جَنَّاتُ فِي مَهْرَجَانِ الزُّهُورِ

جَنَّاتُ فِي مَهْرَجَانِ الزُّهُورِ

قَرُبَ مَوْعِدُ الِاحْتِفَالِ الكَبِيرِ فِي مَدِينَةِ جَنَّاتَ، وَذَاتَ يَوْمٍ، وُضِعَتْ لَافِتَةٌ كَبِيرَةٌ بِالقُرْبِ مِنْ مَبْنَى البَلَدِيَّةِ. أَقْبَلَ الأَطْفَالُ بِحَمَاسٍ لِقِرَاءَةِ مَا كُتِبَ عَلَيْهَا، وَكَانَ الإِعْلَانُ يَقُولُ: "يَوْمَ الأَحَدِ السَّابِعَ عَشَرَ مِنْ حُزَيْرَانَ، فِي تَمَامِ السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ بَعْدَ الظُّهْرِ، سَيُقَامُ مَوْكِبُ الزُّهُورِ الكَبِيرُ فِي حَدِيقَةِ الحسن الثاني، وَالدَّعْوَةُ عَامَّةٌ لِلْجَمِيعِ لِلْمُشَارَكَةِ بَعْدَ التَّسْجِيلِ". سَأَلَتْ طِفْلَةٌ صَغِيرَةٌ بِفُضُولٍ: "مَا هُوَ مَوْكِبُ الزُّهُورِ؟"، فَأَجَابَتْهَا جَنَّاتُ بِابْتِسَامَةٍ: "إِنَّهُ مَسِيرَةٌ رَائِعَةٌ تَضُمُّ عَرَبَاتٍ مَزِينَةً، وَسَيَّارَاتٍ، وَدَرَّاجَاتٍ مُغَطَّاةً بِأَجْمَلِ أَنْوَاعِ الزُّهُورِ". هَتَفَ الجَمِيعُ بِفَرَحٍ: "نُرِيدُ المُشَارَكَةَ أَيْضاً!"، لَكِنَّهُمْ أَدْرَكُوا أَنَّ تَجْهِيزَ العَرَبَاتِ وَالمَلَابِسِ لَيْسَ بِالأَمْرِ السَّهْلِ.
قَالَتْ جَنَّاتُ لِصَدِيقَاتِهَا: "لَدَيَّ فِكْرَةٌ! لِنَقُمْ بِرَسْمِ مَخَطَّطَاتٍ لِعَرَبَاتِنَا". بَدَأَتِ الفَتَيَاتُ يَتَخَيَّلْنَ أَشْكَالَ العَرَبَاتِ، فَمِنْهُنَّ مَنْ اقْتَرَحَتْ شَخْصِيَّاتٍ خَيَالِيَّةً، أَمَّا جَنَّاتُ فَقَدْ قَرَّرَتْ أَنْ تَكُونَ عَرَبَتُهَا مُمَيَّزَةً بِمَلَامِحَ شَرْقِيَّةٍ وَتُزَيَّنُ بِالزُّهُورِ فِي كُلِّ جَانِبٍ. وَبَيْنَمَا كَانَ الجَمِيعُ مَشْغُولاً، كَانَ الكَلْبُ الصَّغِيرُ "رُوكِي" يَنْظُرُ بِاسْتِغْرَابٍ مُتَسَائِلاً عَنْ دَوْرِهِ فِي هَذَا المَهْرَجَانِ.
لَمْ تَكُنِ الفَتَيَاتُ قَادِرَاتٍ عَلَى بِنَاءِ العَرَبَاتِ بِمُفْرَدِهِنَّ، فَلَجَأْنَ إِلَى آبَائِهِنَّ لِطَلَبِ المُسَاعَدَةِ. سُرَّ الآبَاءُ كَثِيراً بِالفِكْرَةِ وَبَدَأُوا العَمَلَ بِنَشَاطٍ مَعَ الجِيرَانِ. وَفِي هَذِهِ الأَثْنَاءِ، انْطَلَقَتْ جَنَّاتُ مَعَ صَدِيقَتَيْهَا نُور وَثُوَابَة إِلَى ضِفَافِ النَّهْرِ لِجَمْعِ زُهُورِ المُرُوجِ المُلَوَّنَةِ. كَانَتِ الزُّهُورُ تَبْدُو كَأَنَّهَا تَتَبَاهَى بِجَمَالِهَا وَعِطْرِهَا الفَوَّاحِ، حَتَّى أَنَّ جَنَّاتَ غَلَبَهَا النُّعَاسُ مِنْ تَعَبِ القِطَافِ وَرَائِحَةِ الزُّهُورِ الزَّكِيَّةِ.
فَجْأَةً، اسْتَيْقَظَتْ جَنَّاتُ عَلَى أَصْوَاتٍ صَاخِبَةٍ؛ لَقَدْ كَانَ الكَهْرَبَائِيُّ يَخْتَبِرُ مِكْرُوفُونَاتِ الحَفْلِ، وَفِرْقَةُ الفَتَيَاتِ تَتَدَرَّبُ عَلَى قَرْعِ الطُّبُولِ وَالسَّيْرِ بِانْتِظَامٍ فِي الشَّوَارِعِ. فِي اليَوْمِ التَّالِي، كَانَ الِاسْتِعْدَادُ عَلَى أَشُدِّهِ؛ فَقَدْ أُخْرِجَتْ مِرْوَحِيَّةُ نُور الصَّغِيرَةُ، وَعَرَبَةُ جَنَّاتَ الَّتِي صُمِّمَتْ بِإِتْقَانٍ. بَدَأَ الجَمِيعُ بِتَثْبِيتِ الزُّهُورِ وَتَجْهِيزِ المَحَرِّكَاتِ، حَتَّى حَيَوَانَاتُ المَزْرَعَةِ كَانَتْ تُرَاقِبُ هَذَا الضَّجِيجَ بِتَعَجُّبٍ، بَيْنَمَا كَانَ الجَمِيعُ يَتَمَنَّى أَنْ تَعْمَلَ سَيَّارَةُ العَمِّ إِبْرَاهِيم القَدِيمَةُ أَيْضاً.
أَخِيراً، أَشْرَقَ يَوْمُ المَهْرَجَانِ! تَزَيَّنَتِ المَدِينَةُ بِالأَعْلَامِ، وَوَصَلَ العَازِفُونَ بِبِذَلِهِمُ الأَنِيقَةِ الَّتِي تَلْمَعُ أَزْرَارُهَا تَحْتَ أَشِعَّةِ الشَّمْسِ. صَدَحَ صَوْتُ البُوقِ مُعْلِناً بَدْءَ التَّجَمُّعِ، فَصَاحَ هَيْثَمُ ابْنُ الجِيرَانِ بِجَنَّاتَ لِتُسْرِعَ. كَانَ هَيْثَمُ يَقُودُ دَرَّاجَتَهُ المَزِينَةَ بِالزُّهُورِ، وَيَجُرُّ خَلْفَهُ عَرَبَةً صَغِيرَةً لِلكَلْبِ رُوكِي، لَكِنَّ رُوكِي العَنِيدَ رَفَضَ البَقَاءَ فِيهَا خَوْفاً مِنْ أَنْ يَبْدُوَ مُضْحِكاً، فَهَرَبَ وَاخْتَفَى بَيْنَ الجُمُوع.
انْطَلَقَ المَوْكِبُ تَقُودُهُ عَرَبَةُ "الحَلَزُونِ الكَسُولِ" الَّتِي يَجُرُّهَا أَطْفَالٌ مُتَنَكِّرُونَ، تَلِيهَا مَجْمُوعَةُ الدَّرَّاجِينَ المَرِحِينَ. وَفِي غَمْرَةِ الِاحْتِفَالِ، بَحَثَ الجَمِيعُ عَنْ رُوكِي، لِيَجِدُوهُ قَدْ قَفَزَ إِلَى سَيَّارَةِ العَمِّ إِبْرَاهِيم القَدِيمَةِ وَبَدَأَ يَضْغَطُ عَلَى مِزْمَارِهَا لِيَلْفِتَ الأَنْظَارَ إِلَيْهِ. ثُمَّ مَرَّتْ مِرْوَحِيَّةُ نُور وَهِيَ تَنْثُرُ بَتَلَاتِ الوَرْدِ عَلَى النَّاسِ كَأَنَّهَا مَطَرٌ مُلَوَّنٌ، بَيْنَمَا اسْتَخْدَمَ حُسَام مِدْفَعاً صَغِيراً لِإِطْلَاقِ الزُّهُورِ فِي الهَوَاءِ.
وَفِي قِمَّةِ المَوْكِبِ، ظَهَرَتْ جَنَّاتُ فَوْقَ عَرَبَتِهَا الرَّائِعَةِ وَهِيَ تَرْتَدِي زِيّاً جَمِيلاً، وتَحْمِلُ مِظَلَّةً زَاهِيَةً تُدِيرُهَا بِلَطَافَةٍ وَتُحَيِّي أَصْدِقَاءَهَا الَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعِيدٍ. كَانَ مَنْظَرُهَا سَاحِراً لِلغَايَةِ وَهِيَ تُرْسِلُ قُبُلَاتِ الوَدَاعِ لِلْحُضُورِ. مَعَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، بَدَأَ المَوْكِبُ يَتَفَرَّقُ؛ فَنَزَلَتْ جَنَّاتُ مِنْ عَرَبَتِهَا، وَنَامَ طِفْلٌ صَغِيرٌ كَانَ يَعْزِفُ عَلَى الطَّبْلِ بَيْنَ يَدَيْ أُمِّهِ مِنْ شِدَّةِ التَّعَبِ. وَهَكَذَا انْتَهَى اليَوْمُ بِجَوْلَةٍ هَادِئَةٍ فِي أَنْحَاءِ المَدِينَةِ مَعَ العَمِّ إِبْرَاهِيم، لِتَبْقَى ذِكْرَى مَهْرَجَانِ الزُّهُورِ مَحْفُورَةً فِي قُلُوبِ الصِّغَارِ.

إرسال تعليق

أحدث أقدم