مغامرات سندباد 12 وَهَدِيَّةِ حُورِيَّةِ الْبَحْرِ
كَانَ سِنْدِبَادُ يَقِفُ عَلَى ضِفَافِ الشَّاطِئِ، يَرْقُبُ الأُفُقَ بَعِيداً بِيَقِينٍ الصَّابِرِ، مُنْتَظِراً سَفِينَةً تُعِيدُهُ إِلَى مَسْقَطِ رَأْسِهِ فِي بَغْدَادَ. وَفِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ سِنْدِبَادُ لِيَبْقَى عَاطِلاً، بَلْ كَانَ يَمُدُّ يَدَ العَوْنِ لِصَيَّادِ السَّمَكِ العَجُوزِ فَاضِلٍ. وَبَيْنَمَا كَانَا يَجْنِيَانِ صَيْداً وَفِيراً، تَعَجَّبَ سِنْدِبَادُ مِنْ تَوَقُّفِ فَاضِلٍ عَنِ الصَّيْدِ رَغْمَ بَرَكَةِ اليَوْمِ، فَأَخْبَرَهُ الصَّيَّادُ أَنَّ قَاعِدَتَهُ الثَّابِتَةَ هِيَ إِلْقَاءُ الشَّبَكَةِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فَقَطْ فِي اليَوْمِ، وَكَانَ عَلَى سِنْدِبَادَ الَّذِي يَعْمَلُ مَكَانَهُ أَنْ يَلْتَزِمَ بِهَذَا النَّهْجِ. وَفَجْأَةً، بَرَزَتْ مِنْ أَعْمَاقِ المِيَاهِ حُورِيَّةُ البَحْرِ، تِلْكَ الَّتِي أَنْقَذَهَا سِنْدِبَادُ سَابِقاً وَأَعْطَتْهُ اللُّؤْلُؤَةَ السَّوْدَاءَ. أَتَتِ الحُورِيَّةُ تَطْلُبُ مَعْرُوفاً؛ فَقَدْ كَانَ سُكَّانُ أَعْمَاقِ البِحَارِ يَتَشَوَّقُونَ لِتَذَوُّقِ ثِمَارِ الأَرْضِ مِنَ التُّفَّاحِ وَالإِجَّاصِ وَالعِنَبِ، فَوَعَدَهَا سِنْدِبَادُ بِإِحْضَارِ الكَثِيرِ مِنْهَا قَبْلَ غِيَابِ الشَّمْسِ.
وَفِي المَوْعِدِ المُحَدَّدِ، عَادَ سِنْدِبَادُ حَامِلاً سِلَالاً مَمْلُوءَةً بِأَشْهَى الفَوَاكِهِ، حَيْثُ غَطَّاهَا بِشَبَكَةِ الصَّيْدِ لِيَسْهُلَ نَقْلُهَا. فَرِحَتِ الحُورِيَّةُ فَرَحاً شَدِيداً، وَتَقْدِيراً لِلُطْفِهِ، قَدَّمَتْ لَهُ سَلَّةً مُغَطَّاةً، رَافِضَةً أَنْ يَرُدَّ هَدِيَّتَهَا، ثُمَّ غَاصَتْ مُوَدِّعَةً فِي أَعْمَاقِ اليَمِّ. حِينَ فَتَحَ سِنْدِبَادُ السَّلَّةَ، ذُهِلَ مِمَّا رَأَى؛ فَقَدْ كَانَتْ مَشْحُونَةً بِجَوَاهِرَ ثَمِينَةٍ مِنْ لآلِئَ وَيَاقُوتٍ أَزْرَقَ وَزُمُرُّدٍ وَأَلْمَاسٍ، ثَرْوَةٌ تَفُوقُ أَضْعَافَ مَا فَقَدَهُ فِي إِعْصَارِهِ السَّابِقِ. وَلأَنَّ سِنْدِبَادَ كَانَ نَبِيلاً، فَقَدْ اعْتَبَرَ أَنَّ هَذِهِ الجَوَاهِرَ لَيْسَتْ لَهُ، بَلْ هِيَ مِنْ حَقِّ الصَّيَّادِ فَاضِلٍ لأَنَّهُ كَانَ يَصْطَادُ مَكَانَهُ.
لَمْ تَمْضِ سَاعَةٌ حَتَّى جَاءَ صَدِيقُهُ سَلِيمٌ الخَبَّازُ لِيُعَايِنَ هَذَا الكَنْزَ، وَبَيْنَمَا هُمَا يَتَأَمَّلَانِ بَرِيقَ الجَوَاهِرِ، هَجَمَ جُنُودُ الوَالِي وَقَبَضُوا عَلَيْهِمَا بِتُهْمَةِ السَّرِقَةِ. لَقَدْ ظَنَّ الجُنُودُ أَنَّ هَذِهِ الجَوَاهِرَ هِيَ ذَاتُهَا الَّتِي اخْتَفَتْ مِنْ قَصْرِ الوَالِي قَبْلَ شَهْرٍ. وَفِي حَضْرَةِ الوَالِي، حَاوَلَ سَلِيمٌ وَسِنْدِبَادُ الدِّفَاعَ عَنْ أَنْفُسِهِمَا، وَطَلَبَا فَحْصَ الجَوَاهِرِ. وَيَا لَلْمُفَاجَأَةِ! فَقَدْ كَانَتْ جَوَاهِرُ سِنْدِبَادَ أَجْمَلَ وَأَنْدَرَ، وَأَقَرَّ الوَالِي أَنَّهَا لَيْسَتْ لَهُ، لَكِنَّهُ لَمْ يُصَدِّقْ قِصَّةَ حُورِيَّةِ البَحْرِ، وَاعْتَبَرَهَا ضَرْباً مِنَ الخُرَافَةِ وَالأَسَاطِيرِ.
مَنَحَ الوَالِي سِنْدِبَادَ فُرْصَةً أَخِيرَةً لِيُثْبِتَ صِدْقَ رِوَايَتِهِ بِأَنْ يُرِيَهُ الحُورِيَّةَ، وَإِلَّا فَإِنَّ المَوْتَ سَيَكُونُ مَصِيرَهُ هُوَ وَسَلِيمٍ. وَعَلَى الشَّاطِئِ، ظَلَّ سِنْدِبَادُ يُنَادِي بِأَعْلَى صَوْتِهِ: "يَا حُورِيَّةَ البَحْرِ!"، لَكِنْ لَا مُجِيبَ. حِينَهَا أَمَرَ الوَالِي الغَاضِبُ بِرَبْطِ سِنْدِبَادَ بِالحِبَالِ وَإِلْقَائِهِ فِي البَحْرِ. وَفِي أَعْمَاقِ المَاءِ، كَانَتِ الحُورِيَّةُ تَنْتَظِرُهُ، فَأَنْقَذَتْهُ وَأَخْبَرَتْهُ أَنَّ الحُورِيَّاتِ قَرَّرْنَ الاخْتِفَاءَ عَنْ أَنْظَارِ البَشَرِ لأَنَّ النَّاسَ يُحَاوِلُونَ دَائِماً اصْطِيَادَهُمْ. تَوَسَّلَ سِنْدِبَادُ إِلَيْهَا أَنْ تَظْهَرَ لِتُنْقِذَ حَيَاةَ أَصْدِقَائِهِ، فَقَبِلَتِ الحُورِيَّةُ بَعْدَ تَرَدُّدٍ.
عَادَ سِنْدِبَادُ إِلَى القَصْرِ، وَظَنَّ القَائِدُ أَنَّهُ شَبَحٌ قَادِمٌ مِنَ القَبْرِ، فَارْتَاعَ الوَالِي لِرُؤْيَتِهِ حَيّاً. وَهُنَا، شَقَّ بَرِيقٌ مِيَاهَ البَحْرِ، وَبَرَزَتِ الحُورِيَّةُ لِتُبْهِرَ الجَمِيعَ بِجَمَالِهَا الَّذِي لَا يُوصَفُ، وَقَدَّمَتْ لِلْوَالِي مَاسَةً ضَخْمَةً لَمْ يَرَ مِثْلَهَا قَطُّ. اعْتَذَرَ الوَالِي لِسِنْدِبَادَ عَنْ سُوءِ ظَنِّهِ، وَبِنَاءً عَنْ طَلَبِ الحُورِيَّةِ، أَعْلَنَ الوَالِي عَهْداً رَسْمِيّاً بِأَلَّا يَمَسَّ أَحَدٌ مِنَ الرَّعِيَّةِ أَيَّ حُورِيَّةٍ بِسُوءٍ.
تَقْدِيراً لأَمَانَةِ فَاضِلٍ وَصِدْقِ سَلِيمٍ، عَيَّنَهُمَا الوَالِي وَزِيرَيْنِ لَهُ، لِيَكُونَا عَوْناً فِي الحُكْمِ بِالعَدْلِ. أَمَّا سِنْدِبَادُ، فَقَدْ جُهِّزَتْ لَهُ سَفِينَةٌ لِلْعَوْدَةِ إِلَى بَغْدَادَ، وَبَدَلَ أَنْ يَطْلُبَ الذَّهَبَ، طَلَبَ مِنَ الوَالِي أَنْ يَمْلأَ سَفِينَتَهُ بِالفَوَاكِهِ لِيُتَاجِرَ بِهَا فِي وَطَنِهِ. وَبَيْنَمَا كَانَتِ السَّفِينَةُ تَمْخُرُ عُبَابَ المَاءِ، كَانَتِ الحُورِيَّاتُ جَمِيعاً يَقْفِزْنَ فَوْقَ المَوْجِ لِتَوْدِيعِ البَطَلِ النَّبِيلِ الَّذِي كَسَبَ القُلُوبَ بِصِدْقِهِ وَأَمَانَتِهِ.
