رِحْلَةُ السُّلحُوفَةِ الصَّغِيرَةِ نَحْوَ المُحِيطِ الكَبِيرِ

رِحْلَةُ السُّلحُوفَةِ الصَّغِيرَةِ نَحْوَ المُحِيطِ الكَبِيرِ

كَانَتِ السُّلحُفَاةُ "سُلْحُفَة" تَسْبَحُ بِرَشَاقَةٍ فِي المِيَاهِ الدَّافِئَةِ، وَقَلْبُهَا يَمْتَلِئُ بِالأَمَلِ وَالدُّعَاءِ أَنْ تَصِلَ إِلَى البَرِّ قَبْلَ حُلُولِ المَسَاءِ. لَقَدْ قَطَعَتْ هَذِهِ السُّلحُفَاةُ الشُّجَاعَةُ مِئَاتِ الكِيلُومِتْرَاتِ، مُبْحِرَةً فِي أَعْمَاقِ المُحِيطِ حَتَّى بَلَغَتْ مِيَاهَ الخَلِيجِ العَرَبِيِّ، وَوَاصَلَتْ سِبَاحَتَهَا بِإِصْرَارٍ نَحْوَ جَزِيرَةٍ جَمِيلَةٍ تَعْرِفُهَا جَيِّدًا؛ فَهِيَ المَكَانُ الَّذِي وُلِدَتْ فِيهِ، وَإِلَيْهِ تَعُودُ كُلَّ عَامٍ لِتَضَعَ بَيْضَهَا. بَيْنَمَا كَانَتْ تَقْتَرِبُ، تَأَمَّلَتِ الشُّعَابَ المَرْجَانِيَّةَ المُلَوَّنَةَ، وَشَعَرَتْ بِالسَّعَادَةِ حِينَ رَأَتْ جُذُوعَ أَشْجَارِ القُرْمِ الرَّمَادِيَّةِ، فَعَرَفَتْ أَنَّ الشَّاطِئَ بَاتَ قَرِيبًا.

بِمُجَرَّدِ وُصُولِهَا، بَدَأَتْ "سُلْحُفَة" تَحْفِرُ حُفْرَةً عَمِيقَةً فِي الرِّمَالِ الذَّهَبِيَّةِ، ثُمَّ وَضَعَتْ بَيْضَهَا بِحَنَانٍ، وَوَدَّعَتْ صِغَارَهَا الَّذِينَ لَمْ يَخْرُجُوا بَعْدُ، رَاجِيَةً مِنَ اللهِ أَنْ يَحْفَظَهُمْ. غَطَّتِ السُّلحُفَاةُ الأُمُّ البَيْضَ بِالرِّمَالِ بِعِنَايَةٍ لِتُخْفِيَهُ عَنِ الطُّيُورِ وَالحَيَوَانَاتِ، ثُمَّ عَادَتْ إِلَى حِضْنِ المُحِيطِ.

مَرَّتْ عِدَّةُ شُهُورٍ، وَفِي يَوْمٍ مُشْمِسٍ، تَهَزَّزَتْ إِحْدَى البَيْضَاتِ، وَبَدَأَتْ سُلْحُفَاةٌ صَغِيرَةٌ تُدْعَى "سُلْحُوفَة" تَنْقُرُ القِشْرَةَ بِسِنِّهَا الأَمَامِيِّ. حِينَ رَأَتْ "سُلْحُوفَة" شُعَاعَ الشَّمْسِ، امْتَلأَتْ حَمَاسَةً وَخَرَجَتْ لِلدُّنْيَا، وَبَدَأَتْ تَنْفُضُ الرِّمَالَ عَنْ جِسْمِهَا الصَّغِيرِ. نَظَرَتْ حَوْلَهَا تَبْحَثُ عَنِ البَحْرِ، فَرَأَتْ لَمَعَانَ المَاءِ مِنْ بَعِيدٍ، فَمَشَتْ نَحْوَهُ بِثِقَةٍ. فِي طَرِيقِهَا، صَعِدَتْ "سُلْحُوفَة" فَوْقَ صَخْرَةٍ صَفْرَاءَ نَاعِمَةٍ لِتَسْتَكْشِفَ الجَزِيرَةَ، لَكِنَّ خَطَرًا كَبِيرًا كَانَ يَنْتَظِرُهَا؛ فَقَدْ ظَهَرَ طَائِرُ "العُقَابِ" الكَاسِرُ وَهُوَ يَنْقَضُّ نَحْوَهَا. بِسُرْعَةٍ كَبِيرَةٍ، أَلْقَتْ "سُلْحُوفَة" بِنَفْسِهَا بَيْنَ الصُّخُورِ لِتَخْتَبِئَ، وَظَلَّتْ تُرَاقِبُ الطَّائِرَ وَهُوَ يَحُومُ بَحْثًا عَنْهَا.

وَمِنْ مَخْبَئِهَا، رَأَتْ "سُلْحُوفَة" رِمَالَ الحُفْرَةِ تَتَحَرَّكُ، وَبَدَأَتْ رُؤُوسُ أَخَوَاتِهَا تَظْهَرُ. صَاحَتْ "سُلْحُوفَة" مُحَذِّرَةً: «لا تَتَحَرَّكْنَ! هُنَاكَ طَائِرٌ خَطِيرٌ!». وَكُلَّمَا ابْتَعَدَ الطَّائِرُ قَلِيلًا، نَادَتْهُنَّ لِيَهْرُعْنَ إِلَى جِوَارِهَا تَحْتَ الصَّخْرَةِ. وَهَكَذَا، اجْتَمَعَتِ السَّلاحِفُ الصَّغِيرَةُ، وَكَانَتْ آخِرَهُنَّ السُّلحُفَاةُ المَرِحَةُ "سُلَيْحِفَة" الَّتِي خَرَجَتْ وَهِيَ تُغَنِّي وَتَفْتَخِرُ بِقُوَّتِهَا.

بَدَأَتِ السَّلاحِفُ تُفَكِّرُ فِي طَرِيقَةٍ لِلْوُصُولِ إِلَى المَاءِ دُونَ أَنْ يَرَاهَا العُقَابُ. بَعْضُهُنَّ اقْتَرَحَ القَفْزَ، وَبَعْضُهُنَّ اقْتَرَحَ الالتِفَافَ حَوْلَ الصُّخُورِ، لَكِنَّ الخَوْفَ كَانَ يُسَيْطِرُ عَلَيْهِنَّ مَعَ اقْتِرَابِ غُرُوبِ الشَّمْسِ. وَفَجْأَةً، صَاحَتْ "سُلَيْحِفَة" بِفَرَحٍ: «جَاءَ البَحْرُ!»، فَقَدْ بَدَأَتْ مِيَاهُ المَدِّ تَتَسَرَّبُ تَحْتَ أَقْدَامِهِنَّ.

هِيَأَتْ "سُلْحُوفَة" خُطَّةً ذَكِيَّةً بَعْدَمَا رَأَتْ بَعْضَ أَعْشَابِ البَحْرِ قَدْ عَلِقَتْ بِظَهْرِ "سُلَيْحِفَة". قَالَتْ "سُلْحُوفَة": «سَنَضَعُ هَذِهِ الأَعْشَابَ فَوْقَ ظُهُورِنَا لِنَتَنَكَّرَ، فَيَظُنَّ العُقَابُ أَنَّنَا مُجَرَّدُ نَبَاتَاتٍ عَائِمَةٍ». وَبِالفِعْلِ، جَمَعَتِ السَّلاحِفُ الأَعْشَابَ وَتَمَسَّكَتْ بِهَا جَيِّدًا، وَانْتَظَرَتْ مَوْجَةً كَبِيرَةً قَادِمَةً. حِينَ وَصَلَتِ المَوْجَةُ، صَاحَتْ "سُلْحُوفَة": «اقْفِزُوا!»، فَارْتَمَى الجَمِيعُ فِي حِضْنِ المَاءِ.

حَاوَلَ العُقَابُ أَنْ يَقْتَرِبَ بَعْدَمَا شَكَّ فِي الأَعْشَابِ الَّتِي تَتَحَرَّكُ، لَكِنَّ "سُلْحُوفَة" أَمَرَتِ الجَمِيعَ بِالغَطْسِ فَوْقَ قَاعِ البَحْرِ. وَبَعْدَ مُحَاوَلاتٍ فَاشِلَةٍ، يَئِسَ الطَّائِرُ وَطَارَ بَعِيدًا. تَعَالَتْ صَيْحَاتُ الفَرَحِ بَيْنَ السَّلاحِفِ: «نَجَوْنَا! نَجَوْنَا!»، وَوَاصَلْنَ رِحْلَتَهُنَّ نَحْوَ مِيَاهِ المُحِيطِ الدَّافِئَةِ، حَيْثُ تَعِيشُ عَائِلَتُهُنَّ مُنْذُ مَلايينِ السَّنِينِ.


إرسال تعليق

أحدث أقدم