مغامرات سندباد 17 الْمُشْطِ الْعَجِيبِ

سِنْدِبَاد وَالْمُشْطِ الْعَجِيبِ

تَبْدَأُ فَصُولُ هَذِهِ الْمُغَامَرَةِ عِنْدَمَا قَرَّرَ سِنْدِبَاد، ذَلِكَ الشَّابُّ الْبَغْدَادِيُّ الشُّجَاعُ الَّذِي لَا يَهَابُ الصِّعَابَ، أَنْ يَعْمَلَ بِنَصِيحَةِ الْمَارِدِ الَّذِي الْتَقَاهُ عِنْدَ شَاطِئِ الْبَحْرِ. حَمَلَ سِنْدِبَادُ أَرْبَعَ سَمَكَاتٍ نَادِرَةٍ وَتَوَجَّهَ بِهَا إِلَى حَاكِمِ مَدِينَةِ "التِّيسَا" لِيُقَدِّمَهَا لَهُ. تَعَجَّبَ الْحَاكِمُ مِنْ جَمَالِ هَذِهِ الْأَسْمَاكِ وَسَأَلَ سِنْدِبَادَ عَنْ مَصْدَرِهَا، فَأَجَابَهُ بِأَنَّهُ وَجَدَهَا فِي بُحَيْرَةٍ تَبْعَدُ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بِاتِّجَاهِ الشَّرْقِ، وَهِيَ بُحَيْرَةٌ فَرِيدَةٌ تُحِيطُ بِهَا أَرْبَعُ تِلَالٍ. هُنَا ارْتَعَدَ الْحَاكِمُ وَأَخْبَرَ وَزِيرَهُ أَنَّ هَذَا الْمَكَانَ كَانَ فِي الْمَاضِي مَقَرَّ الدَّوْلَةِ الَّتِي كَانَ يَحْكُمُهَا أَخُوهُ الْأَصْغَرُ، وَلَكِنَّ تِلْكَ الدَّوْلَةَ اخْتَفَتْ تَمَامًا بِشَكْلٍ غَامِضٍ بَيْنَ لَيْلَةٍ وَضُحَاهَا مُنْذُ ثَلَاثِينَ عَامًا.

طَلَبَ الْحَاكِمُ مِنْ سِنْدِبَادَ أَنْ يَقُودَهُ إِلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ، وَعِنْدَمَا وَصَلُوا، وَجَدُوا الْبُحَيْرَةَ كَمَا وَصَفَهَا سِنْدِبَادُ تَمَامًا. سَمِعَ سِنْدِبَادُ صَوْتًا غَرِيبًا يَنْبَعِثُ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ، فَقَرَّرَ أَنْ يَذْهَبَ وَحْدَهُ لِلْتَحَقُّقِ رَغْمَ تَحْذِيرَاتِ الْوَزِيرِ مِنَ الْمَصِيرِ الْمَجْهُولِ. تَوَغَّلَ سِنْدِبَادُ مَعَ صَدِيقَتِهِ الْعُصْفُورَةِ "يَاسْمِينَةَ" فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ الْمُوحِشِ حَتَّى وَجَدَ قَصْرًا بَدِيعًا لَكِنَّهُ يَبْدُو مَهْجُورًا. دَخَلَ سِنْدِبَادُ الْقَصْرَ لِيَجِدَ رَجُلًا جَالِسًا يَبْكِي بِحُرْقَةٍ، وَمَا إِنْ رَآهُ الرَّجُلُ حَتَّى نَصَحَهُ بِالْمُغَادَرَةِ فَوْرًا. كَشَفَ الرَّجُلُ عَنْ هُوِيَّتِهِ، فَإِذَا بِهِ "الْحَاكِمُ مَحْمُود"، سَيِّدُ تِلْكَ الدَّوْلَةِ الْمَفْقُودَةِ وَشَقِيقُ حَاكِمِ "التِّيسَا". كَانَ مَحْمُودٌ مَسْجُونًا فِي مَكَانِهِ، عَاجِزًا عَنِ الْحَرَكَةِ، وَقَدْ أَمْضَى ثَلَاثِينَ عَامًا دُونَ طَعَامٍ أَوْ نَوْمٍ، يُعَانِي مِنَ الظُّلْمِ وَالْقَهْرِ.

رَوَى الْحَاكِمُ مَحْمُودٌ لِسِنْدِبَادَ قِصَّتَهُ الْمَأْسَاوِيَّةَ، حَيْثُ قَالَ إِنَّهُ تَزَوَّجَ قَدِيمًا مِنِ ابْنَةِ أَمِيرٍ كَبِيرٍ، كَانَتْ بَاهِرَةَ الْجَمَالِ، لَكِنَّهَا فِي الْحَقِيقَةِ كَانَتْ "جِنِّيَّةً" شِرِّيرَةً . لَقَدْ خَدَعَتْهُ لِتَسْتَوْلِيَ عَلَى مُلْكِهِ، وَاسْتَخْدَمَتْ قُوَّةَ "مُشْطٍ سِحْرِيٍّ" عَجِيبٍ تَمْلِكُهُ لِتَحْوِيلِ الْبِلَادِ كُلِّهَا إِلَى بُحَيْرَةٍ، وَتَحْوِيلِ جَمِيعِ رِجَالِهِ إِلَى أَرْبَعَةِ أَنْوَاعٍ مِنَ الْأَسْمَاكِ. وَمُنْذُ ذَلِكَ الْحِينِ، كَانَتْ تَأْتِي إِلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ لِتَجْلِدَهُ وَتُذِيقَهُ صُنُوفَ الْعَذَابِ، دُونَ أَنْ تَسْمَحَ لَهُ بِالْمَوْتِ لِيَرْتَاحَ. أَوْضَحَ الْحَاكِمُ أَنَّ هَذِهِ الْبُحَيْرَةَ وَالتِّلَالَ الْأَرْبَعَةَ لَا تَظْهَرُ لِلْبَشَرِ إِلَّا مَرَّةً كُلَّ ثَلَاثِ سَنَوَاتٍ لِأَيَّامٍ مَعْدُودَةٍ، وَهَذَا هُوَ السَّبَبُ فِي عَدَمِ اكْتِشَافِ مَكَانِهِمْ طَوَالَ تِلْكَ السِّنِينَ.

عَزَمَ سِنْدِبَادُ عَلَى إِنْقَاذِ الْحَاكِمِ وَتَحْطِيمِ السِّحْرِ، خُصُوصًا بَعْدَمَا عَلِمَ أَنَّ الْجِنِّيَّةَ تُخَطِّطُ لِمُهَاجَمَةِ مَدِينَةِ "التِّيسَا" فِي الْيَوْمِ التَّالِي. أَخْبَرَهُ الْحَاكِمُ مَحْمُودٌ أَنَّ السِّرَّ يَكْمُنُ فِي "الْمُشْطِ" الَّذِي تَضَعُهُ عَلَى شَعْرِهَا، فَإِذَا فَقَدَتْهُ، فَقَدَتْ كُلَّ قُوَاهَا السِّحْرِيَّةِ. وَبَيْنَمَا هُمَا يَتَحَدَّثَانِ، شَعَرَتِ الْجِنِّيَّةُ بِوُجُودِ سِنْدِبَادَ، فَحَاوَلَتِ الْإِمْسَاكَ بِهِ وَأَمَرَتْ جُنُودَهَا، الَّذِينَ كَانُوا عِبَارَةً عَنْ هَيَاكِلَ عَظْمِيَّةٍ، بِمُطَارَدَتِهِ . لَكِنَّ سِنْدِبَادَ بِنَبَاهَتِهِ وَشَجَاعَتِهِ، اسْتَطَاعَ الْوُصُولَ إِلَى الْمُشْطِ الْعَجِيبِ وَانْتَزَعَهُ مِنْهَا.

هَدَّدَ سِنْدِبَادُ الْجِنِّيَّةَ بِإِحْرَاقِ الْمُشْطِ إِنْ لَمْ تَقُمْ بِإِبْطَالِ سِحْرِهَا، فَخَضَعَتْ لَهُ خَوْفًا عَلَى قُوَّتِهَا. أَمَرَهَا سِنْدِبَادُ أَنْ تُعِيدَ الْحَاكِمَ مَحْمُودًا إِلَى سَابِقِ عَهْدِهِ، وَأَنْ تَعُودَ الْبُحَيْرَةُ مَدِينَةً كَمَا كَانَتْ، وَتَعُودَ الْأَسْمَاكُ بَشَرًا مَرَّةً أُخْرَى. وَبِفِعْلِ ذَلِكَ، انْكَسَرَتِ اللَّعْنَةُ، وَاسْتَعَادَتِ الْمَدِينَةُ حَيَاتَهَا الطَّبِيعِيَّةَ، وَغَرِقَتْ قُوَّةُ الْجِنِّيَّةِ الشِّرِّيرَةِ تَحْتَ الْأَرْضِ. عَمَّ الْفَرَحُ الْبِلَادَ، وَشَكَرَ الْحَاكِمَانِ سِنْدِبَادَ عَلَى شَجَاعَتِهِ وَنُبْلِهِ، وَقَدَّمَا لَهُ الْكَثِيرَ مِنَ الْهَدَايَا الثَّمِينَةِ كَعُرْبُونِ شُكْرٍ وَوَفَاءٍ، كَمَا حَصَلَتْ يَاسْمِينَةُ عَلَى أَفْضَلِ أَنْوَاعِ الْحُبُوبِ. وَهَكَذَا، انْتَهَتْ هَذِهِ الْمُغَامَرَةُ لِيَبْدَأَ سِنْدِبَادُ رِحْلَةً جَدِيدَةً فِي الصَّحْرَاءِ، حَيْثُ سَيَلْتَقِي بِـ "عَلِي بَابَا" لِتَبْدَأَ سِلْسِلَةٌ جَدِيدَةٌ مِنَ الْأَحْدَاثِ الشَّيِّقَةِ.

إرسال تعليق

أحدث أقدم