رِحْلَةُ بَطَلِ الصِّيَامِ الصَّغِيرِ
فِي صَبِيحَةِ يَوْمٍ مُشْرِقٍ، اسْتَيْقَظَ الطِّفْلُ "زَيْدٌ" وَقَلْبُهُ يَمْلَؤُهُ الْحَمَاسُ لِاسْتِقْبَالِ شَهْرِ رَمَضَانَ الْمُبَارَكِ. نَظَرَ إِلَى كُتَيِّبِهِ الْمُلَوَّنِ الَّذِي كُتِبَ عَلَيْهِ "أَنَا الْبَطَلُ، وَبِهَذِهِ السَّنَةِ أُجَدِّدُ إِيمَانِي وَأَبْدَأُ بِدَايَةً جَدِيدَةً". كَانَ زَيْدٌ يَعْلَمُ أَنَّ الصِّيَامَ لَيْسَ فَقَطْ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، بَلْ هُوَ رِحْلَةٌ لِتَهْذِيبِ الرُّوحِ، فَعَاهَدَ نَفْسَهُ أَنْ يَصُومَ عَنِ الْغَضَبِ وَعَنِ الْقَوْلِ الْبَذِيءِ كَمَا تَعَلَّمَ مِنْ دُرُوسِ مَسْجِدِهِ.
فِي الْيَوْمِ الأَوَّلِ، رَفَعَ زَيْدٌ يَدَيْهِ الصَّغِيرَتَيْنِ وَدَعَا: "اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ وَحُبَّ كُلِّ عَمَلٍ يُقَرِّبُنِي إِلَى حُبِّكَ". وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، اسْتَشْعَرَ اسْمَ اللهِ "الرَّزَّاقَ"، فَشَكَرَ اللهَ عَلَى كُلِّ النِّعَمِ الَّتِي تُحِيطُ بِهِ. وَمَعَ كُلِّ صَلَاةٍ يُؤَدِّيهَا فِي وَقْتِهَا، مِنَ الْفَجْرِ حَتَّى الْعِشَاءِ، كَانَ يُرَدِّدُ: "صَلَاتِي رَاحَتِي".
مَرَّتِ الأَيَّامُ وَزَيْدٌ يَتَنَقَّلُ بَيْنَ مَحَطَّاتِ الإِيمَانِ؛ فَفِي الْيَوْمِ الثَّانِي تَعَلَّمَ أَنَّ اللهَ هُوَ "الْغَفَّارُ"، فَدَعَا رَبَّهُ: "اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ كَرِيمٌ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي". وَكُلَّمَا شَعَرَ بِالتَّعَبِ، تَذَكَّرَ اسْمَ اللهِ "الْقَوِيَّ" فِي الْيَوْمِ الثَّانِي عَشَرَ، فَيَمْتَلِئُ نَشَاطًا لِيُكْمِلَ وِرْدَهُ الْيَوْمِيَّ مِنَ الْقُرْآنِ وَيُتِمَّ حِفْظَهُ وَمُرَاجَعَتَهُ. لَمْ يَنْسَ زَيْدٌ أَنْ يَجْعَلَ لِيَوْمِهِ نَصِيبًا مِنَ الرِّيَاضَةِ، وَقِرَاءَةِ الْكُتُبِ النَّافِعَةِ، وَمُشَاهَدَةِ الْبَرَامِجِ الْمُفِيدَةِ، مُؤْمِنًا بِأَنَّهُ الْيَوْمَ أَفْضَلُ مِنَ الأَمْسِ، وَغَدًا سَيَكُونُ أَفْضَلَ مِنْ يَوْمِهِ.
عِنْدَمَا انْتَصَفَ الشَّهْرُ، كَانَ زَيْدٌ قَدْ تَعَلَّمَ كَيْفَ يَكُونُ بَارًّا بِوَالِدَيْهِ حِينَمَا دَعَا: "اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي بَارًّا بِوَالِدَيَّ" مُسْتَشْعِرًا اسْمَ اللهِ "الْمُعْطِيَ". وَفِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ، ازْدَادَ اجْتِهَادُهُ، فَدَعَا بِخُشُوعٍ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْفِرْدَوْسَ الأَعْلَى"، وَأَحَسَّ بِلُطْفِ اللهِ "الرَّؤُوفِ".
وَفِي لَيْلَةِ الثَّلَاثِينَ مِنْ رَمَضَانَ، نَظَرَ زَيْدٌ إِلَى جَدْوَلِهِ الَّذِي امْتَلأَ بِالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَدَعَا دُعَاءَهُ الأَخِيرَ: "اللَّهُمَّ جَدِّدِ الإِيمَانَ فِي قُلُوبِنَا". كَانَ يَشْعُرُ بِالسَّكِينَةِ وَهُوَ يَتَأَمَّلُ اسْمَ اللهِ "الْقُدُّوسَ". وَفِي صَبِيحَةِ الْعِيدِ، نَالَ زَيْدٌ شَهَادَةَ الْفَخْرِ كَبَطَلٍ حَقِيقِيٍّ، لَيْسَ لأَنَّهُ امْتَنَعَ عَنِ الطَّعامِ فَحَسْبُ، بَلْ لأَنَّهُ جَدَّدَ رُوحَهُ وَطَهَّرَ لِسَانَهُ، عَمَلًا بِقَوْلِ الرَّسُولِ ﷺ: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ".