سِنْدِبَادَ وَالعِفْرِيتِ وَالشَّيْخِ ذِي الكَلْبَيْنِ
تَبْدَأُ المَلْحَمَةُ حِينَ كَانَ سِنْدِبَادُ يَهيمُ في صَحْرَاءَ قَاحِلَةٍ، حَيْثُ وَجَدَ نَفْسَهُ وَجْهًا لِوَجْهٍ أَمَامَ عِفْرِيتٍ هَائِلٍ يَتَشَقَّقُ غَضَبًا، يَتَّهِمُهُ بِقَتْلِ وَلَدِهِ. كَانَ العِفْرِيتُ يَصْرُخُ بِتَوَعُّدٍ: "كَيْفَ تَجَرَّأْتَ عَلَى قَتْلِ وَلَدِي؟ سَأُحَوِّلُكَ إِلَى قِطَعٍ صَغِيرَةٍ!"، وَمَا كَانَ ذَنْبُ سِنْدِبَادَ إِلَّا أَنَّهُ رَمَى بِبِذْرَةِ عُنَّابٍ طَائِشَةٍ أَصَابَتِ ابْنَ العِفْرِيتِ فَأَرْدَتْهُ قَتِيلًا. وَفِيمَا كَانَ سِنْدِبَادُ يَبْحَثُ يَائِسًا عَنْ مَنْجَاةٍ، ظَهَرَ شَيْخٌ عَجُوزٌ يَقُودُ كَلْبَيْنِ، فَدَنَا مِنَ العِفْرِيتِ بِشَجَاعَةٍ نَادِرَةٍ، طَالِبًا مِنْهُ أَنْ يَسْتَمِعَ إِلَى قِصَّتِهِ، مُقَابِلَ أَنْ يَعْفُوَ عَنْ ثُلُثِ جَرِيمَةِ هَذَا الشَّابِّ إِنْ أَعْجَبَتْهُ القِصَّةُ، فَوَافَقَ العِفْرِيتُ،.
بَدَأَ الشَّيْخُ يَرْوِي حِكَايَتَهُ قَائِلًا إِنَّهُ كَانَ وَأَخَوَاهُ الأَكْبَرَانِ يَعِيشُونَ في قَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ، وَبَعْدَ وَفَاةِ وَالِدِهِمْ، اقْتَسَمُوا الثَّرْوَةَ إِلَى ثَلَاثِ حِصَصٍ مُتَسَاوِيَةٍ. لَمْ يَرْغَبِ الأَخَوَانِ في البَقَاءِ، فَحَوَّلَا حِصَّتَيْهِمَا إِلَى مَالٍ وَسَافَرَا لِلتِّجَارَةِ، بَيْنَمَا فَضَّلَ الشَّيْخُ البَقَاءَ لِيَعِيشَ بِهُدُوءٍ. مَرَّ عَامٌ كَامِلٌ، فَعَادَ الأَخَوَانِ وَقَدْ خَسِرَا كُلَّ شَيْءٍ وَبَدَا عَلَيْهِمَا البُؤْسُ، فَمَا كَانَ مِنَ الشَّيْخِ إِلَّا أَنْ فَتَحَ لَهُمَا بَيْتَهُ وَقَسَمَ مَالَهُ مَعَهُمَا، وَبَدَؤُوا يَعْمَلُونَ مَعًا في أَعْمَالٍ رَابِحَةٍ.
بَعْدَ فَتْرَةٍ، أَلَحَّ الأَخَوَانِ عَلَى الشَّيْخِ لِلسَّفَرِ وَالتِّجَارَةِ في بِلَادٍ بَعِيدَةٍ، وَرَغْمَ تَرَدُّدِهِ في البِدَايَةِ، إِلَّا أَنَّهُ وَافَقَ نُزُولًا عِنْدَ رَغْبَتِهِمَا. نَجَحَتْ تِجَارَتُهُمْ نَجَاحًا بَاهِرًا وَجَمَعُوا ثَرْوَةً طَائِلَةً، وَفِي طَرِيقِ العَوْدَةِ بَحْرًا، رَأَى الشَّيْخُ امْرَأَةً فَقِيرَةً تَبْكِي، فَرَقَّ قَلْبُهُ لَهَا رَغْمَ اعْتِرَاضِ أَخَوَيْهِ. طَلَبَتِ المَرْأَةُ مِنْهُ الزَّوَاجَ لِيُنْقِذَهَا مِنْ ضَيَاعِهَا، فَقَبِلَ الشَّيْخُ بِطِيبَةِ قَلْبِهِ، وَصَارَتْ تُدْعَى "عَبِير"،.
لَمْ يَدُمْ هَذَا الصَّفَاءُ طَوِيلًا، إِذْ مَلَأَ الحَسَدُ قَلْبَيِ الأَخَوَيْنِ لِمَا رَأَوْهُ مِنْ سَعَادَةِ أَخِيهِمْ وَثَرْوَتِهِ، فَانْتَهَزَا فُرْصَةَ نَوْمِهِ مَعَ زَوْجَتِهِ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ المَشْؤُومَةِ وَأَلْقَوْهُمَا في أَعْمَاقِ البَحْرِ لِيَسْرِقَا المَالَ. لَكِنَّ المُفَاجَأَةَ كَانَتْ أَنَّ "عَبِير" لَمْ تَكُنْ بَشَرِيَّةً عَادِيَّةً، بَلْ كَانَتْ تَمْلِكُ قُوًى خَارِقَةً أَنْقَذَتْ بِهَا الشَّيْخَ مِنَ الغَرَقِ وَأَعَادَتْهُ إِلَى السَّفِينَةِ. وَعِقَابًا لِلأَخَوَيْنِ عَلَى شَرِّهِمَا وَغَدْرِهِمَا، مَسَخَتْهُمَا "عَبِير" إِلَى كَلْبَيْنِ بَقِيَا مَعَ الشَّيْخِ، ثُمَّ وَدَّعَتْهُ وَرَحَلَتْ لِأَنَّ مُهِمَّتَهَا في حِمَايَتِهِ انْتَهَتْ،.
حِينَ أَتَمَّ الشَّيْخُ قِصَّتَهُ، انْطَفَأَتْ شُعْلَةٌ ثَانِيَةٌ مِنْ شُعَلِ غَضَبِ العِفْرِيتِ، إِذْ كَانَ رَجُلٌ آخَرُ مَعَهُ غَزَالٌ قَدْ أَنْقَذَ الثُّلُثَ الأَوَّلَ بِقِصَّتِهِ،. بَقِيَ الثُّلُثُ الأَخِيرُ مِنْ دَمِ سِنْدِبَادَ، فَحَاوَلَ سِنْدِبَادُ اسْتِعْطَافَ العِفْرِيتِ بِسَرْدِ جُزْءٍ مِنْ مُغَامَرَاتِهِ مَعَ الحُوتِ العِمْلَاقِ وَطَائِرِ العَنْقَاءِ. وَأَمَامَ غَرَابَةِ هَذِهِ القِصَصِ وَتَدَخُّلِ الرِّجَالِ الطَّيِّبِينَ، تَحَوَّلَ غَضَبُ العِفْرِيتِ إِلَى ذُهُولٍ، فَقَرَّرَ العَفْوَ عَنْ سِنْدِبَادَ وَرَحَلَ مُبْتَعِدًا. هَكَذَا نَجَا سِنْدِبَادُ بِفَضْلِ وَفَاءِ العُهُودِ وَغَرَائِبِ القَدَرِ، مُتَعَلِّمًا أَنَّ في العَالَمِ أَسْرَارًا تَفُوقُ الخَيَالَ.
