مغامرات سندباد 11 وَاللُّؤْلُؤَةِ السَّوْدَاءِ المَجِيدَة
رَغْمَ كُلِّ مَا وَاجَهَهُ سِنْدِبَادُ فِي رِحْلَاتِهِ السَّابِقَةِ مِنَ المَخَاطِرِ وَالأَهْوَالِ، هَا هُوَ يُبْحِرُ مِنْ جَدِيدٍ فِي عَالَمِ المَجْهُولِ، يَدْفَعُهُ حُبُّ المُغَامَرَةِ المُتَأَصِّلُ فِي رُوحِهِ. وَبَيْنَمَا كَانَتِ السَّفِينَةُ تَمْخُرُ عُبَابَ المَاءِ، دَهَمَهُمْ عَمُودٌ مَائِيٌّ هَائِلٌ جَرَفَ كُلَّ شَيْءٍ فِي طَرِيقِهِ، وَوَجَدَ سِنْدِبَادُ نَفْسَهُ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ وَقَدْ قَذَفَتْ بِهِ الأَمْوَاجُ. فِي تِلْكَ الأَثْنَاءِ، كَانَ هُنَاكَ صَيَّادٌ فَقِيرٌ يُدْعَى السَّيِّدُ فَاضِل يُلْقِي شِبَاكَهُ طَلَبًا لِلرِّزْقِ، فَإِذَا بِهِ يَسْحَبُ شَبَكَتَهُ لِيَجِدَ فِيهَا وَلَدًا غَائِبًا عَنِ الوَعْيِ، وَبِجَانِبِهِ طَائِرٌ يَنْطِقُ بِلُغَةِ البَشَرِ هِيَ العُصْفُورَةُ يَاسْمِينَةُ. خَافَ الصَّيَّادُ أَلَّا يَكُونَ الفَتَى عَلَى قَيْدِ الحَيَاةِ، لَكِنَّ يَاسْمِينَةَ طَمْأَنَتْهُ بِأَنَّ جِسْمَهُ مَا زَالَ دَافِئًا، فَحَمَلَهُ الصَّيَّادُ إِلَى بَيْتِهِ لِيَعْتَنِيَ بِهِ. وَلأَنَّ السَّيِّدَ فَاضِلَ كَانَ مُعْدَمًا لَا يَمْلِكُ ثَمَنَ الخُبْزِ، فَقَدْ هَبَّ جَارُهُ الخَبَّازُ الطَّيِّبُ سَلِيمٌ لِمُسَاعَدَتِهِ، مُقَدِّمًا لَهُ الخُبْزَ دُونَ مُقَابِلٍ لِيُغَذِّيَ الفَتَى المَرِيضَ، مُؤَكِّدًا أَنَّ الصَّدَاقَةَ لَا تَعْرِفُ فَرْقًا بَيْنَ النَّاسِ،.
بَدَأَ سِنْدِبَادُ يَسْتَعِيدُ وَعْيَهُ تَدْرِيجِيًّا بِمَشِيئَةِ اللهِ، وَحِينَمَا رَأَى كَرَمَ السَّيِّدِ فَاضِلٍ وَنُبْلَ الخَبَّازِ سَلِيمٍ، عَزَمَ عَلَى أَنْ يَرُدَّ لَهُمَا الجَمِيلَ،. حَاوَلَ سِنْدِبَادُ مِرَارًا أَنْ يُقْنِعَ الصَّيَّادَ بِأَنْ يَسْمَحَ لَهُ بِمُسَاعَدَتِهِ فِي الصَّيْدِ، فَمَا كَانَ مِنَ السَّيِّدِ فَاضِلٍ إِلَّا أَنْ عَلَّمَهُ قَاعِدَتَهُ الصَّارِمَةَ فِي الحَيَاةِ: أَنْ يُلْقِيَ الشَّبَكَةَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فَقَطْ فِي اليَوْمِ، تَمَاشِيًا مَعَ عَهْدٍ قَطَعَهُ مَعَ اللهِ بِأَنْ يَرْضَى بِمَا قَسَمَهُ لَهُ مِنَ الرِّزْقِ الَّذِي يَكْفِي يَوْمَهُ،. وَفِي أَحَدِ الأَيَّامِ، كَانَ سِنْدِبَادُ يُحَاوِلُ جَاهِدًا اصْطِيَادَ السَّمَكِ، لَكِنَّ الحَظَّ لَمْ يُحَالِفْهُ فِي المَرَّاتِ الثَّلَاثِ الأُولَى، وَبَقِيَتْ لَهُ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ أَخِيرَةٌ. تَضَرَّعَ سِنْدِبَادُ إِلَى اللهِ أَنْ يُنْعِمَ عَلَيْهِ بِرِزْقٍ يُسْعِدُ بِهِ السَّيِّدَ فَاضِلَ، وَبَعْدَ جُهْدٍ جَهِيْدٍ، شَعَرَ بِثِقْلٍ كَبِيرٍ فِي الشَّبَكَةِ.
حِينَمَا سَحَبَ سِنْدِبَادُ الشَّبَكَةَ، لَمْ يَجِدْ سَمَكًا كَمَا كَانَ يَتَوَقَّعُ، بَلْ وَجَدَ حُورِيَّةَ بَحْرٍ جَمِيلَةً وَقَعَتْ فِي أَسْرِ شِبَاكِهِ. ذُهِلَتْ يَاسْمِينَةُ وَحَرَّضَتْ سِنْدِبَادَ عَلَى بَيْعِهَا لِلْوَالِي أَوْ لِلسِّرْكِ لِيُصْبِحَ غَنِيًّا وَيَعُودَ إِلَى بَغْدَادَ مَحْمُولاً بِالذَّهَبِ، لَكِنَّ الحُورِيَّةَ تَوَسَّلَتْ إِلَى سِنْدِبَادَ بَاكِيَةً أَنْ يُعِيدَهَا إِلَى البَحْرِ، وَعَدَتْهُ بِأَنَّ اللهَ سَيُكَافِئُهُ عَلَى مَعْرُوفِهِ. بِنُبْلِ أَخْلَاقِهِ المَعْهُودَةِ، رَفَضَ سِنْدِبَادُ كَلَامَ يَاسْمِينَةَ وَأَطْلَقَ سَرَاحَ الحُورِيَّةِ، وَمَا هِيَ إِلَّا لَحَظَاتٌ حَتَّى عَادَتِ الحُورِيَّةُ لِتُهْدِيَهُ لُؤْلُؤَةً سَوْدَاءَ نَادِرَةً جَزَاءً لِمُرُوءَتِهِ.
أَسْرَعَ سِنْدِبَادُ وَالسَّيِّدُ فَاضِلُ إِلَى الصَّائِغِ، الَّذِي انْدَهَشَ مِنْ جَمَالِ اللَّؤْلُؤَةِ وَلَوْنِهَا الفَرِيدِ، مُؤَكِّدًا أَنَّهُ لَمْ يَرَ مِثْلَهَا قَطُّ، وَقَدَّرَ ثَمَنَهَا بِمَبْلَغٍ طَائِلٍ. هُنَا، ظَهَرَتْ مَعَادِنُ الرِّجَالِ الحَقِيقِيَّةِ؛ فَقَدْ رَفَضَ السَّيِّدُ فَاضِلُ أَخْذَ المَالِ لِنَفْسِهِ، مُعْتَبِرًا أَنَّ اللَّؤْلُؤَةَ مِنْ حَقِّ سِنْدِبَادَ وَحْدَهُ، بَيْنَمَا أَصَرَّ سِنْدِبَادُ عَلَى أَنَّهَا مِلْكٌ لِلسَّيِّدِ فَاضِلٍ جَزَاءً لِخُبْزِهِ وَرِعَايَتِهِ. وَفِي الخِتَامِ، اتَّفَقَ الجَمِيعُ بِنُبْلٍ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ سِنْدِبَادُ مَا يَكْفِيهِ فَقَطْ لِتَكَالِيفِ عَوْدَتِهِ إِلَى بَغْدَادَ، وَيُقَسَّمُ بَاقِي المَالِ بَيْنَ الصَّيَّادِ الأَمِينِ وَالخَبَّازِ الكَرِيمِ، لِتَكُونَ هَذِهِ اللَّؤْلُؤَةُ بَرَكَةً حَلَّتْ عَلَى كُلِّ مَنْ آثَرَ الأَمَانَةَ وَالصِّدْقَ.
