحْنُ الِاثْنَيْنِ فَقَطْ؟". شَعَرَ جَمَالٌ بِسَعَادَةٍ غَامِرَةٍ، فَقَدْ ظَنَّ أَنَّهُ سَيَمْتَلِكُ الآنَ سِرَّيْنِ؛ سِرًّا مَعَ أُمِّهِ وَسِرًّا مَعَ هَذَا الصَّبِيِّ الكَبِيرِ. سَأَلَ جَمَالٌ بِبَرَاءَةٍ: "وَمَا هُوَ هَذَا السِّرُّ؟". فَأَجَابَهُ الصَّبِيُّ بِمَا لَمْ يَتَوَقَّعْهُ: "مَا رَأَيْكَ أَنْ نُدَخِّنَ سِيجَارَةً فِي حَدِيقَةِ المَدْرَسَةِ؟ هَكَذَا سَنَبْدُو مِثْلَ الكِبَارِ تَمَامًا".

ارْتَبَكَ جَمَالٌ وَشَعَرَ بِالْخَوْفِ، وَقَالَ لَهُ: "مَا هَذَا السِّرُّ؟ إِنَّهُ سِرٌّ سَيِّئٌ!". لَكِنَّ الصَّبِيَّ حَاوَلَ إِقْنَاعَهُ قَائِلاً: "لَا تَقْلَقْ، هَذَا سَيَجْعَلُكَ تَبْدُو رَجُلاً قَوِيًّا مِثْلَ الكِبَارِ". تَرَدَّدَ جَمَالٌ كَثِيرًا، فَقَدْ تَعَلَّمَ أَنَّ التَّدْخِينَ عَمَلٌ مُضِرٌّ جِدًّا لِلصِّحَّةِ، لَكِنَّهُ فِي النِّهَايَةِ وَافَقَ وَتَبِعَ الصَّبِيَّ إِلَى خَلْفِ أَشْجَارِ حَدِيقَةِ المَدْرَسَةِ لِيَخْتَبِئَا عَنِ الأَنْظَارِ.

أَخْرَجَ الصَّبِيُّ سِيجَارَةً وَأَشْعَلَهَا، ثُمَّ أَعْطَاهَا لِـجَمَالٍ. وَمَا إِنْ لَمَسَهَا جَمَالٌ حَتَّى احْتَرَقَ إِصْبَعُهُ الصَّغِيرُ، فَبَدَأَ يَتَأَلَّمُ بِشِدَّةٍ وَيَبْكِي مِنْ حَرَارَةِ الحَرْقِ. عِنْدَمَا عَادَ جَمَالٌ إِلَى بَيْتِهِ، كَانَ الأَلَمُ لَا يَزَالُ يَسْكُنُ إِصْبَعَهُ، فَأَسْرَعَ وَوَضَعَ يَدَهُ فَوْقَ قِطْعَةٍ مِنَ الثَّلْجِ لَعَلَّهَا تُخَفِّفُ عَنْهُ.

لَاحَظَتِ الأُمُّ أَنَّ طِفْلَهَا يَتَصَرَّفُ بِطَرِيقَةٍ غَرِيبَةٍ وَقَلِقَةٍ، فَسَأَلَتْهُ بِحَنَانٍ: "مَا بِكَ يَا صَغِيرِي؟ هَلْ حَدَثَ شَيْءٌ؟". أَجَابَهَا جَمَالٌ بِحُزْنٍ: "لَقَدْ حَرَقْتُ إِصْبَعِي". فَزِعَتِ الأُمُّ وَأَسْرَعَتْ لِتَفْحَصَ يَدَهُ، فَوَجَدَتْ إِصْبَعَهُ قَدْ صَارَ أَحْمَرَ اللَّوْنِ، فَقَامَتْ بِوَضْعِ الدَّوَاءِ عَلَيْهِ بِرِفْقٍ، ثُمَّ سَأَلَتْهُ مُجَدَّدًا: "كَيْفَ حَدَثَ هَذَا يَا جَمَالُ؟".

بَدَأَ جَمَالٌ يَتَرَدَّدُ، ثُمَّ قَالَ: "لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُخْبِرَكِ يَا أُمِّي، لَقَدْ تَعَاهَدْتُ عَلَى سِرٍّ مَعَ أَحَدِ الصِّبْيَةِ فِي المَدْرَسَةِ". حِينَهَا نَظَرَتْ إِلَيْهِ الأُمُّ بِهُدُوءٍ وَقَالَتْ: "يَا بَيْنِي، عِنْدَمَا تَكُونُونَ صِغَارًا، لَا يَجِبُ أَنْ تَحْتَفِظُوا بِسِرٍّ إِلَّا مَعَ مَامَا أَوْ بَابَا فَقَطْ". سَأَلَهَا جَمَالٌ بِمَا يَشْبَهُ التَّعَجُّبَ: "وَلِمَاذَا يَا أُمِّي؟".

أَجَابَتِ الأُمُّ بِحِكْمَةٍ: "لِأَنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ يَسْتَخْدِمُونَ الأَسْرَارَ لِيُؤْذُوكَ، وَأَنْتَ مَا زِلْتَ صَغِيرًا وَقَدْ لَا تُمَيِّزُ بَيْنَ السِّرِّ الَّذِي يَنْفَعُكَ وَالسِّرِّ الَّذِي يَضُرُّكَ". بَعْدَ ذَلِكَ، أَخْبَرَ جَمَالٌ أُمَّهُ بِكُلِّ مَا حَدَثَ؛ عَنِ الصَّبِيِّ وَالسِّيجَارَةِ وَالحَرْقِ، وَكَيْفَ أَنَّ الصَّبِيَّ طَلَبَ مِنْهُ أَيْضًا أَنْ يَهْرُبَا مِنَ المَدْرَسَةِ لِيَتَمَشَّيَا فِي السُّوقِ.

قَالَتِ الأُمُّ: "أَرَأَيْتَ يَا جَمَالُ؟ هَذَا سِرٌّ مُؤْذٍ وَمُفْزِعٌ، مَا رَأَيْكَ أَنْ نُسَاعِدَ هَذَا الصَّبِيَّ بِسِرٍّ جَدِيدٍ نَتَّفِقُ عَلَيْهِ سَوِيًّا؟". فَرِحَ جَمَالٌ وَسَأَلَ عَنِ الفِكْرَةِ، فَأَخْبَرَتْهُ الأُمُّ أَنَّ السِّرَّ الجَدِيدَ هُوَ إِبْلَاغُ إِدَارَةِ المَدْرَسَةِ بِتَصَرُّفَاتِ هَذَا الصَّبِيِّ، لَيْسَ بِقَصْدِ الإِيذَاءِ، بَلْ لِحِمَايَتِهِ هُوَ أَيْضًا.

وَفِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، سَمِعَتِ الأُمُّ صَوْتًا قُرْبَ النَّافِذَةِ، فَنَظَرَتْ لِتَجِدَ جَمَالًا يَجْلِسُ عَلَى كُرْسِيِّهِ فِي الحَدِيقَةِ، وَبِجَانِبِهِ الهِرَّةُ "وَرْدَةُ"، وَكَانَ يَنْظُرُ إِلَى تِلْكَ النَّجْمَةِ الذَّهَبِيَّةِ وَيُخْبِرُهَا بِمَا حَدَثَ. ابْتَسَمَتِ الأُمُّ وَاطْمَأَنَّ قَلْبُهَا، فَقَدْ عَرَفَتْ أَنَّهَا لَنْ تَخَافَ عَلَى طِفْلِهَا بَعْدَ اليَوْمِ، لِأَنَّ جَمَالًا أَصْبَحَ الآنَ قَادِرًا عَلَى التَّفْرِيقِ بَيْنَ الصَّحِّ وَالخَطَأِ.

إرسال تعليق

أحدث أقدم